ملك الأردن عبد الله الثاني مع الرئيس العراقي برهم صالح

أول من أطلق مصطلح "الهلال الشيعي" لوصف خطر التمدد الإيراني بالدول العربية هو الملك الأردني عبد الله بن الحسين، كتعبير عن الخطر الوشيك الذي سيهدد المملكة وباقي الدول العربية، لكنه وبعد سنوات من ذلك التحذير، بدأ يخطو خطواته الأولى للدخول إلى قلب ذلك الهلال مضطرًا لا مختارًا، بعد أن جعلته الدول التي كان يتكئ عليها، وحيدًا يتسول على عتبات أبواب الدول ما يستطيع أن يسد به رمق شعبه.

جاءت زيارة الملك إلى العراق بعد عشر سنوات من أول زيارة له لبغداد، لإضفاء الطابع السياسي على الاتفاقيات التي أبرمها رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز مع الحكومة العراقية في زيارته قبل نحو أسبوعين التي شملت جوانب عديدة تسعى المملكة أن تخرج من خلالها، من الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها البلد.

فالأردن وقبل أشهر قليلة شهد تظاهرات حاشدة هددت كيان المملكة، بعد أن أقرت الحكومة قانونًا ضريبيًا قاسيًا على المواطنين، فرضته الحالة الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المملكة، لكنها لم تكن تعرف أن هذا القانون جعل الأردنيين يضيقون ذرعًا بهذا الكم الهائل من الضرائب، ونزلوا للشوارع بتظاهرات صاخبة، لم تهدأ إلا بسقوط الوزارة وتكليف رئيس وزراء جديد، الذي هو الآخر جاء بقانون ضريبي لكنه أقل قسوة.

ملك الأردن وجد في دول الهلال الشيعي بقيادة إيران التي كان يناصبها العداء، عندما كان يتكئ على الدعم السعودي الخليجي، طوق نجاة له، وربما يجدها الآن أوثق وأنفع لبلده من تلك الدول

أدركت المملكة أن الفتات الذي رمته بعض دول الخليج عليها إثر التظاهرات الصاخبة لم يكن كافيًا لشيء ولم يكن دون ثمن، فقد حاول محور السعودية والإمارات فرض رؤيته في السياسات الخارجية للمملكة وعلى رأسها موضوع القدس والحل النهائي للقضية الفلسطينية، الذي رفضته المملكة الأردنية جملة وتفصيلًا، لا لأنها تدافع عن القضايا العربية والفلسطينية انطلاقًا من ثوابتها العربية والإسلامية، وهي التي ترتبط بالكيان الصهيوني بمعاهدة سلام من أمد بعيد، إنما لأن الموافقة عليها يعني فقدان الملك لشرعية حكمه لبلد مثل الأردن، وهو البلد المسؤول عن الأوقاف الفلسطينية في القدس والمسجد الأقصى وغيرها من الأوقاف الإسلامية.

ومن هذا يبدو أن ملك الأردن وجد في دول الهلال الشيعي بقيادة إيران التي كان يناصبها العداء، عندما كان يتكئ على الدعم السعودي الخليجي، طوق نجاة له، وربما يجدها الآن أوثق وأنفع لبلده من تلك الدول، تلك الدول التي لا تريد شركاءً سياسيين، إنما تريد اتباع، فكان العراق الدولة الثانية التي ينفتح عليها الأردن بعد سوريا التي فتح الطريق البري الرابط بينهما، مما سيدر على الأردن مدخولات مهمة من العملة الصعبة نتيجة أموال الترانزيت التي يجنيها من الشاحنات المحملة بالبضائع اللبنانية والسورية إلى دول الخليج.

جاءت زيارة الملك عبد الله للعراق لإعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ حزمة من الاتفاقات البينية في المجالات ‏الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة والنقل والإنشاءات، كان من أبرزها تفعيل اتفاق مد خط أنابيب لنقل النفط الخام بطول 1700 كيلومتر، يربط ‏حقول محافظة البصرة النفطية بميناء العقبة الأردني وإنشاء منطقة صناعية مشتركة وفتح المعابر ‏الحدودية أمام حركة النقل.

ومن جانبه أعفى العراق عددًا من السلع الأردنية الداخلة إلى العراق من ‏الجمارك، والاتفاق على مرور سعات الإنترنت للعراق من خلال الأردن في 2019، بالإضافة إلى تشكيل لجنة فنية مالية قانونية بين الجانبين لوضع حلول للملفات المالية العالقة بين ‏البلدين.

كان الملك عبد الله واضحًا في رسالته لإيران، عكس ما كانت تفعله دول التطبيع الخليجية حينما ذهبت صاغرة إلى دمشق بحجة أنها تريد سحب النظام السوري من عباءة النفوذ الإيراني، رسالة ساذجة لا تنطلي على كل ذي عقل

ومن اللافت في هذه الزيارة أنها تزامنت مع زيارة لوزير الخارجية الإيراني إلى العراق، التي كانت هي الأخرى لنفس الغرض الذي قام به الملك الأردني بزيارة العراق، وهو الجانب الاقتصادي بالمقام الأول، بالإضافة إلى ملف سوريا، توحدت أهداف البلدين في زيارتهما للعراق، وكأن الأردن يريد توجيه رسالة لطهران فحواها أننا لسنا أعداءً لكم كما كنا بالسابق، وهلالكم أضمن إلينا من بدر غيركم، وأن لا بأس من إعادة التنسيق معكم من خلال حلفائكم في العراق وسوريا.

على الأقل كان الملك عبد الله واضحًا في رسالته لإيران، عكس ما كانت تفعله دول التطبيع الخليجية حينما ذهبت صاغرة إلى دمشق بحجة أنها تريد سحب النظام السوري من عباءة النفوذ الإيراني، رسالة ساذجة لا تنطلي على كل ذي عقل.

ولم تنس المليشيات تأكيد دورها في وصم السياسة الخارجية العراقية بوصمتها المليشياوية وإضفاء الطابع الإيراني عليها، حينما قال رئيس مليشيا العصائب قيس الخزعلي: "من الضروري أن يتم معالجة ‏موضوع التعامل الطائفي مع الزائر العراقي إلى الأردن بسبب جواز سفره"، وهو يشير بذلك إلى منع السلطات الأردنية لحاملي الجوازات العراقية التي عليها أختام إيرانية، كما صرح بذلك وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم.

إن الدولة التي تعيش بمثل ظروف الأردن الاقتصادية الصعبة، ربما ستكون على استعداد لاتخاذ كل الخيارات التي تخرجها من هذه الضائقة، ووجدت الولايات المتحدة فرصتها في محاولة تخفيف اعتماد العراق على إيران في موضوع الطاقة الكهربائية، بجعل الأردن أحد مصادر تلك الطاقة إلى العراق، وقد أبرم الأردن اتفاقية مع العراق، يتم خلالها تصدير الطاقة الكهربائية من الأردن إلى العراق، بواقع 300 ميغاواط، ورغم أن هذا القدر من الطاقة الكهربائية لا يكاد يساوي ما يستورده العراق من إيران، فسوف يسهم بتقليل اعتماد العراق على إيران بهذا المجال الحيوي، وبنفس الوقت ربما وجد العراق بالأردن دولة أكثر ضمانًا له في استيراد الطاقة الكهربائية من خيار السعودية المتقلبة المزاج.

لكن السؤال الذي دائمًا ما نوجهه إلى دول الخليج إثر كل خسارة تلحق بها: هل ستبقى تمثل دور المتفرج وهي ترى الأردن قد لفه الهلال الشيعي ويكاد يحتويه؟ أغلب الظن أن الجواب هو أن دول الخليج وعلى رأسها السعودية، ليست لديها الرغبة أو الإرادة لفعل شيء إزاء هذا الموضوع، وربما سوف تعود مرة أخرى إلى أسلوبها القديم بتقديم مساعدات شحيحة إلى الأردن مقابل تنازلات سياسية، لكن هذه المرة من غير المرجح أن يستجيب الأردن لهذا المال السياسي والضغوط التي تتبعه، وسوف يرسم لنفسه مسارًا سياسيًا مستقلًا بعيدًا عن تلك الدول، وستكون نقطة رابحة جديدة لصالح المحور الإيراني على حساب المحور الخليجي.