الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مغادرا بعد التحدث مع الصحفيين يوم الاثنين 14 كانون الثاني/ يناير سنة 2019، في واشنطن.

ترجمة وتحرير نون بوست

أصبح العالم رهينة القرارات المفاجئة التي ينشرها ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي والتي بلغ عددها 280، على الرغم من أن الأغلبية لا يدركون عواقبها على أرض الواقع بقدر ما يدرك ذلك السوريون.

في الوقت الذي تأثر فيه الأميركيون بالنزاع الدائر حول الجدار الحدودي فضلا عن المعلومات التي كشفت مؤخرا تواطؤ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع روسيا، بات قادة العالم وسكان الشرق الأوسط أكثر قلقا مع مشاهدة التحولات والتغيرات في مخططات ترامب حول سحب القوات الأمريكية من سوريا. وقد جاء آخر الأخبار الصادمة مساء الأحد، عندما أعلن الرئيس عبر حسابه على تويتر عن قرار مهم، حيث هدد بتدمير اقتصاد تركيا، حليفة الولايات المتحدة في الناتو، في حال استهدفت أنقرة أكراد سوريا، وهم حلفاء الأمريكيين في معركتهم ضد تنظيم الدولة.

خلال الأسابيع الأخيرة، عاشت إدارة ترامب على وقع مشهد سياسي خارجي عندما خاض كبار المسؤولين، بما فيهم الرئيس نفسه، صراعاً علنياً جراء الخلافات حول سوريا ومستقبل الشرق الأوسط، وذلك من خلال سلسلة من التصريحات الزائفة وأخرى مضادة، بالإضافة إلى التأكيدات والتناقضات حول ما تعتزم الولايات المتحدة القيام به وما لا تنوي فعله. في الحقيقة، يعد الأمر عبارة عن فوضى عارمة، وهو ما من شأنه أن يسبب حرجًا لأي بلد تقريبًا، خاصة عندما يصدر قرار مماثل عن القوة العظمى الأولى في العالم بشأن قضية محورية، وهو ما يعتبر علامة على أن هناك خطأ ما.

في هذا السياق، بالكاد تتجلى الفكرة القائلة إن هناك خطأ ما في الطريقة التي تتخذ بها إدارة ترامب قراراتها، في نشرات الأخبار، على غرار السماح للمخابرات الروسية باستجواب سفير سابق للولايات المتحدة، أو تهديده بتنفيذ تدخل عسكري في فنزويلا، أو قراره المتهور بالاجتماع مع الرئيس الكوري كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، وهو الأمر الذي منحه مكانة مقابل لا شيء.

مع ذلك، يظل البرنامج السياسي المتعلق بسوريا أفضل مثال، وهو في الحقيقة، عبارة عن دراسة حالة حول السبب الكامن وراء حاجة الولايات المتحدة إلى عملية فعالة لتصميم وتنفيذ السياسة الخارجية. ومن دون وضع خطة، كان يمكن للعالم بأسره أن يرى نتائج هذه الفوضى مع احتمال زيادة زعزعة استقرار المناطق غير المستقرة، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة حليف غير ملتزم وغير جدير بالثقة.

بدأ هذا الفصل الأخير في 19 كانون الأول/ ديسمبر، عندما صدم ترامب الجميع في أنحاء العالم برسالة فيديو نشرها على تويتر أعلن فيها أن الولايات المتحدة ستسحب قواتها المؤلفة من 2000 جندي من سوريا، حيث قال: "إن الجنود سيعودون الآن لأن تنظيم الدولة قد هزم". كان رد الفعل سريعا وانتشر الذعر على نطاق واسع. مع ذلك، لم يخلو الأمر من بعض الاستثناءات كإشادة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بهذا القرار، مشيرا إلى أن "ترامب على حق في اتخاذ هذه الخطوة".

من جهة أخرى، تحدثت الأطراف الخارجية في بادرة فريدة من نوعها عن شبه إجماع بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، بحجة أن الانسحاب المفاجئ والسابق لأوانه سيفيد أعداء أمريكا ويضر بأصدقائها. وستشمل قائمة الفائزين كلا من إيران وروسيا وتنظيم الدولة والرئيس السوري، بشار الأسد. في هذا الإطار، صرح المنتقدون أن هذه الخطوة كانت بمثابة خيانة للقوات الكردية السورية التي تهددها تركيا وتعتبرها من الأعداء الخطرين. كما تضرر حلفاء آخرون للولايات المتحدة من هذه الخطوة، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية السنية، التي باتت قلقة بشأن قيام المارد الإيراني.

نتيجة لقرار الانسحاب المفاجئ من سوريا، أرسل وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، رسالة استقالته على الفور، التي تضمنت انتقادات لاذعة لترامب، كما أخبره فيها أن قوة الولايات المتحدة مُستمدة من تحالفاتها وشراكاتها ومن وجهة نظرها الواضحة حول الأطراف الفاعلة الخبيثة والمنافسين الاستراتيجيين. من جانبه، وخلال اجتماع في مجلس الشيوخ، أدان السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، وهو أحد مؤيدي ترامب، قرار الرئيس مشيرا إلى أنه بمثابة الكارثة على الأمن القومي ووصمة عار على شرف الولايات المتحدة. أما الأكراد فأعلنوا أنهم تعرضوا للخيانة من قبل الولايات المتحدة، في حين أعرب المدنيون عن خوفهم من هجوم تركي وشيك. الجدير بالذكر أن العديد من الحلفاء الأوروبيون الذين لديهم قوات في سوريا حاولوا إقناع الرئيس الأمريكي بالعزوف عن هذا القرار.

في الأثناء، بات انعدام التخطيط في إدارة ترامب واضحا للجميع. وقد أكد مسؤولون من البنتاغون أنهم تلقوا أوامر بالانسحاب خلال 30 يوما، لكن ترامب بدأ يتراجع عن قراره وسط الغضب الذي انتشر، ما دفعه إلى إرسال مستشار الأمن القومي، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، إلى الشرق الأوسط لتهدئة الأوضاع. لكن، زادت هذه الخطوة الطين بلّة.

بالعودة إلى واشنطن، يبدو أن الجدول الزمني للانسحاب من سوريا بدأ يتغير، حيث يدعي ترامب زورا أنه لم يحدد توقيت الانسحاب قائلا: "لم أذكر أبدا أن هذه الخطوة ستتخذ نسقا سريعا أم بطيئا" (في الواقع، قال إن الانسحاب سيتم "الآن"). في هذه الأثناء، سافر بولتون إلى إسرائيل، حيث كانت الحكومة هناك حريصة على عدم انتقاد ترامب في العلن، مؤكدة فقط أن إسرائيل تستطيع وستواصل الدفاع عن نفسها. وفي هذا السياق، قال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إن "الحكومة في حالة صدمة. في الواقع، لا يعرف ترامب حجم التواجد العسكري الإيراني في المنطقة". كما لم يكن تصريح ترامب حول إيران الذي قال خلاله "يمكنهم فعل ما يريدون في سوريا" ذا فائدة بالنسبة لإسرائيل.

من جهته، أدلى بولتون بتصريحات كانت بمثابة منعطف حاد، حيث أخبر المراسلين بأن القوات الأمريكية ستبقى متواجدة في سوريا حتى هزيمة آخر مقاتل من تنظيم الدولة وحتى تقدم تركيا ضمانا بأنها لن تهاجم حلفاء واشنطن، الأكراد. وقد كان قرار الانسحاب غير مطروح، على الأقل لسنوات قادمة. أما في تركيا، فكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، غاضبا ورفض مقابلة بولتون عند وصوله إلى أنقرة. كما اعتبر أردوغان مطالب الولايات المتحدة المتمثلة في حماية الأكراد بمثابة "خطأ فادح"، "ولا يمكن قبولها". وقد أعلن وزير دفاعه بنبرة تحدي عن الاستعدادات "المكثفة" التي تقوم بها تركيا لضرب القوات الكردية.

في ذلك الوقت، لم يكن أحد على يقين من السياسة التي ستتبعها الولايات المتحدة. بالإضافة إلى هذا اللبس، أعلن بومبيو أن تهديدات أردوغان ضد الأكراد لن توقف قرار ترامب المخطط له بالانسحاب من سوريا. كما كشفت تعليقات بولتون أن قرار الانسحاب قد وقع تأجيله إلى أجل غير مسمى. وقد اقترح بومبيو، الذي كان يعارض الانسحاب سرا، حدوثه. لكنه أخبر حلفاء واشنطن العرب، الذين سيطر عليهم الارتباك شأنهم شأن معظم الأطراف الأخرى بسبب التغير المفاجئ في قرارات ترامب، بأن الولايات المتحدة ملتزمة بثبات بطرد "جميع الجنود الإيرانيين من سوريا". كما أكد أن قرار الانسحاب من سوريا لا يتجاوز كونه مجرد "تغيير تكتيكي".

في الوقت الراهن، تحولت حالة الفوضى السياسية إلى معركة سياسية في واشنطن. ويبدو أن بولتون أصبح هدفا سهلا من خلال التسريبات التي تتهمه بالفوضى. لكن، إذا كان اللوم يقع على شخص واحد فهو بالتأكيد ترامب. لا شك أن سياسة الولايات المتحدة المتبعة في سوريا معقدة للغاية، كما أعتقد أن قرارات الرئيس السابق باراك أوباما بشأن الحرب في سوريا كانت كارثية. ويعتبر هذا الأمر معقدا بشكل كبير نظرا لأن حلفاء الولايات المتحدة هم في الواقع أعداء، كعداء تركيا للمقاتلين الأكراد السوريين، الذين يعتبرون الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة. لكن هذا السبب تحديدا يدفع ترامب إلى تصميم سياسة دقيقة قبل نشرها في تغريدة.

تفيد الأخبار الأخيرة بأن قرار الانسحاب من سوريا بدأ تنفيذه منذ الأسبوع الماضي. لكن ترامب بقراره هذا يهدد بتدمير حليف تلاحقه المشكلات، الذي يظل على الرغم من ذلك حليفا. وقد شملت ضبابية هذه الخطة تقريرا مفاده أن الولايات المتحدة تخطط للحفاظ على تواجدها في قاعدة تنف الواقعة بالقرب من الحدود السورية العراقية في محاولة لردع إيران. كما ظهرت ادعاءات جديدة تفيد بأن بولتون طلب من البنتاغون إعداد خيارات عسكرية لضرب إيران.

لقد أسفرت هذه الفوضى التكتيكية والاستراتيجية على شعور حلفاء الولايات المتحدة بالخيانة بدرجات متفاوتة. ويعرف الأكراد أن ترامب قد أدار ظهره لهم فجأة، بغض النظر عن كيفية تجسيد سياسته. كما تعرضت تركيا لتهديدات شديدة اللهجة من قبل الرئيس الأمريكي. في الأثناء، كانت كل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وأي شخص يتابع الأوضاع السياسية العالمية، شاهدة على سياسة واشنطن التي لا يمكن التنبؤ بها.

لقد وضعت واشنطن نفسها في موضع أقل مصداقية. وفي هذا الصدد، قال وزير الدفاع السابق في إدارة ترامب إن الولايات المتحدة قد قوضت مصدر قوتها، وجعلت نفسها أضعف بسبب طريقة تعاملها مع أصدقائها وحلفائها. ولم يكن قرار الانسحاب السبب بالتحديد وراء كل هذه الأمور، فقد أدى تجاهل ترامب للخبرات الواسعة التي كانت تحت تصرفه، واختياره اتباع حدسه وإطلاقه لسياسات غير مدروسة بشكل كاف عبر تغريدة إلى دخول الولايات المتحدة في هذا المنعرج.

المصدر: بوليتيكو