عندما اندلعت التظاهرات في السودان من مدينة عطبرة في ال19 من الشهر الماضي، استخفّ بها قادة الحزب الحاكم بادئ الأمر، فقد سارع رئيس قطاع الإعلام إبراهيم الصديق إلى اتهام الحزب الشيوعي بالوقوف ورائها، وبعد أن تواصلت المظاهرات لتشمل غالبية المدن السودانية لجأت الحكومة إلى عدد من السيناريوهات من بينها اتهام حركة تحرير السودان التي يقودها عبدالواحد محمد نور بالوقوف وراء أعمال الشغب والتخريب التي صاحبت بداية التظاهرات في مدينتي عطبرة والقضارف، كما لجأ الرئيس البشير شخصيًا إلى وصف المتظاهرين بالمخربين والمندسين والمرتزقة وما إلى ذلك من الصفات السيئة، معتبرًا أنهم يتلقون الدعم من الخارج.

نظرية المؤامرة الخارجية تتصدر المشهد

نظرية المؤامرة كانت حاضرة بالطبع في أحاديث قادة الحزب الحاكم في السودان، وفي بعض اللقاءات التي خاطبها البشير، كما أكثرَ رموز المؤتمر الوطني من الهجوم على الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي، متهمين الشيوعي بأنه يقف وراء تجمع المهنيين السودانيين الكيان الذي لا يعترف بالنقابات الرسمية ويعتبرها مجرد واجهات للحزب الحاكم، ومعروف طبعًا أن التجمع هو الذي يقود التظاهرات المستمرة في السودان وليس أحزاب المعارضة، فأحزاب المعارضة كالحزب الحاكم سواء لا يتمتعان بشعبية تُذكر وليس لديهما دور كبير في الحراك الدائر منذ أكثر من شهر.

أعادت وزارة التعليم العالي السودانية فتح بعض الجامعات الخاصة أبوابها وهي جامعة السودان العالمية، وجامعة الرازي الطبية ،وهي خطوة فسّرها البعض بأنها "جس نبض" لمعرفة كيفية تعامل الطلاب تمهيدًا لاستئناف الدراسة بالجامعات الحكومية الكبرى

من الملاحظ أن الخطاب السياسي للرئيس البشير والحزب الحاكم عمومًا لم يجد أي قبول لدى السواد الأعظم من الشعب السوداني، بل على النقيض من ذلك أصبح الشباب وحتى كبار السن يسخرون من مفردات الخطاب الحكومي، ورغم لجوء الحكومة السودانية إلى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين سلميًا وقتل أكثر من 40 شخصًا حتى الآن، فإن وتيرة التظاهرات ازدادت لهيبًا، كما شنّت السلطات الأمنية في السودان حملات اعتقال عشوائية شملت 816 شخصًا بحسب إفادة سابقة لوزير الداخلية، لكنّ منظمات حقوقية تعتقد أن العدد أكبر من ذلك بكثير، ودعا تحالف من 4 منظمات السلطات السودانية إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين الذين يتوزعون على كافة فئات المجتمع من نشطاء وصحفيين، وأطباء، ومحامين، وقادة أحزاب معارِضة أو توجيه اتهامات رسمية لهم بدل الاحتجاز.

طلاب الجامعات الخاصة.. على عكس ما تتوقع الحكومة

أمس السبت، أعادت وزارة التعليم العالي السودانية فتح بعض الجامعات الخاصة أبوابها وهي جامعة السودان العالمية، وجامعة الرازي الطبية ،وهي خطوة فسّرها البعض بأنها "جس نبض" لمعرفة كيفية تعامل الطلاب تمهيدًا لاستئناف الدراسة بالجامعات الحكومية الكبرى مثل جامعة النيلين والسودان والخرطوم وأمدرمان الإسلامية.

ولكن ما حصل في الجامعتين أتى بغير ما كانت تتوقع السلطات، إذ استعصم الطلاب عن الدخول إلى قاعات الدراسة ورفعوا لافتات كُتبت عليها شعارات الثورة، وأنهم لن يعودوا لقاعات العلم على حساب الضحايا والمعتقلين. ويُقال إن ردة الفعل هذه تسببت في صدمة لدى متخذي القرار في النظام السوداني، إذ إن طلاب وطالبات جامعتي السودان العالمية والرازي محسوبون ضمن أبناء الطبقة الراقية والمرفّهة، كما أن جامعة السودان العالمية يديرها الأكاديمي بكري عثمان سعيد وهو مقرب من النائب الأول السابق للرئيس علي عثمان طه وتربطه به صلة قرابة شديدة.

بالطبع لم ترض السلطات الأمنية عن تجمهر طلاب الجامعتين وتضامنهم مع أسر ضحايا التظاهرات والمعتقلين، فقامت بإلقاء عبوات الغاز المدمع عليهم، وتفريقهم بالقوة كما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لطالب يتعرض للضرب المبرح قبل الاعتقال، ليضاف إلى سجل المشاهد المؤلمة التي تداولها السودانيون خلال الأيام الماضية من إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين وانتهاك حرمة المنازل وترويع النساء والأطفال.

رجال الدين يتحركون والحكومة تحرجهم بنشر الصور

مساء الخميس الماضي، عندما كانت ضاحية بُري الواقعة على ضفاف النيل الأزرق تتعرض إلى وابل من الرصاص المنهمر الذي أدى إلى مقتل الطبيب بابكر عبدالحميد فورًا وسقوط عدد من المواطنين بإصابات خطيرة، كان وفدٌ من هيئة علماء السودان يجتمع مع الرئيس البشير في محاولة منهم لتقديم النصح، ولكن يبدو أن أفرادًا في مؤسسة الرئاسة أو الحزب الحاكم أرادوا تصوير اللقاء كأنه تأييد من الدعاة للبشير فتمّ تسريب صورة من الجلسة التي من الواضح أن التوتر كان يخيم عليها وهذا واضح من التجهم الذي بدا على وجوه الحاضرين.

الصورة أعلاه، التي سربّها الإعلام الرسمي أحرجت الشيخ عبدالحي يوسف عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة إفريقيا العالمية وأغضبته جدًا، خاصة وأن النشطاء تداولوها بكثافة وهاجموا جلوس الدعاة مع البشير وتناولهم الطعام معه، في وقت كانت فيه قوى الأمن ترمي العُزَّل في بُري بالرصاص الحي. فخرج عبدالحي من مسجده "خاتم المرسلين"، كاشفًا عن نصيحة مكتوبة سلمها الوفد للبشير بعد أن قُرئت عليه، مشيرًا إلى أنه خاطب الرئيس في نقاط عدة، من بينها أن إراقة الدماء حرام، وأن الدولة مسؤولة عن كل دم يُسفك، كما لمّح يوسف إلى دعوة الرئيس للتنحي عندما قال له "مصلحة الدين مقدمة على صلحة الفرد"، ودعاه كذلك إلى  تطييب خواطر الناس بالكلام الطيب، وشدد على عدم "استفزاز مشاعر الناس، فهذا حرام لا يليق".

لا نبالغ إذا قُلنا إن مكانة عبدالحي يوسف تفوق ربما مكانة هيئة علماء السودان مجتمعة، وهي الهيئة التي يُنظر إليها على أنها داعمة للحكومة فيُقال عليها "هيئة علماء السلطان"، ولكن البعض كانوا يأملون في أن يدعو يوسف ورفاقه، البشير إلى التنحي فورًا كما فعل عدد من المحسوبين على التيار الإسلامي، من أجل إنهاء الفتنة وحقنًا لدماء الشعب السوداني، فيما يدافع المقربون من الشيخ بأنه لم يقصر في إسداء النصح.

تغيّر في لهجة البشير

من الواضح أن نصيحة عبدالحي يوسف ومن معه قد انعكست بشكلٍ إيجابي على الرئيس عمر البشير إذ أكد مساء السبت "احترامه الكامل للشباب السوداني الذي تظاهر بحثًا عن أوضاع أفضل"، وبينما كان يصف المتظاهرين سابقًا بالمرتزقة والعملاء والخونة، اتهم البشير مساء أمس "بعض الأحزاب السياسية وأعداء الوطن والمخربين باستغلال هذه التظاهرات الشبابية"، دون أن يذكر مزيد من التفصيل.

يبقى مصير السودان مجهولًا في ظل تنامي الغضب الشعبي على النظام الحاكم من العنف والقمع والقتل الذي جابه به المحتجين وهم يهتفون قائلين "سِلميّة.. سِلميّة"

صحيح أن عمر البشير لا يزال متمسكًا بالسلطة ويقول إنه لا سبيل لتغييرها إلا بواسطة الانتخابات "لربما نسي أنه جاء بانقلاب عسكري قبل 30 عامًا" ويستمر في نظرية المؤامرة، إلا أن تغير اللهجة والكف عن الإساءة للمتظاهرين لربما يمهد إلى احتمال القبول ببعض التنازلات كأن يتراجع عن الترشح في انتخابات 2020 إذا تواصلت التظاهرات.

وفي هذه الأثناء، لا تزال الأوضاع كما هي في العاصمة الخرطوم ومعظم مدن البلاد، فما حدث أمس في جامعتي السودان العالمية والرازي يشير إلى استمرار المد الثوري وتصميم الشباب على مطالبهم وعلى رأسها تنحي البشير وإسقاط النظام كاملًا، وقد تلجأ الحكومة إلى التراجع عن إعادة فتح الجامعات الخاصة رغم القبضة الأمنية الحديدية كما رشح من أنباء غير مؤكدة أمس، ما يشير إلى عمق الأزمة وعدم تراجع الشباب السوداني، خصوصًا وأن تجمع المهنيين السودانيين دعا إلى موكب جديد اليوم الأحد بمدينة أمدرمان الضلع الثالث في العاصمة السودانية.

غياب عن قمة بيروت

لا يفوتنا أن نلفت إلى توقف البشير لأول مرة من الزيارات الخارجية فور اندلاع التظاهرات منذ أكثر من شهر، فهاهو يغيب عن قمة بيروت الاقتصادية كنتيجة طبيعية لاستمرار المظاهرات وحالة الغضب الداخلي، وربما يخشى الرئيس من حدوث تمرد أو انقلاب أثناء غيابه كما حصل من قبل للرئيس الأسبق جعفر نميري أثناء رحلة خارجية كان يقوم بها الأخير للولايات المتحدة.

ويبقى مصير السودان مجهولًا في ظل تنامي الغضب الشعبي على النظام الحاكم من العنف والقمع والقتل الذي جابه به المحتجين وهم يهتفون قائلين "سِلميّة.. سِلميّة"، وستكشف أحداث أمدرمان اليوم هل سيتغير التعامل مع المتظاهرين السلميين كما تغيّرت لهجة البشير في تصريحاته أمس؟ أم ستتواصل سياسة العنف وإطلاق الرصاص الحي بعد أن كسر الشباب وحتى كبار السن والأطفال حاجز الخوف من الموت والضرب والاعتقال.