بعد سيطرتها على عددٍ من المناطق السورية في ريف حلب ومدينة إدلب، بات النفوذ التركي في سوريا محط تساؤل حول مصيره الاستراتيجي، وفي حال تم ترجيح سيناريو إبقائها على نفوذها في سوريا لمدى طويل، يتساءل كثيرون عن الذرائع الشرعية التي يمكن أن تستند إليها تركيا في تحقيق ذلك.

لقد حاولت تركيا في عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، إظهار اعتمادها على ذرائع شرعية قانونية تمنحها الحق في إجراء ذلك، ساعيةً إلى تجنيب ذاتها أي اتهام يتعلق بانتهاكها لسيادة الأراضي السورية أو ما شابه.

وعن العوامل الأساسية التي قد تجعل أنقرة تُرجح سيناريو البقاء في بعض المناطق الشمالية سواء بصورة مباشرة جزئية أو صورة غير مباشرة، يمكن الإشارة إلى حذرها من الاحتمال الدائم لتغيّر أولويات موسكو على صعيد استراتيجي، إذ تعي أن تحالفها مع موسكو الحالي جاء وفقاً لحاجة تقنية جغرافية محدودة، ظهرت للسطح من حاجة الطرفين لضرورة إيجاد "حل توافقي" بعد إخفاقهما في التوصل إلى "حل صفري".

مع إطلاقها لعملية "درع الفرات" في 24 آب/أغسطس 2016، أشارت رئاسة الأركان التركية إلى أنها تستند في عمليتها إلى المادة 51 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة

أيضاً، يمكن الإشارة إلى إدراك أنقرة لمدى أهمية الإبقاء على القوة العسكرية من خلال البقاء جزئياً، بواسطة قواعد عسكرية، أو من خلال "شوكات وظيفية" ـ الفصائل العسكرية المُسلحة ـ من أجل تثبيت مُعادلات الحل التي ترنو إليها على طول حدودها مع سوريا.

الذرائع القانونية للبقاء في بعض المناطق السورية على صعيد استراتيجي:

مع إطلاقها لعملية "درع الفرات" في 24 آب/أغسطس 2016، أشارت رئاسة الأركان التركية إلى أنها تستند في عمليتها إلى المادة 51 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، والتي تمنح الدولة حق التحرك العسكري ضد التهديدات التي تُحيطها بها انطلاقاً من مبدأ "حق الدفاع عن النفس"، لا سيما في ظل فراغ السلطة الشرعية في المناطق التي أجرت تركيا عملياتها فيها.

وعند إطلاق عملية "غصن الزيتون" أشارت لذات المادة، مع تأكيدها على مبدأ "المسؤولية للحماية" الذي تدخلت وفقه من أجل حماية المدنيين من هيمنة "المنظمات الإرهابية" التي تمارس ضدهم "الترويع"، وضد بعضهم الآخر "التطهير العرقي".

وفي حال انتهاء الأزمة، يمكن لأنقرة الاستناد إلى وضعه القانون في سوريا؛ كدولة ضامنة جاء انتشار قواتها بناءً على اتفاقيات توافقية تمت بين دول تعتبر اطرافاً في النزاع. وتوافق هذه الأطراف يأتي بتفويض من مجلس الأمن، حيث تمنح منظمة الأمم المتحدة، عبر المادة 33 من ميثاقها، أطراف النزاع فرصة التفاوض من أجل التوصل إلى حل وسط للنزاع، وتُشدّد، عبر المادة 36، أن "مجلس الأمن يجب أن يُراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم". ولم تحدد المادتان المذكورتان طبيعة النطاق الجغرافي المُتنازع عليه، بمعنى لم تُشر المادتان إلى أن النطاق الجغرافي المُتنازع عليه يجب أن يكون ضمن حدود دولتين أو أكثر بشكل مباشر. وقد نسجّت موسكو وطهران وأنقرة، عبر إعلان موسكو أولاً، ومن ثم محادثات آستانة التي جاءت على إثره، عدة توافقات حول بعض المناطق في سوريا، لا سيما المنطقة الشمالية التي تخضع للسيطرة والنفوذ التركيين. وبذلك يمكن لتركيا البقاء في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، ومدينة إدلب بناءً على هذه النقطة. وفي حال نشرت تركيا قواتها على طول حدودها مع منطقة شرق الفرات، بالتوافق مع الولايات المُتحدة من جهة، وروسيا من جهةٍ أخرى، فإن ذريعتها الشرعية للبقاء طويلاً في هذه المناطق، تنبع من المواد القانونية المذكورة أعلاه.

قد تُحصن أنقرة شرعيتها، في بعض مناطق مدينة إدلب على وجه التحديد، حيث تملك 12 قاعدة عسكرية، بالركون إلى مُخرجات آستانة 6 التي عُقدت مطلع أيلول/سبتمبر 2017

ويمكن أن تُعزز تركيا موقفها بالركون إلى مبدأ "المسؤولية للحماية" الذي ينبع من القانون الدولي، والذي يمنح الدول حق التدخل في دول أخرى من أجل حماية المدنيين. وتُصر تركيا، بالاستنادها لهذا المبدأ، على التأكيد بأن وجودها في بعض المناطق السورية يأتي في إطار هدفها لتأسيس "مناطق آمنة" لحماية المدنيين، والحيلولة دون أزمة لاجئين جديدة. وتستجدي أنقرة بالاستناد إلى هذا المبدأ، الدعم الأمريكي والأوروبي، حيث تؤكد أن هدف تأسيس منطقة آمنة بمساحة 5 آلاف كيلو متر، إنما يأتي في إطار رغبتها الكاملة لإعادة اللاجئين إلى أراضيهم، وتوفر بيئة أمنية مُستقرة لمن يرغب من النازحين السوريين في الإقامة في مناطق الشمال، بدون الاضطرار للجواء نحو أوروبا.

وقد تُحصن أنقرة شرعيتها، في بعض مناطق مدينة إدلب على وجه التحديد، حيث تملك 12 قاعدة عسكرية، بالركون إلى مُخرجات آستانة 6 التي عُقدت مطلع أيلول/سبتمبر 2017، وتناولت مصير مدينة إدلب والريف الشمالي والشمالي الغربي لحلب. وقد توصلت هذه المحادثات التي حضرها وفد عن موسكو وطهران وأنقرة والنظام السوري، إلى تقاسم النفوذ في مدينة إدلب على نحوٍ يمنح تركيا حق التواجد المباشر أو غير المباشر في منطقة غرب الطريق الدولي، أي المنطقة الشمالية المحاذية للأراضي التركية. ففضلاً عن كونها دولة ضامنة بتفويضٍ من مجلس الأمن، يأتي انتشارها في سوريا بموافقةٍ من النظام السوري الذي لا زال يتمتع بالشرعية الدولية في المحافل الدولية.

في الختام، شرعت أنقرة في المنادة بضرورة تأسيس منطقة آمنة على طول حدودها منذ عام 2015، حينما اكتشفت خطة وحدات الحماية في توسيع نطاق نفوذها وسيطرتها في محيط المناطق الحدوية السورية ـ التركية، من أجل الوصول إلى منفذٍ بحريٍ دوليٍ عبر المتوسط، وهو ما كان يمكن أن يفصل تركيا عن الجغرافيا العربية بشكلٍ فعلي، وبالتالي يُعرض مصالحها وأمنها القومي للخطر على المدى الطويل. وعليه، ترى أنقرة أن خطر وحدات الحماية قائم ما دامت الوحدات موجودة ككيان أمني وسياسي في سوريا، وانطلاقاً من تلك النقطة يُتوقع أن تستند أنقرة للذرائع الشرعية أعلاه، في سبيل الإبقاء على نفوذها قائماً في سوريا