لم تنجح عمليات الإرجاء المتكررة التي لجأت إليها رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة تيريزا ماي، ولا التطمينات الأوروبية "القليلة" في حشد الأنصار وكسب مزيد من المؤيدين لخطتها، فقد رفض البرلمان مسودة اتفاق البريكست الذي توصلت إليه ماي مع الاتحاد الأوروبي بهامش كبير، ما جعل بريطانيا أمام مصير مجهول، فما الخيارات المطروحة؟

هزيمة مدوية

رفض مشروع الاتفاق جاء من 432 نائبًا، فيما أيده 202 نائب، وجاء هذا التصويت بعد أكثر من سنتين من النقاش داخل بريطانيا، بدأ إثر نتيجة الاستفتاء على البريكست في 2016، وهي النتيجة التي وجد معظم النواب المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي صعوبة في تقبلها.

ومباشرة بعيد إعلان نتائج التصويت، توجهت ماي في كلمة قصيرة لأعضاء مجلس العموم، قائلة: "المجلس قال كلمته والحكومة ستمتثل"، وتابعت "من الواضح أن المجلس لا يؤيد هذا الاتفاق، لكن التصويت هذه الليلة لا يكشف ماذا يؤيد".

مضيفة أن التصويت لا يكشف أي شيء عن الطريقة التي ينوي فيها (المجلس) تطبيق قرار الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، أو حتى ما إذا كان ينوي فعل ذلك، وقالت ماي "استمعوا للشعب البريطاني الذي يريد تسوية هذه المسألة".

وكانت رئيسة الوزراء البريطانية قد ناشدت في جلسة سبقت عملية التصويت النواب للمصادقة على الاتفاق، معتبرة أن الواجب يفرض عليهم تطبيق ما صوّت من أجله البريطانيون في الاستفتاء الذي أجري العام 2016.

وقالت ماي مخاطبة النواب: "أعتقد أن الواجب يفرض علينا تطبيق القرار الديموقراطي للشعب البريطاني"، محذرة النواب من أن الاتحاد الأوروبي لن يعرض "اتفاقًا بديلاً"، وأضافت "المسؤولية الملقاة على عاتق كل فرد منا في هذا التوقيت كبيرة جدًا، لأنه قرار تاريخي سيحدد مستقبل بلادنا لأجيال".

وسبق أن أجلت المسؤولة البريطانية، التصويت على الاتفاق بالبرلمان مرتين سابقتين لقناعتها بأن حظوظ تمريره ضئيلة للغاية، وتفيد استطلاعات الرأي بأن 56% من البريطانيين يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي في حال عدم التوصل لاتفاق بشأن الانفصال عنه، وينتمي النواب الرافضون للاتفاق إلى أحزاب "العمال" و"الديمقراطيين الأحرار" و"الوطني الأسكتلندي" و"الديمقراطي الوحدوي"، فضلاً عن نواب من حزب المحافظين الغاضبين من رئيسة الوزراء.

مصير ماي؟

في الظروف العادية يتوقع أن يتقدم رئيس الحكومة باستقالة فورية بعد هزيمة كتلك، لكن تريزا ماي ألمحت إلى أنها سوف تواصل مهامها، وعرضت محادثات بين الأحزاب لتحديد طريقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذا نجحت في الفوز بثقة البرلمان في التصويت المزمع عقده اليوم الأربعاء.

وقال وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، إن ما حدث هزيمة أكثر مما توقعه الجميع، وهذا يعني أن اتفاق رئيسة الوزراء أصبح الآن "في عداد الموتى"، وأدت هذه النتيجة إلى دعوة جيرمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض إلى التصويت على سحب الثقة من حكومة المحافظين وبالتالي إجراء انتخابات عامة.

فشل مشروع اتفاق ماي، من شأنه أن يزيد من حجج العديد من الأطراف التي تسعى إلى سحب البرلمان إدارة عملية الخروج من الحكومة

وكانت ماي قد أبرمت اتفاقًا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي في الـ8 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، يقضي بخروج منظم من الاتحاد وترتيب فترة انتقالية تمتد إلى 21 شهرًا للتفاوض على صفقة تجارة حرة، وشمل الاتفاق ملف حقوق المواطنين الأوروبيين ببريطانيا والبريطانيين في دول الاتحاد، وملف كلفة الانفصال المتمثلة في الالتزامات المالية لبريطانيا في إطار موازنة الاتحاد وملف الحدود الأيرلندية.

ومن المرجح أن تكسب ماي الثقة، وفي هذه الحالة لا بد أن تعود إلى البرلمان وتقدم خطة جديدة عن الخطوات المقبلة التي ستتخذها بريطانيا قبل نهاية يوم 21 من يناير/كانون الثاني، وقالت بعض وسائل الإعلام المحلية إن ماي ستطلب من البرلمان التصويت مرة أخرى على الاتفاق، وربما يحدث ذلك بعد طلب مجموعة أخرى من التطمينات من الاتحاد الأوروبي.

ولم يقدم قادة الاتحاد الأوروبي سوى سلسلة من التوضيحات، إلا أن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس ألمح في ستراسبورغ إلى احتمال إجراء مزيد من المحادثات على الرغم من أنه استبعد إعادة التفاوض الكامل على نص الاتفاق.

سحب العملية من ماي

فشل مشروع اتفاق ماي، من شأنه أن يزيد من حجج العديد من الأطراف التي تسعى إلى سحب البرلمان إدارة عملية الخروج من الحكومة، وسبق أن طرح بعض أعضاء البرلمان فكرة أن يسحب البرلمان إدارة هذه العملية من الحكومة ويكلف بها لجنة من كبار المشرعين من مختلف الأطياف السياسية.

وفي الـ4 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، صوّت مجلس العموم البريطاني لصالح منحه قوة ومشاركة أكبر في اتخاذ القرار بشأن البريكست، وبعد ذلك بـ5 أيام قضى تصويت في البرلمان بأن تعود رئيسة الوزراء إليه بخطة بديلة في حال فشل مشروعها.

يسعى البرلمان إلى سحب ملف البريكست من ماي

وترى العديد من الأطراف البريطانية، ضرورة سحب البرلمان ملف البريكست من رئيسة الوزراء التي أثبتت فشلها في إدارة هذا الملف، حتى لا تتفاقم الأزمة وتؤثر على استقرار بلادهم، خاصة أن تواصل الفشل سيؤثر سلبًا على قطاعات عديدة أبرزها القطاع الاقتصادي.

تأجيل الانسحاب أو إلغاؤه

من الخيارات المطروحة أمام البريطانيين، تأجيل موعد الخروج المحدد، لأن المهلة المتبقية للبريكست قد لا تكون كافية لإعادة التفاوض بشأن اتفاق جديد أو تنظيم انتخابات، ويذكر أن الموعد المقرر لخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي هو يوم 29 من مارس/آذار المقبل، أي أنه لم يعد يفصل بريطانيا إلا شهرين ونصف عن هذا الموعد، وتحتاج بريطانيا إلى موافقة الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد في حال قرّرت تمديد فترة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

كما يمكن للبريطانيين إلغاء الانسحاب، خاصة مع قرار المحكمة الأوروبية الأخير الذي أعطى لبريطانيا حق إلغاء "البريكست" وتجميد العمل بالمادة 50 من ميثاق الاتحاد التي تمكّن من تعليق المفاوضات عامين شرط موافقة الدول الأعضاء الـ27.

وفي نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، قضت أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي بأنه يمكن للحكومة البريطانية التراجع عن قرارها بالانسحاب من الاتحاد دون استشارة باقي دوله الأعضاء، وجاء الحكم متوافقًا مع رأي قدمه المستشار القانوني للمحكمة.

الخروج دون اتفاق

ضمن الخيارات المطروحة أمام البريطانيين أيضًا، يلوح خيار الخروج دون اتفاق، غير أنه الخيار الأخطر، فالخروج من الاتحاد دون اتفاق يعني نهاية حرية الحركة بمجرد وضع خطة جديدة للهجرة، أما ما سيحدث قبل وضع هذه الخطة فمجهول.

يمكن الدعوة لاستفتاء جديد على البريكست، خاصة إذا تمكنت الحكومة البريطانية من تأجيل المهلة الممنوحة لها للخروج

وعلى إثر تصويت البرلمان البريطاني بالرفض لمشروع الاتفاق، حذر زعماء الاتحاد الأوروبي من خروج فوضوي لبريطانيا من الاتحاد، وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر: "خطر الانسحاب غير المنظم للمملكة المتحدة تزايد مع تصويت الليلة"، وأضاف "أحث المملكة المتحدة على توضيح نواياها في أسرع وقت ممكن، لقد انتهى الوقت تقريبًا"، واعتبر يونكر أن الاتفاق المطروح على الطاولة هو السبيل الوحيد لضمان انسحاب منظم للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

من جهته، اعتبر المتحدث باسم رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك أن الاتحاد يرى تصاعدًا في "خطر الخروج بشكل غير منظم" لبريطانيا من الاتحاد، وكتب على تويتر متسائلاً: "إذا كان من المستحيل التوصل إلى اتفاق ولا يوجد أحد يرغب في عدم التوصل إلى اتفاق فمن ستكون لديه الشجاعة أخيرًا لتحديد ما الحل الإيجابي؟".

في نفس الشأن أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بريطانيا ستكون أكبر الخاسرين إذا خرجت من الاتحاد الأوروبي من دون التوصل إلى اتفاق، وقال ماكرون لرؤساء البلديات خلال اجتماع: "مبدئيًا سيذهبون نحو عدم التوصل إلى اتفاق، وهذا أمر مخيف بالنسبة للجميع"، وألمح إلى أن البريطانيين سيكونون أول الخاسرين.

الالتجاء إلى الشعب مرة أخرى

من هذه الخيارات التي يمكن اللجوء إليها الدعوة لاستفتاء جديد على البريكست، خاصة إذا تمكنت الحكومة البريطانية من تأجيل المهلة الممنوحة لها للخروج، ولا يمكن الدعوة لإجراء استفتاء جديد سوى بموافقة البرلمان، وفي ضوء معارضة ماي الشديدة للاستفتاء الثاني وعدم التزام حزب العمال المعارض بإجرائه حتى إن لم يستبعده، فإن الاستفتاء الجديد سيحتاج إما تغيير رئيس الوزراء أو تغيير الحكومة أو حدوث تحول مفاجئ في السياسات.

ومن أبرز الشخصيات التي تدعم إجراء استفتاء ثانٍ، نجد رئيس الوزراء الأسبق سير جون ميجور (ترأس الحكومة البريطانية بين عامي 1990 و1997)، حيث عبّر في مقال بصحيفة صنداي تايمز عن تأييده لإجراء تصويت آخر على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مضيفًا أنه سيكون "مستنكرًا من الناحية الأخلاقية" سماح الحكومة بمغادرة الاتحاد دون اتفاق.

ترفض ماي الالتجاء إلى استفتاء ثانٍ بخصوص البريكست

بدوره، أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في أكثر من مرة، أن السبيل الوحيد لكسر حائط الصد في أزمة البريكست هو إجراء استفتاء ثانٍ، قائلاً: "النواب قد يدعمون تصويتًا جديدًا إذا تعذر إقرار جميع الخيارات الأخرى.

وكان عدد من النواب قد دعوا إلى استفتاء آخر للسماح للشعب البريطاني بالتصويت مرة أخرى على عضوية الاتحاد الأوروبي، بعدما توضحت الصورة أكثر خلال الأشهر الماضية، عن الوضعية التي ستكون عليها بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد، إلا أن تيريزا ماي رفضت هذا الحل باعتباره خيانة للناخبين.

رفض مجلس العموم البريطاني لمشروع تيريزا ماي، زاد من حدة حالة عدم اليقين التي تعيشها بريطانيا، مع اقتراب الموعد النهائي المحدد للخروج من الاتحاد، فالمتأمل لما يحصل في البلاد يرى من الصعوبة التوصل إلى حل في الفترة الحالية لتشبث كل طرف برأيه، فماذا عن الشعب البريطاني الذي ظل صامتًا إلى الآن؟