على نحوٍ مثير للجدل وغير مسبوق في أوساط رؤساء الدول والسياسيّين، يستخدم ترامب تويتر كوسيلة للإعلان عن سياساته وآرائه وقراراته وردود أفعاله تجاه العالم من حوله، سواء في القضايا ذات التأثير الكبير مثل قضايا الهجرة واللجوء أو التحوّل الجنسي، أو في ما يخصّ علاقاته مع الدول الأخرى ورؤسائها، وحتى أنه قد يُعفي بعض مسؤوليه من مناصبهم عبر الموقع.

إذ لا يكاد يمرُّ أسبوعٌ أو أقل، إلا ويثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدالًا جديدًا في العالم، وغالبًا ما يبدأ الأمر معه على حسابه في موقع التواصل الاجتماعيّ تويتر، الذي لا يتوانى من خلاله في مهاجمة أو انتقاد أو الردّ على ما يحصل من أحداث وتطوّرات في العالم، أو حتى على مَن يزعجه من معارضين وسياسيّين أو شخصيات رياضية أو فنية أو غيرهم من المشاهير الذين لم يسلموا من انتقاداته اللاذعة. فعلى سبيل المثال، علّق ترامب على الممثلة الأمريكية ميريل ستريب بأنها ممثلة "مبالغ فيها"، وذلك بعد خطاب ستريب في حفل غولدن غلوب الذي انتقدت سياسات ترامب فيه.

أصدر البيت الأبيض قبل عامين تقريبًا أنّه يعتبر تغريدات دونالد ترامب بمثابة تصريحات رئاسية رسمية، بكلّ ما تغطيه من موضوعات

وبدءًا من التغريدة الأولى التي شاركها ترامب في آذار/مارس من عام 2009، أصبح عند الرئيس الآن ما مجموعه أكثر من 38 ألف تغريدة، ما يعني أنه يكتب حوالي 4200 تغريدة في السنة، بمعدّل 11 أو 12 تغريدة في اليوم الواحد، مع متابعين يصل عددهم إلى أكثر من 57.3 مليون متابع الآن، مما يجعله الحساب الـ18 الأكثر شعبية على موقع التواصل الاجتماعي عامّة، وثاني أكثر السياسيين تغريدًا بعد سلفه باراك أوباما الذي كان متوسط تغريداته يصل إلى أربع مرات في اليوم الواحد.

مع الوقت، أصبحت تغريدات ترامب تتصدّر عناوين الأخبار الرئيسية ومن الصعب تجاهلها أبدًا. ولهذا ربما أصدر البيت الأبيض قبل عامين تقريبًا أنّه يعتبر تلك التغريدات بمثابة تصريحات رئاسية رسمية، بكلّ ما تغطيه من موضوعات. ولا يمكن غض النظر عن أنّ الموضوع أصبح يثير لا الغرابة وحسب في نفوس الآخرين، وإنما الخوف أيضًا. فبدلًا من أنْ يجتمع الرئيس مع كبار مستشاريه في السياسة الخارجية على سبيل المثال، يُمسك هاتفه ليكتب تغريدةً مرتجَلة يصرّح بها عن رأيه في الأزمة النووية مع كوريا الشمالية.

قوة فعّالة ووسيلة إلهاء وتشتيت

في السنوات الأخيرة، استخدم علماء النفس بشكل متزايد أدوات ومفاهيم العلوم النفسية لإلقاء الضوء على حياة العديد من الشخصيات البارزة في العالم. ولا عجب أنّ حساب ترامب على تويتر بما فيه من تغريدات وردود قد جذب انتباه العديد من علماء وخبراء النفس، فكما أسلفنا سابقًا فاستخدامه لموقع التواصل الاجتماعي بهذه الطريقة يُعتبر أمرًا غير مسبوق وغريبًا بعض الشيء في أوساط الساسة والرؤساء.  

يهدف ترامب من خلال تغريداته للهيمنة على وسائل الإعلام من خلال إثارة الجدل حولها وإعادة تغريدها وتكرارها في وسائل الإعلام الأخرى 

بالنسبة إلى ترامب، يمكننا القول بأنّ وسائل الإعلام الاجتماعية هي ساحة معركة ينبغي تسليحها وتحشيدها بالطرق اللازمة لما يخدم صالحه وصالح سياساته. وذلك بحسب ما  يرى جورج لاكوف، الفيلسوف الأمريكي وعالم اللغويات المعرفية والأستاذ في جامعة كاليفورنيا، أنّ ترامب يستخدم وسائل الإعلام الاجتماعية كسلاح للسيطرة على دورة الأخبار بطريقة تكتيكية واستراتيجية مدروسة. 

كتب لاكوف في سلسلة من التغريدات التي نشرها على حسابه الشخصي على تويتر، أنّ ترامب يهدف من خلال تغريداته للهيمنة على وسائل الإعلام الاجتماعية من خلال إثارة الجدل حولها وإعادة تغريدها وتكرارها في وسائل الإعلام الأخرى بشكلٍ متكرّر وهائل. وبصفته خبيرًا معرفيًا، يعتقد لاكوف أنّ تكرار الرسائل في وسائل التواصل الاجتماعيّ تساعد جيّدًا في ترسيخها والتأثير على الأفراد والجماعات.

 

وخلص لاكوف في تحليلاته إلى أنّ تغريدات ترامب "ليست مجنونة أو مهووسة"، لكنّها طريقة فعالة وذكية لجعل الصحافة تركّز على ما يريد ترامب أنْ يركّز عليه دون أيّ شيءٍ آخر. إذ تركّز تغريداته كلّ الاهتمام على الطريقة الغريبة لتصرّفاته وردود أفعاله، ما يجعل "هراءه" كأهمّ شيءٍ في العالم يجب تداوله والحديث عنه.

في علم النفس، يُستخدم مصطلح "ارتساء Anchoring" أو "وهم التركيز focusing illusion"، وهو انحياز معرفي لوصف ظاهرة بشرية شائعة، حيث يعتمد الأشخاص على معلومة واحدة أو معلومات قليلة جدًّا لاتخاذ القرارات وبناء ردود الأفعال وتطوير العواطف والمشاعر فيما يتعلّق بالعالم من حولهم. وبمعنى آخر، يحصل هذا النوع من الانحيازات المعرفية حينما يُعطي الناس أهمية كبيرة جدًا لجانب واحد من الحدث، بما يسبب ارتباكًا متوقّعًا في التنبؤ بالنتائج المستقبلية بشكل دقيق.

يستخدم ترامب تويتر لتحويل الانتباه عن "الحقائق الكبيرة"، أو الأشياء أو الأخبار التي لا يريد من وسائل الإعلام والصحافة تغطيتها ومتابعتها، ما يسمح له بإثارة الجدل وفقًا لما يريده والاستفادة من الغضب والارتباك الذي تولّده

ومع التكرار المستمر لها، تصبح تغريدات ترامب تبدو عميقة في أدمغة الملايين من البشر ممّن يتابعونه على حسابه أو ممّن يتعرّضون لتغريداته من خلال العديد من الوسائل الأخرى. وسواء أراد أنْ يهدّد بحربٍ نووية أو انتقاد أحد الممثّلات أو الفنّانين، فإنّ ترامب من خلال سياسة التغريد المتكرّر يسعى للتحكّم في عشرات الملايين من العقول من خلال تركيزه على مواضيعه المختارة والتي غالبًا ما تكون مجرّد "هراء".

وبتعبيرٍ آخر، يعتقد لاكوف بأنّ الرئيس الأمريكي يستخدم تويتر لتحويل الانتباه عن "الحقائق الكبيرة"، أو الأشياء أو الأخبار التي لا يريد من وسائل الإعلام والصحافة تغطيتها ومتابعتها، ما يسمح له بإثارة الجدل وفقًا لما يريده والاستفادة من الغضب والارتباك الذي تولّده تلك التغريدات. وقد كتب لاكوف في أحد المقالات لصحيفة الغارديان أنّ الرئيس يتلاعب باللغة للتحكم في الرواية العامة، وأنّ الصحافة ووسائل الإعلام تعمل بمثابة وكالة التسويق لأفكار ترامب بتكرارها لادعاءاته وتغريداته، حتى في محاولتها لنقد ما يكتبه أو فضح تصريحاته.

كما يصنّف لاكوف تغريدات ترامب إلى أربع فئات رئيسية؛ فهو يسعى من خلالها إمّا لتأطير شيء ما بشكلٍ مسبق، أو لصرف الانتباه عن شيءٍ يهدّده، أو لتحويل اللوم إلى شخص آخر أو إلى وسائل الإعلام نفسها أو أنها قد تكون عبارة عن اختبارات تجريبية لردود أفعال الناس لما يمكنه فعله أو لما يريد أنْ يفعله.

ينصح لاكوف بالنهاية بأنّ الحل الأمثل للحدّ ممّا ينشره الرئيس الأمريكي من تغريدات محرّضة أو فارغة هو عدم التفاعل معه سواء بالردّ عليه أو نقل ما يتداوله وما يشاركه. "فكر في ترامب كمحرّك للدمى، وفي تغريداته كخيوط، وفي أي شخص يجادل/ يشاركه كدمية"، يعلّق لاكوف في نهاية تغريداته. وعلى الرغم من أنّ الحلّ يبدو سهلًا نظريًّا، لكن هل يستطيع العالم بالفعل عدم إعارة حساب الرئيس الأمريكي أيّ اهتمام أو سؤال بسهولة؟