بعد أقل من 24 ساعة على تغريدته التي هدد فيها تركيا بتدمير اقتصادها حال القيام بأي عمل عسكري ضد الأكراد (الحليف الأمريكي في سوريا) تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن موقفه مشيرًا إلى الإمكانات العظيمة للتعاون الاقتصادي بين بلاده وأنقرة.

ترامب في تغريدة له على حسابه الشخصي على "تويتر" أمس الإثنين، قال "تحدثت مع الرئيس أردوغان لتقديم المشورة بشأن موقفنا فيما يتعلق بجميع المسائل، بما في ذلك، النجاحات التي تحققت في آخر أسبوعين في محاربة ما تبقى من تنظيم "داعش" الإرهابي وإقامة منطقة آمنة مساحتها 20 ميلاً في سوريا"، مضيفًا "تحدثنا أيضًا عن التنمية الاقتصادية بين الولايات المتحدة وتركيا…إمكانات هائلة لتعزيزها وتوسعها".

تراجع ترامب عن موقفه جاء بعد اتصال هاتفي أجراه ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، أمس، بحثا خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين والتطورات الأخيرة في سوريا، بحسب مصادر في الرئاسة التركية لـ"الأناضول" التي أكدت أن الرئيسين ناقشا الوضع المعقد سوريًا وكيفية الخروج منه.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يناقض فيها الرئيس الأمريكي نفسه عبر تغريدات يتراجع عنها سريعًا، غير أن عدد من التساؤلات فرضت نفسها هذه المرة في محاولة لمعرفة دوافع هذا التراجع الذي انتقل من مرحلة التهديد بتدمير الاقتصاد إلى تعزيز فرص التعاون العظمى معه.

تهديد مرفوض

التهديد الأمريكي بتدمير اقتصاد تركيا أثار حفيظة الشارع التركي بأطيافه السياسية كافة، المؤيدة والمعارضة، فعلى لسان وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو قال إن بلاده أبلغت واشنطن بعدم خشيتها من أي تهديد، وأنه من غير الممكن للأخيرة بلوغ غاياتها عبر التهديد بـ"تدمير" اقتصاد تركيا، فيما دعا المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ترامب إلى احترام الشراكة بين واشنطن وأنقرة.

قالن وعبر "تويتر" قال: "يا سيد ترامب إنه لخطأ فادح مساواة الأكراد بتنظيم "بي كا كا" الإرهابي، المدرج على قوائم الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية، وفرعه بسوريا ي ب ك/ ب ي د"، مضيفًا "الإرهابيون لا يمكن أن يكونوا شركاءك وحلفاءك، تركيا تتوقع أن تحترم الولايات المتحدة شراكتنا الإستراتيجية".

أما مدير الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون فأشار إلى أن بلاده مصممة على مكافحة الإرهاب، مشددًا على أن تركيا ليست عدوة للأكراد، كما رفض حزب الشعب الجمهوري - أكبر أحزاب المعارضة التركية - تلك التهديدات، وقال إنها لن تفلح مع الدولة التركية.

وزيرا خارجيتي تركيا وأمريكا، جاويش أوغلو ومايك بومبيو

تراجع سريع

في بيان لها قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، إن أردوغان وترامب بحثا خلال المكالمة الهاتفية العلاقات الثنائية بين البلدين بما في ذلك الانسحاب الأمريكي من سوريا، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي في تغريدته مساء أمس التي كشفت حجم التنسيق بين البلدين خلال الأسبوعين الأخيرين والنجاحات التي تحققت ميدانيًا فوق الأرض السورية.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قبيل مغادرته الرياض أمس في إطار جولته الشرق أوسطية التي يقوم بها حاليًّا حاول التخفيف من حدة التوتر بشأن تهديدات ترامب، لافتًا إلى أنه كان يعني بتدمير اقتصاد تركيا فرض عقوبات اقتصادية عليها، كما عبّر من خلال اتصال هاتفي أجراه ونظيره التركي أول أمس الأحد عن تفاؤله بالتوصل إلى صيغة تضمن أمن تركيا وتحمي المسلحين الأكراد السوريين بعد سحب القوات الأمريكية من سوريا.

جدير بالذكر أن قرار ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا في الـ19 من الشهر الماضي وحديثه عن إمكانية تركيا محاربة فلول تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" شرقي الفرات، كان قد أوحى بحالة من التقارب التركي الأمريكي ربما يرسم ملامح مستقبل سوريا غير أن التطورات الأخيرة قللت من تلك الاحتمالات في ظل المعارضة الشديدة التي قوبل بها القرار الأمريكي داخليًا.

المنطقة الآمنة.. قد تكون الحل

تراجع ترامب السريع عن قراره يرجع وفق البعض إلى بوادر انفراجة في معضلة الأكراد وتعامل تركيا معهم، فسريعًا ما ظهرت ملامح الحل الوسط الذي ألمح إليه وزير الخارجية الأمريكي بأن بلاده تبحث عنه للموازنة بين تركيا الحليف الإستراتيجي القوي وأكراد سوريا كـ"حليف الميدان" للقوات الأمريكية في إطار الحرب على "داعش" منذ سنوات.

الحل يتمحور بحسب بومبيو في إقامة منطقة عازلة وهي التي كان ترامب قد دعا لها سابقًا لتفادي أي هجوم تركي ضد مناطق سيطرة الأكراد في شمال وشمال شرق سوريل والعكس، مضيفًا "نريد أن نضمن أمن الذين حاربوا معنا لإسقاط الخلافة وتنظيم الدولة الإسلامية، وأيضًا ألا يتمكن الإرهابيون الذين ينشطون من سورية من مهاجمة تركيا"، ولكنه أضاف: "لا نزال نعمل على المنهجية المحددة لضمان أمن هذه العناصر على طول الحدود، ومطلبنا ألا يقوم الأتراك بالتعرض للأكراد بطرق قد لا تكون مقبولة".

إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، يُمكن النظر إليه بإيجابية، ولكن هناك غموضًا كبيرًا، فمن غير الواضح الآن ما هو المقصود من هذه المنطقة، ومن يشكّلها، ومن يمولها، ومن سيديرها

وبحسب تغريدة ترامب فإن المنطقة المقترح مساحتها بـ20 ميلاً (نحو 32 كيلومترًا) على الحدود التركية السورية، ستشمل معظم المدن الرئيسية التي تقع تحت سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، بدءًا بمدينة عين العرب (كوباني) ورأس العين وصولاً إلى مدينة القامشلي في أقصى شمال شرق سورية، فضلاً عن الدرباسية وسروج والقحطانية وعامودا والمالكية.

ربما يكون هذا الحل بتصوره المقترح مرضي إلى حد ما بالنسبة لأنقرة، التي تسعى في المقام الأول إلى حماية حدودها من أي هجمات إرهابية تستهدف أمنها واستقرارها، وهو ما يعكسه الهدوء التركي في الرد على تهديدات الرئيس الأمريكي العنيفة، والاكتفاء بالتأكيد على محاربة التنظيمات الإرهابية دون التطرق لتهديد مماثل.

ترامب اقترح إقامة منطقة آمنة بين سوريا وتركيا

انتظار وترقب

فكرة إنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية السورية فكرة ليست بالجديدة، حيث تقدمت بها أنقرة قبل ذلك، غير أن المستجدات والتطورات على الساحة السورية حالت دون التنسيق في ظل الدعم الأمريكي للميليشيات الكردية المقاتلة هناك، ومن ثم فإن الحديث الآن عن إقامة مثل هذه المنطقة أثار قلق البعض فيما دفع آخرون إلى تقديم عدة تساءلات في انتظار الإجابة عنها.

المحلل السياسي التركي أوكتاي يلماز أشار إلى أن الحديث عن إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، يُمكن النظر إليه بإيجابية، ولكن هناك غموضًا كبيرًا، فمن غير الواضح الآن ما المقصود من هذه المنطقة ومن يشكّلها، ومن يمولها، ومن سيديرها، مضيفًا أن الإستراتيجية الأمريكية حيال سوريا غير واضحة منذ البداية غير أنه ألمح إلى أن تركيا ليس أمامها سوى انتظار نتائج المباحثات مع المسؤولين الأمريكيين حيال تفاصيل هذه المنطقة.

مثل هذا التخبط يفقد الإدارة الأمريكية مصداقيتها ويثير حالة من الإرباك والشك وعدم الثقة بها لدى حلفائها وشركائها في المنطقة

بدوره قال القيادي في حزب العدالة والتنمية الحاكم والنائب السابق في البرلمان التركي رسول توسون، إن أنقرة منذ البداية اقترحت هذه الفكرة، لكن تصريحات ترامب المفاجئة ودون توضيح أي مخطط بخصوصها، جاء لتشويش تركيا والعالم بهدف كسب الوقت من أجل تأخير أنقرة عمليتها العسكرية في منطقة شرق الفرات.

فيما وصف أستاذ العلاقات الدولية علي باكير تصريحات المسؤولين الأمريكيين بـ"المتخبطة"، لافتًا إلى أن مثل هذا التخبط يفقد الإدارة الأمريكية مصداقيتها ويثير حالة من الإرباك والشك وعدم الثقة بها لدى حلفائها وشركائها في المنطقة.

باكير في تصريحاته لـ"الجزيرة" قدم عددًا من التساؤلات تعليقًا على إقامة المنطقة الأمنة منها: هل يقصد ترامب إنشاء الطرفين لتلك المنطقة بشكل مشترك؟ ما مصير المليشيات الكردية المتحالفة مع أمريكا في حال طلبت واشنطن من أنقرة إنشاء هذه المنطقة؟ وهل ستقبل أن تكون المليشيات الكردية داخلها أو خارجها؟

أستاذ العلاقات الدولية لم يسبعد وجود نية حقيقية لواشنطن في إقامة هذه المنطقة، غير أنه أشار إلى أن الهدف قد يكون إضاعة المزيد من الوقت لمنع عملية عسكرية تركية في شرق الفرات، كما ذهب يلماز، مبينًا أنه من الصعب الوقوف على أي منهما في ظل إدارة شديدة التخبط والتناقض كإدارة ترامب.

وفي المقابل تواصل تركيا استعداداتها الحدودية في مواجهة الميليشيات المسلحة وذلك عبر وصول تعزيزات جديدة للجيش التركي أمس الإثنين إلى ولاية هاطاي جنوبي البلاد لتوزيعها على الوحدات المتمركزة في الحدود مع سوريا وسط استعدادات لعملية عسكرية تركية محتملة ضد الوحدات الكردية شرق نهر الفرات بسوريا في انتظار ما ستسفر عنه المباحثات مع الجانب الأمريكي بشأن المنطقة العازلة.