ها هي الاحتجاجات الشعبية في السودان تُنهي شهرها الأول، تصاعدت معها بورصة الآمال في إحداث تغيير على أرض الواقع، يحسن الأوضاع العامة للبلاد التي وصلت إلى مستوى باتت الحياة الكريمة فيه دربًا من الخيال، وبينما تستمر الانتفاضة يومًا بعد الآخر يتصاعد معها سقف المطالب وسط إصرار من حكومة الرئيس عمر البشير على العناد والكبرياء في مواجهة مطالب الغاضبين.

البداية كانت بعد ظهر 19 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين خرجت تظاهرات بالمئات حملت طابعًا سلميًا بشكل متزامن في مدينة عطبرة (شمالًا) وبورتسودان (شرقًا) للتنديد بندرة السلع الضرورية وغلاء الأسعار، خصوصًا الخبز والوقود فضلاً عن نقص السيولة النقدية في البنوك.

السلطة وبعض المراقبين راهنوا بداية الأمر على فشل هذا الحراك في القدرة على الاستمرار، لكن مع مرور الأيام تصاعدت رقعته بصورة غير متوقعة، حتى عم مختلف محافظات ومدن البلاد، وبدلاً من أن يقتصر على المواطنين فحسب تجاوز ذلك إلى دخول النخبة السياسية كعنصر داعم ومؤثر.

وبينما كان البشير ونظامه يعزفون على أوتار التهدئة عبر أنغام لا تطرب، إذ بعشرات القوى السياسية تعلن انضمامها للحراك، ليس هذا وفقط، بل انسحب عدد من أحزاب الحوار الوطني الشريكة في الحكومة من عملية الحوار على رأسها حركة "الإصلاح الآن" التي قررت سحب ممثليها في البرلمان القومي والبرلمانية الولائية (المناطقية)، ما تُعد ضربة موجعة لحزب "المؤتمر الوطني" الحاكم وحكومته.

وبعد موجات متلاطمة من التصعيد الاحتجاجي في مواجهة العناد السلطوي خلفت ورائها ما يقرب من 40 قتيلاً بحسب المنظمات الحقوقية والمعارضة و24 حسب الرواية الحكومية، إذ بالبشير يلجأ إلى سلاح الدين آملاً أن يكون له تأثيره القوي على الشارع الغاضب.. فهل ينجح هذه المرة؟

الاستعانة برجال الدين

معروف عن الشعب السوداني تدينه الشديد وتقديره القوي لرجال الدين الذين يتمتعون بمكانة كبيرة وكلمة مسموعة داخل المجتمع السوداني مقارنة بأي من الدول الأخرى، ولعل هذا ما أغرى البشير نحو استخدام هذا الكارت ربما يحقق ما لم تحققه الوعود والإجراءات والدعوات التي أعلنها منذ بداية الاحتجاجات ولم تقنع الغاضبين.

قبل أيام كانت بعض المصادر قد ألمحت إلى لقاء مغلق عقده الرئيس السوداني وعدد من رجال الدين لبحث الأزمة وكيفية الخروج منها بأسرع وقت، حيث استمع منهم إلى ما يمكن العمل عليه لامتصاص غضب الشارع المحتج، غير أنه لم تكن هناك تأكيدات لما أثير بشأن هذا اللقاء.

وبالأمس كشف الداعية الإسلامي الشيخ عبد الحي يوسف، إمام وخطيب أحد المساجد بالعاصمة الخرطوم كواليس ما دار في هذا اللقاء في أثناء إلقائه لخطبة الجمعة، حيث قال: "لقاء العلماء كان قد أريد له أن يكون سرًا مع رئيس الجمهورية، ولكن ما دام قد أذيع عنه، سأكشف لكم ما دار فيه".

"كُتبت نصيحة من نقاط معدودة وقرئت على رئيس الجمهورية، ثم سلمت إليه يدٍ بيد، ثم أتيحت الفرصة للحديث وتحدثت في سبع نقاط" الداعية عبد الحي يوسف

يوسف ومن داخل المسجد الضخم الذي يضم الآلاف من المصلين من مختلف أنحاء العاصمة السودانية الخرطوم، الذي شهد خروج عدد من المسيرات ضد الحكومة خلال هذا الشهر أماط اللثام عن دوافع سرية هذا اللقاء حين وجه حديثه للمصلين: "أيها المسلمون عباد الله، إن موضوعًا، ما كنت أود أن أتكلم عنه في هذه الخطبة، ومن هذا المنبر وهذا اليوم، إلا أنني مضطر على ذكره، لقد قام جماعة من أهل العلم بلقاء رئيس الجمهورية وهذا حق، وكنا نرجو أن يكون ذلك اللقاء سرًا غير معلن، وأن تكون نصيحة فيما بيننا وبينه، أما وقد نشرت الصورة فلا بد أن يعرف الناس حقيقة ما دار".

وتابع: "كُتبت نصيحة من نقاط معدودة وقرئت على رئيس الجمهورية، ثم سلمت إليه يدٍ بيد، ثم أتيحت الفرصة للحديث وتحدثت في سبع نقاط، أولها أن الدين أبقى من الأشخاص، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الأشخاص، فليذهب الأشخاص، ثانيها أن هذا الشعب محب للدين، معظم لحرمته، وما أخرج الناس إلا المسغبة والجوع، وأن الدولة مسؤولة عن إقامة العدل بينهم".

إمام المسجد ومجموعة العلماء الذين حضروا اللقاء قدموا روشتة علاجية للرئيس للخروج من مأزقه تمثلت في عدد من الإجراءات التي يجب عليها أن يتخذها منها "محاسبة المسؤولين المقصرين الذين أفضوا بالناس إلى هذا المآل، ومحاربة الفساد وكف اليد عن المال العام، وتطييب خواطر الناس بالوعد الصادق والكلام الطيب"، مشددًا على عدم استفزاز مشاعرهم.

تزامنًا مع ما كشفه الداعية السوداني نشرت وكالة السودان للأنباء "سونا" النقاب عن لقاء عقده البشير مع وفد هيئة علماء السودان برئاسة البروفيسور محمد عثمان صالح، مساء الخميس ببيت الضيافة، اللقاء بحسب الدكتور إبراهيم الكاروري اللأمين العام للهيئة يأتي في إطار تبيين وتوضيح موقف العلماء حيال الأوضاع الحاليّة التي تعيشها البلاد.

وأضاف أن اللقاء تضمن تقديم رؤية واضحة وشاملة وكاملة لرئيس الجمهورية تناولت الأوضاع والمشكلات التي تعترض سبيل حركة المجتمع وما يعاني منه الناس من نقص في احتياجاتهم، مضيفًا "كل ذلك شكل ضرورة لأن يدلي العلماء بدلوهم وفق الواجب والتكليف الشرعي باعتبار أن الدين النصيحة"، وقال إن رئيس الجمهورية وعد بتقديم هذه الرؤية لجهات الاختصاص.

هل يستجيب البشير؟

لم تختلف نصائح رجال الدين المقدمة للبشير كثيرًا عن تلك التي يرفعها المحتجون وإن تصاعدت الأخيرة جراء التعاطي الأمني مع مطالبهم من جانب وإصرار الحكومة على المضي قدمًا في سياساتها من جانب آخر، حتى وصلت إلى حد إسقاط النظام وتنحي الرئيس وهو ما رفضه بصورة كاملة بزعم أن الانتخابات هي الفيصل.

"البشير يعرف جيدًا قدر رجال الدين والعلماء لدى الشعب السوداني ومن ثم لجأ إليهم بعدما كادت جعبته أن تفرغ مما بها من وسائل تمويه ومناورة وخداع: هكذا قال أبو بكر عبد الإله، الداعية بأحد مساجد أم درمان، مضيفًا أن مثل هذه الأساليب لن تنطلي على السودانيين.

تزامنًا مع كشف خطيب مسجد الخرطوم لتفاصيل اللقاء التشاوري مع البشير الذي يستهدف تهدئة الشارع، اشتبكت الشرطة السودانية، أمس الجمعة، مع عدد من مشيعي جنازة معاوية عثمان الذي كان قد توفي أول أمس الخميس متأثرًا بإصابته بعيار ناري في أثناء الاحتجاجات

وأضاف عبد الإله، المقيم في القاهرة حاليًّا، لـ"نون بوست" أن دوافع أن يكون اللقاء سريًا كما كشف الشيخ عبد الحي يوسف خلال خطبة الأمس تعود إلى خشية البشير من أن تنكشف لعبته حال الإفصاح عما دار في هذا اللقاء خاصة بعد حملة الاعتقالات الأخيرة التي شنتها سلطاته وكان من بينها رجال دين.

أما عن مدى إمكانية أن يستجيب الرئيس للروشتة المقدمة من العلماء الذي التقى بهم سرًا، فاستبعد الداعية السوداني ذلك، كاشفًا أنها تقريبًا ذات مطالب الغاضبين ما عدا التنحي، وإن كانت هناك استجابة ستكون في الحد الأدنى كتطييب خاطر الناس بوعود بعضها قد يكون صادقًا والادعاء بمحاربة الفساد والتصدي للمفسدين وغير ذلك من المطالب المطاطة التي لا يمكن تقييمها بصورة كاملة.

لقاء البشير بوفد هيئة كبار علماء السودان

إصرار على مواصلة الاحتجاجات

وتزامنًا مع كشف خطيب مسجد الخرطوم لتفاصيل اللقاء التشاوري مع البشير الذي يستهدف تهدئة الشارع، اشتبكت الشرطة السودانية، أمس الجمعة، مع عدد من مشيعي جنازة معاوية عثمان الذي كان قد توفي أول أمس الخميس متأثرًا بإصابته بعيار ناري في أثناء الاحتجاجات، ما أثار حفيظة الموجودين بالجنازة.

قوات الأمن أطلقت الذخيرة الحية بعدما رشقها بعض المحتجين بالحجارة في أعقاب الهتافات التي رددوها وتطالب بتنحي الرئيس ومغادرة منصبه بعد 30 عامًا من الحكم، كما استخدمت الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين في منطقة أخرى بالعاصمة الخرطوم وفي مدينة أم درمان المجاورة على الضفة الأخرى لنهر النيل، وفقًا لـ"رويترز" نقلاً عن عدد من الشهود.

وبحسب الشهود تجمع نحو 5000 مشيع للمشاركة في جنازة معاوية (60 عامًا) فيما أغلق المحتجون شارعًا رئيسيًا في حي بري في الخرطوم بالأحجار وهتفوا "لا إله إلا الله" و"شهيد! شهيد"، ولم ترد تقارير عن سقوط قتلى ولم يتسن الوصول إلى الشرطة للتعقيب.

أعلن تجمع المهنيين السودانيين، اعتزام الصيادلة الدخول في إضراب شامل في كل المستشفيات الحكومية بدءًا من اليوم السبت

بعد الانتهاء من إجراءات الدفن تشتت المتظاهرون في ظل تشديد القبضة الأمنية فيما رفعت شعارات مناهضة للحكومة "حرية! حرية" و"مليون شهيد لعهد جديد"، كما أغلقوا شارع الصحافة زلط أحد الشوارع الرئيسية في الخرطوم الذي يمر عبر بعض الأحياء كثيفة السكان، وضمت الاحتجاجات كبار سن ونساء بخلاف المظاهرات السابقة التي كان يغلب عليها الشبان، ما دفع قوات الشرطة إلى الانسحاب تدريجيًا.

وفي مدينة أم درمان، قال شهود كذلك إن الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع على عشرات المحتجين في أثناء مغادرتهم أحد المساجد في حي ود نوباوي، فيما استمرت عدد من التظاهرات في بعض الشوارع والميادين الرئيسية وسط إصرار على مواصلة الحراك تحت أي ظرف أمني حتى تحقيق المطالب كاملة.

وفي سياق التصعيد أعلن تجمع المهنيين السودانيين، اعتزام الصيادلة الدخول في إضراب شامل في كل المستشفيات الحكومية بدءًا من اليوم السبت، مشيرًا إلى دعوة الصيادلة للمشاركة في الاحتجاجات السلمية المناهضة للحكومة، مضيفًا في بيان له أن "لجنة المعلمين جددت إعلان الإضراب العام غدًا الأحد، كما ناشد المعلمين المشاركة في الإضراب تأييدًا لخيارات الشعب السوداني" على حد قول التجمع.

أثارت تلك المواجهات حفيظة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الذي قال أمس الجمعة إنه قلق من الوضع في السودان وحث الحكومة على احترام حقوق الإنسان والإحجام عن أي شكل من أشكال التعامل مع المظاهرات بشكل يقوض تلك الحقوق ويمكن أن يكون خطرًا على الناس.

مكاسب وإنجازات

رغم سقوط ما يقرب من 40 قتيلاً منذ بدء الاحتجاجات، فإنه وبعد مرور شهر كامل عليها فقد حققت العديد من المكاسب التي من الممكن أن تكون نواة حقيقية لحراك قادر على فرض كلمته وتحقيق مطالبه وإجبار النظام على الانصياع لرغبات المحتجين في الشارع.

لعل المكسب الأهم الذي ينظر إليه من وراء تلك الهبة الشعبية هو كسر حاجز الخوف، فعلى مدار 30 عامًا هي فترة حكم البشير ظل الشارع أسير آلة قمع قاهرة أصابت الكثير بالخوف والجبن، إلى أن جاءت الاحتجاجات الأخيرة التي خرجت بأعداد غير مسبوقة في تاريخ الانتفاضات الشعبية السودانية، غير معنيين بالاعتقالات والرصاص الحي، مع تحدٍ وإصرارٍ كبيرين على الوصول إلى الهدف.

المكسب الثاني الذي لا يقل أهمية عن كسر حاجز الخوف هو وضع الحكومة في موقف حرج، داخليًا وخارجيًا، إذ أرغمت التظاهرات السلمية الحكومة على إعادة النظر في إستراتيجية تعاملها مع الأمور، وبات المسؤولون الآن أكثر حرصًا على توجيه إرادت ومخصصات الدولة لتلبية مطالب الثوار عبر توفير الخبز والوقود والسيولة النقدية في البنوك.

الاحتجاجات كذلك صححت من الصورة الذهنية التي أخذت سابقًا عن الشباب السوداني المنغلق على نفسه أمام قضايا أمته والمكتفي بالاهتمام بالرياضة وغيرها، إذ كشفت التظاهرات القوة الحقيقية للشباب والمرأة على وجه الخصوص الذي كان لهما دور مؤثر في هذا الحراك القوي الذي اتصف بالقومية وهي ما تثبته خريطة مدن الاحتجاجات الشعبية، فلم تعد الغضبة أسيرة مدن فقيرة بعينها بل ساهم الجميع في تعزيزها ودعمها.

وبينما تستهل الاحتجاجات الشعبية شهرها الثاني تبقى الخيارات كافة مفتوحة، فأمام إصرار على العناد في ظل تنويع مصادر التحايل وأساليب الالتفاف على مطالب المحتجين في مقابل العزم على مواصلة الحراك حتى تحقيق المطالب كاملة يبقى الشارع السوداني مشتعلاً لحين إشعار آخر.