تزدهر جماعات البيض العنصرية في الشوارع مع زيادة حادة في جرائم الكراهية والبلطجة في المدارس في عهد ترامب

توقف الطفل أمام رفض نظرائه البيض اللعب معه وبأمر من أمهاتهم أحيانًا، لكن أمه كانت تحثه على عدم الاكتراث لذلك، وعندما كبر صار لديه حلم؛ أن يعيش أطفاله الأربعة في دولة لا يُحكم عليهم فيها بلون بشرتهم، وتلك عبارة ارتبطت بمفجِّر حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة مارتن لوثر كينغ.

كان السود محرومين حتى من الأحلام، لكن كينغ عمل على تحقيق حلمه وحلم الملايين منهم، ألهمته قصة روزا لويس باركس، الفتاة السوداء التي رفضت الامتثال لقوانين النقل العام في مدينة مونتغمري، والتي تنص على الفصل بين البيض والسود في الحافلات، كان ذلك عام 1955، حيث بدأ الرأي العام العالمي يتعرف على كينغ ومشروعه أو حلمه بالأحرى.

تككلت جهود لوثر بالنجاح أخيرًا بصدور قانون الحقوق المدنية عام 1964، وهو العام الذي حصل فيه على جائزة نوبل، وبعد أشهر من اغتياله عام 1968 قُدم عريضة إلى الكونجرس وقع عليها أكثر من 3 ملايين شخص، تدعو للاحتفال بيوم ميلاد كينج، ولكن عارض الجمهوريون هذه الحركة، مُعللين ذلك بأن كينج كانت لديه صلات بالشيوعية، ولديه ماض جنسي "غير مناسب"، لدرجة أنهم شعروا بأنه لا يجوز تكريمه من قبل الحكومة. 

لكن تكريم كينغ الحقيقي لم يجرِ إلا بعد 3 سنوات من توقع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان لقرار يقضي بجعل يوم ميلاد مارتن لوثر كينج يوم عطلة عامة، ومع إعادة تنظيم هذا اليوم ليصبح يومًا وطنيًا للخدمة، وتحييد شخصية كينغ مجرد حالم مثالي ألقى خطبًا مثيرة، فقد الكثيرون نظرتهم لفلسفة الرجل الثورية. 

شرور أمريكا الثلاثة تواصل التمدد

يصادف هذا الشهر الذكرى التسعين لميلاد مارتن لوثر كينغ، الذي أجبر أمريكا على الارتقاء في مبادئها الخطابية المتمثلة في الحرية والديمقراطية والمساواة، وفي حين يكرّمه ترامب بإقامة حديقة وطنية في المكان الذي وُلد وعاش فيه حتى وفاته، يتهم الرئيس الأمريكي عدة دول إفريقية بأنها "حثالة"، في أكثر الأقوال المنسوبة إليه عنصرية منذ توليه الرئاسة.  

العنصرية، الخطيئة الأمريكية الأصلية التي وُلدت من استعباد الأفارقة والإبادة الجماعية للشعوب الأصلية، لم تخف حدتها

وقبل خمسة عقود، حذر مارتن لوثر كينغ من شرور أمريكا الثلاثية: العنصرية والاستغلال الاقتصادي والعسكرة. هذه الشرور ما زالت تعصف بالبلاد حتى يومنا هذا، مما يستدعي إعادة هيكلة المجتمع الراديكالية التي كان الزعيم الأسود يروج لها على وجه السرعة.

"أنا مقتنع أنه إذا أردنا الوصول إلى الجانب الصحيح من الثورة العالمية، فإننا كأمة يجب نخوض ثورة لإصلاح قيمنا ومبادئنا من جذورها"، قال كينغ في خطابه "أبعد من فيتنام" الذي ألقاه في كنيسة ريفرسايد في ولاية نيويورك بتاريخ 4 أبريل 1967، مضيفًا: "يجب أن نبدأ بسرعة في إجراء تحول لمجتمعنا من مجتمع ذي توجهات مادية إلى مجتمع ذي توجهات إنسانية، فعندما تكون الآلات وأجهزة الكمبيوتر والدوافع الربحية وحقوق الأملاك العقارية أكثر أهمية من البشر، يستحيل آنذاك قهر التوائم الثلاثة العمالقة: العنصرية والمادية المتطرفة والنزعة العسكرية".

مارتن لوثر كينغ يحيي الجماهير خلال المسيرة إلى واشنطن والتي ألقى خلالها خطابه الشهير "لدي حلم"

لكن العنصرية، الخطيئة الأمريكية الأصلية التي وُلدت من استعباد الأفارقة والإبادة الجماعية للشعوب الأصلية، لم تخف حدتها. في خطابه الذي ألقاه عام 1963 بعنوان "لدي حلم"، قال كينغ: "بينما كان السود يشعرون بالقلق، فشلت الولايات المتحدة في الوفاء بوعودها المكتوبة في الدستور إعلان الاستقلال كلما تعلّق الأمر بمواطنيها السود"، وقال: "بدلاً من الوفاء بهذا الالتزام المقدس، منحت أمريكا الشعب الزنجي شيكًا زائفًا، وهو شيك كُتب عليه بعد محاولة صرفه: "لا يوجد رصيدٌ كافٍ"، لكننا نرفض الاعتقاد بأن بنك العدالة قد أفلس".

اليوم، لم تتعامل الولايات المتحدة بعد مع تعويضات الأمريكيين الأفارقة من أجل إصلاح الأضرار الناجمة عن الاسترقاق واستمرار إرث العنصرية المؤسسية، بما في ذلك التمييز القانوني والاقتصادي العنصري.  

"كان لديه حلم".. رحل كينغ وبقيت العنصرية

الكثير من إرث مارتن لوثر ذهب مع الريح، فالعنصريون البيض المنفتحون والمعترف بهم يسيطرون على المناصب الحكومية، وينخرطون في سياسات خاصة بالبيض فقط، تستند إلى نظرية عنصرية كاذبة بشأن الإبادة الجماعية البيضاء، مع تفعيل سياسات الهجرة للتطهير العرقي، وفصل العائلات المهاجرة وسجن 15.000 طفل، كلها مصممة لإبقاء البيض أغلبية.

بحسب منظمة "هيومان رايتس واتش"، لا تزال الشرطة تقتل السود بأعداد لا تتناسب مع نصيبهم الإجمالي من عدد السكان

في الوقت نفسه، تزدهر جماعات البيض العنصرية في الشوارع، مع زيادة حادة في جرائم الكراهية والبلطجة في المدارس في عهد ترامب، الذي استهدف اللاجئين والمهاجرين، ووصفهم بالمجرمين، وبأنهم يشكلون تهديدًا أمنيًا، وعزز السياسة العنصرية من خلال ترسيخ القومية البيضاء؛ ودافع باستمرار عن الأفكار والسياسات المعادية للمسلمين.

تتخلل الفوارق العنصرية كل أجزاء نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة، بما فيها إنفاذ قوانين المخدرات، ويشكل السود 13% من السكان و13% جميع البالغين الذين يتعاطون المخدرات، ولكن 27% من جميع الموقوفين في قضايا متعلقة بالمخدرات. يُسجن السود بنسبة نحو 6 أضعاف البيض.

وبحسب منظمة "هيومان رايتس واتش"، لا تزال الشرطة تقتل السود بأعداد لا تتناسب مع نصيبهم الإجمالي من عدد السكان، حيث يشكل احتمال قتل السود مرتين ونصف احتمال قتل البيض من قبل الشرطة، كما يشكل احتمال مقتل أسود غير مسلح 5 أضعاف احتمال مقتل أبيض غير مسلح من قبل الشرطة.

الولايات المتحدة تتمتع بـ"الديمقراطية معيبة" وفقًا لمؤشر الديمقراطية لعام 2018 الذي تصدره مجلة "إيكونوميست"، حيث تحتل المرتبة 25 عالميًا من حيث المشاركة السياسية والثقافية والوظائف الحكومية والعملية الانتخابية والحريات المدنية والتعددية.

ففي ولايات مثل جورجيا وكارولينا الشمالية، يوظف المحافظون البيض في الحزب الجمهوري أساليب قمع الناخبين ضد الأشخاص الملونين وذوي الأصول اللاتينية والأقليات والفقراء، بما في ذلك قوانين تحديد الهوية الخاصة المقيدة للناخبين وعمليات تطهير الناخبين وتزوير الانتخابات وسرقة الأصوات والتشريعات لحرمانهم من التصويت للديمقراطيين، في حين يقول المشرعون الجمهوريون الذين يقودون الكفاح من أجل التشريع المقيدة إنهم يفعلون ذلك باسم وقف التزوير الانتخابي.  

وعلى الرغم من تنصيب الولايات المتحدة لنفسها "كأرض للفرص"، إلا أنها تحتفظ بنظام رأسمالي مفترس مع مستويات مرضية من عدم المساواة الاقتصادية، ففي أرض الوفرة، يستمتع حفنة قليلة فقط بالثروة، ومع وجود 40 مليون شخص في حالة فقر، تعتبر الولايات المتحدة واحدة من أكثر الدول من حيث النمو غير المتكافئ، مع أقل قدر من الحراك الاجتماعي والاقتصادي في العالم المتقدم.

ماذا تبقى من إرث كينغ؟

تستفيد الولايات المتحدة من حالة البؤس التي يعيشها الأمريكيون من خلال السجون الخاصة ونظام الرعاية الصحية الربحي الذي يجبر الناس على الإفلاس والدخول في براثن الفقر عبر دفع ثمن الفواتير الطبية، في حين زادت نسبة السجون في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 700٪ منذ عام 1970 وحتى عام 2005، متجاوزة بذلك معدلات زيادة السكان ومعدلات زيادة الجريمة، مما أدى إلى وجود ربع عدد المساجين في العالم في سجون الولايات المتحدة الأمريكية.

وتملك الفئة الثرية التي لا تتجاوز 1% في الولايات المتحدة نسبة 40% من ثروة البلاد، في حين تسيطر نسبة الـ10% الأعلى على 77% من الثروة، وفي حين يغرق الأمريكيون العاملون فيما يقرب من 1.5 تريليون دولار من ديون القروض الطلابية، فإنهم غير قادرين على الدفع. وبينما يهز المحافظون رؤوسهم ويعلنون أنه لا يمكن فعل أي شيء، فإن الدولة تشارك في سياسات نهب الفقراء والعاملين، مثل التخفيض الضريبي بقيمة 1.5 تريليون دولار تقريبًا الفئة الأكثر ثراءًا.

بدلاً من احتضان رسالته، قتلت أمريكا كينغ ثم خففت رسالته لجعلها أكثر قبولاً بالنسبة إلى "المعتدل الأبيض" الذي "يكرس نفسه للنظام أكثر من العدالة

في هذه الأثناء، يفضِّل ترامب إغلاق الحكومة على جداره الحدودي الذي يحتاج 5 مليلرات دولار، الأمر الذي يترك 800 ألف عامل فيدرالي بدون أجر، بعضهم مطالبون بالعمل دون أجر والبعض الآخر وُضع في إجازة إجبارية دون مرتب، ويواجه الآلاف منهم صعوبة في دفاع إيجارات او أقساط منازلهم والوفاء بالتزاماتهم الأخرى.

وتمنع ثقافة الفساد الولايات المتحدة من حل مشاكلها، حيث يشير تقرير كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد إلى أن السياسيين يدينون بالفضل للمصالح المالية بدلاً من تحميلهما المسؤولية أمام الجمهور، وتعكس القوانين التي تعزز انتشار السلاح وتدهور البيئة وقسم الولاء للدول الأخرى الهبات التي حصل عليها هؤلاء السياسيون من قبل جماعات الضغط التي تسعى إلى تشريعها.  

تحدث مارتن لوثر عن إدراكه للعلاقة بين الظلم في الداخل والخارج، وتجاهل ميل للولايات المتحدة للحرب. وقال كينغ: "عندما كنت أمشي بين الشبان اليائسين والرافضين والغاضبين، أخبرتهم أن زجاجات المولوتوف والبنادق لن تحل مشاكلهم، كنت أعلم أنني لن أرفع صوتي مرة أخرى ضد عنف المقموعين في الأحياء اليهودية من دون التحدث أولاً بوضوح إلى أكبر عارض للعنف في العالم اليوم: حكومتي."

لم تختف حدة العنصرية الأمريكية حتى الآن

اليوم، تتدخل الولايات المتحدة في شؤون الدول الأخرى، وتشن حروبًا بالطائرات دون طيار وتقتل مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء باسم "الحرب على الإرهاب"، وتغتال الناس وتشارك في تغيير النظام، وتسببت عقود من التدخل الأمريكي في أمريكا الوسطى في مستويات عالية من الفساد والعنف التي غذت أزمة المهاجرين.

في غضون ذلك، توقع مارتن لوثر "الموت الروحي" لأمريكا التي تواصل إنفاق المزيد على الحرب أكثر من الإنفاق الاجتماعي. واليوم، وهي دولة تدعي أنها يجب أن تخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية ولا تستطيع تحمل تكاليف الرعاية الصحية الشاملة المجانية أو الكلية، في حين تنفق تريليونات الدولارات على الدفاع – 37% من الإنفاق العسكري العالمي- ومع ذلك لا يمكن تفسير كيف يخصص الجيش تلك الأموال.

وبدلاً من احتضان رسالته، قتلت أمريكا كينغ ثم خففت رسالته لجعلها أكثر قبولاً بالنسبة إلى "الرجل الأبيض" الذي "يكرس نفسه للنظام أكثر من العدالة"، ويفضل انتظار "موسم أكثر ملاءمة" للحرية من أن يبدأ العمل مباشرة الآن، فإذا كانت أمريكا تأمل في تتعافى من عنصريتها، فيجب أن تتغير الآن.