اللحظة التي كان يتوقع وصولها كل المتابعين للشأن العراقي، بانت للعيان بشكل جلي، إثر تفجر الخلاف بين مليشيا عصائب الحق وتيار الحكمة، ومن المؤكد أن هذه الشرارة لن تكون سوى بداية للانفجار الكبير الذي ستلحق بركبه كل المليشيات المسلحة العاملة بالعراق، إذا ما علمنا أن كلاً من العصائب والحكمة ينتميان إلى كتلتين سياسيتين متخاصمتين ومتنافرتين ويمتلكان من السلاح ما يجعل أي خلاف مسلح بينهما، كافيًا لحرق البلد بحرب أهلية لا يكون فيها الضحية سوى الشعب العراقي.

دولة تتوسط بين المليشيات والأحزاب

في الوقت الذي يتوجب أن تكون الدولة كما هو متعارف عليه بالعالم، المسيطرة على كل الفعاليات داخل البلد ولها القول الفصل في القضايا التي تتعلق بمصيره لا سيما الأمني منها، نجد أن الدولة العراقية تقوم بدور الوسيط وتبذل جهودًا لإرضاء أمراء الحرب المتخاصمين على المغانم، كون أولئك المتخاصمين من يحكمون البلد عمليًا، فالرئيس العراقي برهم صالح الذي ليست له سلطة على تلك المليشيا أو ذلك الحزب، يحاول أن يستغل علاقاته الجيدة بالطرفين لنزع فتيل الأزمة المستفحلة بينهما، وكأن كل مليشيا وكل حزب في العراق، هو دولة بحد ذاتها داخل الدولة العراقية.

جميع من تصدر للعملية السياسية بعد الاحتلال لم تكن دوافعه وطنية أو تطوع للعمل على نقل وضع البلد من الحال الذي هو فيه إلى ما هو أفضل

فهل يا ترى يقتصر عمل الرئاسة والحكومة على التوفيق بين المليشيات المختلفة والمتخاصمة على مغانمها ومناطق نفوذها أم أن واجبها هو تمكين الدولة وأجهزتها بفرض سلطتها على كامل التراب العراقي؟ لكن في العراق تختلف المعايير وترى فيه العجب.

الخلاف على المغانم يؤدي إلى التصادم

كما هو معروف فإن جميع من تصدر للعملية السياسية بعد الاحتلال، لم تكن دوافعه وطنية أو تطوع للعمل على نقل وضع البلد من الحال الذي هو فيه إلى ما هو أفضل، وفترة الـ15 سنة الماضية كافية كدليل، ولا تجعل في ذلك أدنى شك، بكل ما تحمله من دمار وسفك دماء وانحدار على المستويات كافة لهذا البلد، في ظل قيادة هذه الأحزاب والمليشيات المسيطرة على العملية السياسية منذ ذلك الحين، وعلى هذا فإنهم جميعًا مشاركون في الفساد والنهب المستمر لمقدرات هذا البلد، بل إن الجميع مشتركون في سفك دماء الأبرياء التي أريقت بحجج واهية مثل محاربة الإرهاب.

حتى إذا استقر الحكم لهم، بدأ الصراع بينهما شديدًا على المغانم التي يريدها كل طرف سياسي أو ميليشياوي، فالقشة التي قصمت ظهر البعير بين الحكمة والعصائب، كانت لسبب واهٍ وتافه قياسًا بما يقترف من جرائم كل يوم، ويتناسب مع ضحالة تلك الجهات.

في الوقت الذي اتهم تيار الحكمة مليشيا العصائب بالمسؤولية عن نهب مصفى بيجي الذي تقدر تكلفته بالمليارات حسب تقديراتهم، بادرتهم مليشيا العصائب باتهامهم بنفس تهمة نهب المصفى، حينما كان وزير النفط والمسؤول الأول عن هذا المصفى ينتمي لكتلة تيار الحكمة

صاحب أحد المطاعم في بغداد، كان يؤدي الإتاوة لأشخاص محسوبين على تيار الحكمة، أصرَّت مليشيا العصائب أن يكون لها حصة من هذا الفتات الذي يلقيه صاحب المطعم على المليشيات المختلفة، وعندما رفض، تم قتله دون أي تردد ليكون عبره لغيره من أصحاب الأعمال، الأمر الذي جعل تيار الحكمة يستشيط غضبًا لهذه الفعلة، كونها تضرب صميم عملهم وشريان حياتهم المتمثل بجني المال الحرام من المواطنين، ولسان حالهم يقول "قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق" وما هو برزق، إنما هو مال سحت يجنونه بالقوة من المواطنين المغلوبين على أمرهم.

ورغم أن جميع تلك الأحزاب والمليشيات متفقة على عمليات تقاسم المغانم الحرام من أموال الشعب العراقي، ولديهم اتفاقات ملزمة لكل طرف بالسكوت عن سرقات الطرف الآخر، فإن الذي لم يكن يخطر على بالهم أن يتطاول أحد تلك الأطراف على الآخرين وبقوة السلاح على ما يعتبرونه حق لهم يقع في مناطق سيطرتهم، وهو أمر يعتبرونه خطيرًا على مستقبل بقائهم.

التصادم يخرج عفن فسادهم

وكما هو حال تصرف كل المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فإنهما حينما يتخاصمون فأنهم يَفْجرون، مصداقًا لوصف رسول الله ﷺ في حديثه عنهم، إذ يقول: "آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا خاصم فجر"، وأي صفة من تلك الصفات لا تنطبق عليهم؟ ففي الوقت الذي يتكلمون عن صيانة الوطن والحفاظ على سيادته وثروته وشعبه، نجدهم قد تنازلوا عن سيادته طوعًا للأمريكان حينما ساهموا باحتلاله، وتنازلوا عن سيادته طوعًا لإيران حينما جعلوه ساحة مباحة لكل أشكال النفوذ الإيراني ونهبوا خيراته.

ومع كل هذا فإنهم يتعاضدون على عدم فضح أحدهم للآخر، لأنهم في ذلك الشر جميعًا سواء، بل إنهم لا يتورعون عن استخدام وسائلهم المستهلكة من الشحن الطائفي لتوحيد صفهم، هذا ما تجرأ عليه النائب عن تحالف سائرون قصي الياسري حينما قال: "من المعيب أن يقال إن الشيعة يتقاتلون فيما بينهم، وإن الشيعة إذا لم يجدوا عدوًا يقاتلونه ‏يتقاتلون فيما بينهم"، وما هم من الشيعة، والشيعة منهم براء.

الوضع الذي أسفرت عنه الخصومة الجديدة بين العصائب والحكمة، يشكل خطرًا يهدد كل العاملين بالعملية السياسية الحاليّة

لكن حينما تصل الأمور إلى التهديد بمصالحهم المالية فأنهم يَفْجرون ويقدمون على فعل كل شيء ليفضحوا به الطرف المقابل، ظانين أنهم بعملهم هذا سوف يبيضون صحائفهم على حساب سواد صحائف الطرف الخصم، ففي الوقت الذي اتهم تيار الحكمة مليشيا العصائب بالمسؤولية عن نهب مصفى بيجي الذي تقدر تكلفته بالمليارات حسب تقديراتهم، عندما استولت عليه بعد طرد تنظيم داعش منه، بادرتهم مليشيا العصائب باتهامهم بنفس تهمة نهب المصفى، حينما كان وزير النفط والمسؤول الأول عن هذا المصفى ينتمي لكتلة تيار الحكمة.

المواطنون حطب لنارهم

ولم يكتفوا بذلك، فإنهم حينما يريدون استعراض قوتهم، يلجأون للمواطن البسيط للقيام بذلك، ويسوقونه للشوارع للتظاهر، ويجعلونه حطبًا لنار حربٍ بين جهتين سارقتين متخاصمتين، والسائل يقول عندما يسمع كل هذه التهم الخطيرة المتبادلة بين الطرفين، لماذا كنتم ساكتين عن هذه السرقات وأنتم تعلمون بها، رغم أنكم تدعون العفَّة والنزاهة؟ وما موقف الحكومة ورئاسة الجمهورية التي تقوم بدور الوساطة، من هذه الاتهامات الخطيرة؟ ألا ينبغي فتح تحقيق بكل هذه الاتهامات التي تلقى صراحةً على الهواء أم أن الحكومة والرئاسة متورطة بما هو أعظم فسادًا من ذلك؟ لذلك فهي تختار غلق الموضوع وعدم الحديث عن هذه الفضائح بحق الشعب العراقي بالوسائل الإعلامية.

إن الوضع الذي أسفرت عنه الخصومة الجديدة بين العصائب والحكمة، يشكل خطرًا يهدد كل العاملين بالعملية السياسية الحاليّة، هذا ما عبر عنه صراحة النائب رياض المسعودي من تحالف الإصلاح، حينما ‏عبر عن مخاوفه من اقتتال ‏ونزاع عسكري داخلي على خلفية فتح ملفات ‏الفساد، وأكد بشكل واضح وجلي، أن التوافقات السياسية التي كانت موجودة ‏في السابق هي التي منعت فتح الكثير من ‏ملفات الفساد.‏

وقد بات واضحًا بشكل جلي أن ما يمنع نشر فضائح السرقات والفساد الذي تقوم بها تلك الأحزاب والمليشيات، هو اتفاق الرعب المبرم بينهما، ذلك لأن فضح أحدهما سيعني فضح الآخر، وبالتالي فإنهم يسكتون عن بعضهم ما داموا مستمرين بالسرقة والفساد، وما دام هناك من بقية بعمر هذا النظام السياسي الفاسد، لكن يبدو أن هذا الاتفاق الهش ربما قد وصل إلى نهايته، وحان وقت الاقتتال على المغانم، والبقاء سيكون للأقوى كما يعتقدون.

 لكنَّ ما نتوقعه هو على خلاف ما يتوقعوه، ذلك أن انهيار تلك الاتفاقيات الشيطانية المبرمة بينهما، ستكون هي بداية النهاية لهم كأحزاب ومليشيات جميعًا، وبداية لانتقام الشعب من جلاديه وسارقي قوته وقوت أولاده، وما الغد لناظره ببعيد.