القانون القطري يلزم كافة مؤسسات القطاع العام والخاص بالكتابة بالفصحى

في خطوة لاقت ترحيبًا كبيرًا من كافة الأوساط المعنية بالثقافة العربية، وتفاعلا على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أول أمس، قانونا بشأن حماية اللغة العربية، يلزم باعتماد الفصحى لغة أساسية لدى المجتمع القطري وتوقيع كافة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية

 القانون الذي حمل رقم (7) لسنة 2019 يأتي بعد أقل من شهر على الاحتفال باليوم العالمي للغة الغربية والمقرر له الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام في وقت تعاني فيه اللغة التي يتحدث بها قرابة 290 مليون عربي كلغة أم و 130 مليونًا كلغة ثانية، من إهمال شديد وتجاهل تسبب في تراجعها مقارنة باللغات الأخرى رغم ما تتمتع به من ثراء وخصوبة.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها دولة عربية تشريعات لحماية اللغة الأم إلا أن القانون القطري المكون من 15 مادة ربما يكون الأكثر حزما وسط حالة من الترقب بشأن مدى إمكانية تطبيقه على أرض الواقع حتى لايكون رقما في قائمة القوانين الأخرى التي دخلت أنفاق التجميد مبكرًا.

تعميم باعتماد العربية

المواد العشر الأولى من القانون تركزت حول ضرورة اعتماد اللغة العربية كلغة أساسية في كافة الجهات والكيانات، الحكومية منها والخاصة، حيث جاء في المادة الأولى: تلتزم جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية بحماية ودعم اللغة العربية في كافة الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها.

فيما تطرقت المادة الثانية إلى ضرورة التزام الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة باستعمال اللغة العربية في اجتماعاتها ومناقشاتها، وفي جميع ما يصدر عنها من قرارات ولوائح تنظيمية وتعليمات ووثائق وعقود ومراسلات وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات مرئية أو مسموعة أو مقروءة وغير ذلك من معاملات، يسري ذلك على الجمعيات والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، والجهات التي تمول موازناتها من الدولة.

https://twitter.com/abdelnaserzh/status/1085070830269157376

أما المادتين الثالثة والرابعة فتركزت حول صياغة تشريعات الدولة ونصوص الاتفاقيات والعهود الدولية باللغة العربية، يشمل ذلك لغة المحادثات والمفاوضات والمذكرات والمراسلات التي تتم مع الحكومات الأخرى والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤتمرات الرسمية، مع إرفاق النص باللغة الأخرى المعتمدة لتلك الجهات، ويجوز اعتماد لغة أخرى، على أن ترفق بها ترجمة إلى اللغة العربية.

يُعاقب بالغرامة التي لا تزيد على 50.000 خمسين ألف ريال، (ما يعادل 14 ألف دولار تقريبًا)  كل من خالف أياً من أحكام المواد (2/ فقرة ثانية)، (5/ فقرة ثانية)، (8)، (9)، (10)، من هذا القانون

فيما تركزت المواد الثلاث (5-6-7) على اعتماد اللغة العربية لغة التعليم في المؤسسات التعليمة إلا إذا اقتضت طبيعة بعض المقررات تدريسها بلغة أخرى، وفقاً لما تقرره وزارة التعليم والتعليم العالي، كذلك إلزام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة بالتدريس باللغة العربية، إلا إذا اقتضت طبيعة بعض البرامج الأكاديمية تدريسها بلغة أخرى، إضافة إلى لك تُنشر الأبحاث العلمية التي تمولها الجهات الحكومية وغير الحكومية باللغة العربية، ويجوز النشر بلغات أخرى، على أن يقدم الباحث في هذه الحالة، مختصرا للبحث باللغة العربية.

كما ألزم القانون الشركات والمؤسسات ذات الأغراض التجارية والمالية والصناعية والعلمية والترفيهية أو غير ذلك من الأغراض بكتابة أسمائها باللغة العربية كما جاء في المادة الثامنة، فضلا عن البيانات والمعلومات المتعلقة بالمصنوعات والمنتجات القطرية، ويجوز أن يرفق بها ترجمة بلغة أخرى، وهو ذات الأمر مع  العلامات التجارية والأسماء التجارية والمسكوكات والطوابع والميداليات باللغة العربية، ويجوز كتابة ما يقابلها بلغة أخرى على أن تكون اللغة العربية أبرز مكاناً.

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني

عقوبات رادعة للمخالفين

القانون فرض غرامات مالية على المخالفين، ففي مادته الحادية عشر أشار إلى أنه مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر " يُعاقب بالغرامة التي لا تزيد على 50.000 خمسين ألف ريال، (ما يعادل 14 ألف دولار تقريبًا)  كل من خالف أياً من أحكام المواد (2/ فقرة ثانية)، (5/ فقرة ثانية)، (8)، (9)، (10)، من هذا القانون"

العقوبات لم تقتصر على المخالف للقانون وفقط، بل على المسئول عن تنفيذه حال تقاعسه، فتنص المادة الثانية عشر على أنه "يعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص المعنوي المخالف بذات العقوبة المقررة عن الأعمال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون، إذا ثبت علمه بها وكانت المخالفة قد وقعت بسبب إخلاله بواجبات وظيفته"

https://twitter.com/abuhilalah/status/1085069775049580544

هذا فيما يتعلق بماهو قادم أما الجهات والكيانات الموجودة حاليا والتي سبقت إصدار القانون فقد ألزمها التشريع بضرورة توفيق أوضاعها بما يتفق وأحكامه خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به، كما يجوز لمجلس الوزراء مد هذه المهلة لمدة أو مدد أخرى مماثلة..

تبقى القوانين حبيسة الإطار النظري، ورغم تشعبها لكنها لم تخرج من إطار الأقوال لعدم وجود آليات تنفيذيَّة تضمن وجود القوانين على أرض الواقع

قوانين مع إيقاف التنفيذ

ليس القانون القطري هو الوحيد من نوعه الذي أقر لحماية اللغة العربية، فأغلب الدول العربية لديها قوانين وتشريعات تخص سلامة اللغة ودعمها في مواجهة حركات التغريب، ففي مصر مثلا ينص قانون تنظيم الجامعات المصرية 2006 على أن اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعات الخاضعة لهذا القانون هذا بخلاف الطلب المقدم من النائبة سولاف درويش عضو مجلس النواب بشأن إقرار نص تشريعات من شأنها المحافظة على اللغة العربية.

وهو نفس ما ينص عليه قانون تخطيط التعليم العام في السودان 2001، وقانون التعليم العالي والبحث العلمي في الأردن عام 1999 وقانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية في العراق 1977، هذا بخلاف بعض التشريعات المتواجدة في عدد من الدول العربية والتي تلزم المؤسسات والشركات بكتابة أسمائها باللغة العربية كما هو الحال في قرار وزارة الشئون البلدية والقروية في السعودية وقرار اللجنة الفرعية لتمكين اللغة العربية في سوريا.

وفي المغرب لا يزال مشروع قانون حماية اللغة العربية موجودا ضمن المخطط التشريعي للحكومة دون تحقيق خطوات جادة للتنفيذ، أما في الأردن فقط وافق مجلس الأمة على قانون بهذا الشأن عام 2015 يلزم الشركات والمؤسسات العامة والخاصة بكتابة مراسلاتها بالغة العربية الفصحى والمحال التجارية بكتابة أسماء لافتتاتها باللغة العربية منفصلة أو بجوار اللغة الأجنبية إن احتاج الأمر

اللافتات الأجنبية تغزو الشوارع العربية

وفي العام 2007 تأسس المجلس الدولي للغة العربية مؤسسة أهلية دولية مستقلة بدعم وزراء التربية والتعليم العالي ورؤساء الجامعات في الدول العربية وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.

المحامي الأردني محمد الصبيحي، أشار إلى أن مثل هذه القوانين ليس سوى ديكور لحفظ ماء الوجه وفقط لكن الواقع ينافي تماما ما دشنت لاجله، إذ لا تزال العربية غائية عن معظم المؤسسات والكيانات العربية،  تساوى في ذلك الحكومي منها والخاص، لافتًا أن أغلب التشريعات التي تنص على حماية اللغة ليست سوى حبر على ورق.

الصبيحي في مقال له تحت عنوان " قانون حماية اللغة العربية تشريع أم ( ديكور )؟" كشف أن الحالة الأردنية ربما تكون نموذج لما عليه الأمور في الدول العربية، كاشفًا أن أمانات المحافظات رغم أنها معنية بعدم إصدار أي تراخيص للوحات المحال الإعلانية غير المكتوبة باللغة العربية إلا أنها تعطي غيرها من اللوحات المكتوبة بلغات أجنبية، ورغم نص القانون على فرض غرامة على كل من يخالف القانون تتراوح بين 1-3 ألاف دينار أردني إلا أن أحدا لم يلتزم في ظل عدم تطبيق العقوبة

وتبقى القوانين –بحسب الكاتب الأردني- حبيسة الإطار النظري، ورغم تشعبها لكنها لم تخرج من إطار الأقوال لعدم وجود آليات تنفيذيَّة تضمن وجود القوانين على أرض الواقع، كما أن أغلبها اكتفى بالإشارة إلى ضرورة وجود اللُّغة العربيَّة في مناهجها التعليمية وهو ما لم يحدث بالصورة المطلوبة.

تراجعت اللغة العربية لأسباب عديدة منها تراجع العقل العربي وجنوحه للتقليد وغيرها من العوامل التي أقعدت بناطقيها وتراجعت مكانتها ودخلت في أزمات مستمرة

العربية.. واقع مخجل

واقع مذري تشهده اللغة العربية خلال العقود الأخيرة، فبينما يتزايد تواصل العرب مع الأمم الأخرى تفقد العربية كثير من قدرتها على المنافسة في الانتشار والمقاومة والفعالية في التبادل ومعادلة التأثير والتأثر، خاصة في ظل ضعف المنجز العلمي والفكري والثقافي للناطقين بلغة الضاد.

وبحسب مراقبين فقد تراجعت اللغة العربية لأسباب عديدة منها تراجع العقل العربي وجنوحه للتقليد وغيرها من العوامل التي أقعدت بناطقيها وتراجعت مكانتها ودخلت في أزمات مستمرة تقوم منها أحيانا وتكبو في أكثرها رغم التوقع بأن يصبح عدد المتحدثين بها نحو 647 مليونًا سنة 2050، ما سيشكل 6.94% من سكان العالم.

ورغم احتلال العربية المرتبة الرابعة في ترتيب اللغات الأكثر انتشارا في العالم بعد الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، إلا أن نظرة مدققة على واقع مدينة عربية واحدة ومسميات مؤسساتها ولافتات محالها التجارية ولغة متحدثيها على منصات السوشيال ميديا ومفردات صحفييها وإعلامييها وكبار رجالات الدولة بها كفيل أن يكشف المستوى المخجل الذي وصلت إليه اللغة العربية.