ترجمة وتحرير: نون بوست

طرأت خلال الآونة الأخيرة بعض التغييرات العميقة ضمن الرتب القيادية الرئيسية للقوات المسلحة العربية السورية. فالفيلق الثاني الذي كان سابقا قوة الاحتلال التي قادها حافظ الأسد في لبنان، والحرس الجمهوري الذي يعتبر من بين القوات المسيطرة في نظام حزب البعث، سيكونان محط الأنظار في سنة 2019. ولكن هذا التعديل الذي أقره الرئيس بشار الأسد أكثر من مجرد تناوب على المناصب.

في الواقع، يواجه الجيش السوري وحليفه الروسي مشكلة كبيرة. ففي الوقت الحاضر، يفوق عدد القوات غير النظامية التي يسيطر عليها انتهازيو وأمراء الحرب المحليون، والمقاتلون الشيعة الأجانب الذين تم تجنيدهم في إيران، عدد القوات التي تستجيب لمؤسسات الدولة الدفاعية والأمنية في دمشق.

يتعين على موسكو أن تضمن وحدة ومركزية الجيش السوري، حتى تحوّل الإنجازات العسكرية لقوات الجبهة الأمامية إلى مكاسب جيوسياسية طويلة المدى في بلاد الشام

علاوة على ذلك، إن خطط طهران تحذو حذو نموذج حزب الله اللبناني، حيث تسعى إيران إلى إنشاء مؤسسات تنوبها في سوريا من أجل خلق حالة من النزاع الدائم. وقد اكتسب الحرس الثوري الإيراني بعض السيطرة على الثقافة الاستراتيجية السورية التي تشكلت قديما من قبل الفكر السوفيتي - الروسي. وعلى خلفية المنافسة الروسية الإيرانية في سوريا، يظل إصلاح قطاع الأمن أحد أهم بنود الأجندة السياسية.

يتعين على موسكو أن تضمن وحدة ومركزية الجيش السوري، حتى تحوّل الإنجازات العسكرية لقوات الجبهة الأمامية إلى مكاسب جيوسياسية طويلة المدى في بلاد الشام. ومن أجل تحقيق ذلك، اقترح بعض الخبراء الروس إعادة إحياء القوات المسلحة السورية التي كانت موجودة قبل الحرب وتحويل هذه التشكيلات إلى قيادات إقليمية (مشابهة للمناطق العسكرية الروسية) لتغطية جميع الجماعات المسلحة، النظامية وغير النظامية، ضمن المناطق الخاضعة لمسؤوليتها.

من المرجح أن يكون الفيلق الثاني تحث قيادة اللواء طلال مخلوف، الذي ينتمي لثاني أهم عشيرة بعد عائلة الأسد، أول من سيخضع لهذه التجربة. ومن ناحية أخرى، يمكن للحرس الجمهوري أن يحاكي القوات المجوقلة الروسية باعتبارها الوحدة الاحتياطية الاستراتيجية المستقلة للقائد الأعلى للقوات المسلحة. ولفهم المسار المستقبلي للجيش العربي السوري، من المهم مراقبة بعض الأطراف الرئيسية من بينها الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وقوات "النمر" التابعة للجنرال سهيل الحسن المدعوم من قبل روسيا، والمخابرات الجوية بقيادة اللواء جميل الحسن.

إصلاح الجيش السوري

يعكس التعديل الأخير الجهود التي تبذلها روسيا لمساعدة حليفتها سوريا. لكن التغيير الأبرز شمل الحرس الجمهوري، حيث عُين الجنرال مالك عليا خلفا للجنرال طلال مخلوف. وكما ذكر آنفا، عُين طلال مخلوف، الذي كان على رأس قوات الحرس البريتوري منذ سنة 2016، قائدا للفيلق الثاني.

يعتمد الحرس الجمهوري على الانتماء الطائفي، حيث يستمد قوته في الغالب من الطائفة العَلوية الحاكمة، ومن عشيرة الكلبية التي تنتمي إليها عائلة الأسد.

مؤخرا، اضطلع الثلاثي المكون من اللواء طلال مخلوف، واللواء زيد صالح، والعميد مالك عليا، بمهمة قيادة الحرس الجمهوري. وقد أشادت المصادر الموالية للنظام بترقية اللواء عليا وأثنت عليه خاصة بفضل سجله القتالي في حلب، كما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي الحوار الذي أجراه مع "أنا نيوز" سنة 2016 على نطاق واسع (وهي وكالة أنباء أبخازية مؤيدة لروسيا ترسل مراسليها برفقة الجيش السوري لتغطية مناطق النزاع).

يشكل الحرس الجمهوري طرفا بالغ الأهمية في حكم بشار الأسد. وقد اعتادت عائلة مخلوف على اعتلاء مناصب قيادية عليا في الحرس الجمهوري، مما ساعد على الموازنة بين أطراف القوى داخل النظام. وقد كان عدنان مخلوف، قريب الراحلة أنيسة، أول قائد للحرس الجمهوري خلال فترة حكم حافظ الأسد.

يعتمد الحرس الجمهوري على الانتماء الطائفي، حيث يستمد قوته في الغالب من الطائفة العَلوية الحاكمة، ومن عشيرة الكلبية التي تنتمي إليها عائلة الأسد. لكن توجد بعض الاستثناءات القليلة، إذ أن أبرز شخصية سنية هي مناف طلاس (ابن مصطفى طلاس، الذي كان وزيرا للدفاع خلال حكم حافظ الأسد، وصديقا مقربا من بشار). ومع ذلك، وُضع مناف قيد الإقامة الجبرية في بداية الحرب الأهلية، إلى أن ارتد في النهاية.

لقد صمم حافظ الأسد الحرس الجمهوري كأداة أمن داخلية قوية، مقرها دمشق، مثل الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد. وبينما تسهر الفرقة الرابعة (المنتشرة في أنحاء قاعدة المزة العسكرية) على حماية المدخل الجنوبي للعاصمة، فإن الحرس الجمهوري مسؤول عن المنطقة الشمالية المحيطة بجبل قاسيون، ودائماً ما يحظى الحراس بأفضل المؤن للحفاظ على كامل قوتهم.

شيرة مخلوف هي إحدى أقوى الأطراف بين النخبة الحاكمة، حيث يبقى رامي مخلوف، وهو أغنى فرد في عائلة مخلوف (وسوريا)، الفاعل الرئيسي في عملية فرض العقوبات بالنيابة عن النظام

قبل اندلاع الحرب الأهلية، كانت قوات الحرس شبيهة بالقوات الميكانيكية المسلحة، ولكن عندما اندلعت الحرب، نُشرت العديد من وحداتها الفرعية في مختلف أنحاء البلاد، كما أالتحقت بعض كتائب الحرس الجمهوري بتشكيلات الجيش النظامي، بهدف الحفاظ على الانضباط.

حتى يومنا هذا، قاتلت هذه القوات في جميع أنحاء البلاد من دمشق إلى حلب وصولا إلى دير الزور. ويُحكم الحرس الجمهوري سيطرته على الجزء الأكبر من الميليشيا الشيعية الموالية للحكومة (لواء أبو الفضل العباس)، على الرغم من أن إيران هي التي تسيطر في الواقع على الاشتباكات الشيعية في سوريا بشكل عام.

مما لا شك فيه أن المنصب الجديد الذي تقلده اللواء طلال مخلوف كقائد للفيلق الثاني يسترعي كذلك الاهتمام. وكما ذكرنا سابقاً، فإن عشيرة مخلوف هي إحدى أقوى الأطراف بين النخبة الحاكمة، حيث يبقى رامي مخلوف، وهو أغنى فرد في عائلة مخلوف (وسوريا)، الفاعل الرئيسي في عملية فرض العقوبات بالنيابة عن النظام، علاوة على أن مؤسسته الخيرية "البستان" لطالما كانت ترعى الجماعات المسلحة الموالية للنظام.

كان الفيلق الثاني يعرف بأنه القوة العسكرية السورية التي دخلت لبنان إلى حين تعرض رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري إلى الاغتيال سنة 2005، فانسحب على إثر ذلك الجيش السوري من البلاد. ومن ضمن الوحدات الفرعية، تعتبر الفرقة الأولى والفرقة الميكانيكية العاشرة الوحدتين الأساسيتين في الفيلق. وبالعودة إلى الماضي، لعبت الفرقة الأولى دورًا مهمًا في إحباط محاولة الانقلاب التي نفذها رفعت الأسد ضد شقيقه حافظ سنة 1984.

بغض النظر عن إعادة تشكيل الفيالق داخل الجيش، فإنه من المهم التحقق من أولئك الذين تمكنوا من الاحتفاظ بمناصبهم

من المرجح أن تكون مهمة اللواء طلال مخلوف مرتبطة بالخطط التي وضعتها روسيا لإعادة تشكيل الجيش السوري بهدف منع "أمراء الحرب الراسخين" من الانسياق وراء إيران. وقد يكون للفيلق الثاني دور ريادي في تغيير تشكيلة الفيالق حتى تصبح قيادات إقليمية واسعة النطاق.

أصحاب مصالح رئيسيين آخرين

بغض النظر عن إعادة تشكيل الفيالق داخل الجيش، فإنه من المهم التحقق من أولئك الذين تمكنوا من الاحتفاظ بمناصبهم. فقد بقي كل من الجنرال سهيل الحسن وهو الشخصية العسكرية المفضلة لدى روسيا وقائد الوحدة الخاصة المعروفة باسم "قوات النمر"، والجنرال جميل الحسن وهو رئيس إدارة المخابرات الجوية السورية، على رأس مناصبهم. وتجدر الإشارة إلى أن سهيل الحسن تولى منصبه سنة 2009 على الرغم من تجاوزه سن التقاعد.

لكن الأهم من ذلك أن رئيس المخابرات الجوية المتمرّس قد انتقد بشكل ضمني المقاربة الأولية للرئيس بشار الأسد بشأن الصراع الدائر في الأراضي السورية، خلال مقابلة أجراها مع وكالة الأنباء "سبوتنيك عربي" سنة 2016، لكنه تمكن من إحكام قبضته على السلطة. وبالرجوع إلى سجل النظام السوري، شكّلت هذه المقابلة استثناء صارخا. وخلال كتابة هذا التقرير، ذكرت بعض المصادر أن جميل الحسن دخل المستشفى بعد تعرضه إلى سكتة دماغية، على الرغم من صعوبة تأكيد هذه الادعاءات أو تفنيدها. وعموما، يمثل اللواء جميل الحسن شخصية الحرس القديم الذي لا يمكن استبدالها بسهولة.

من المثير للاهتمام أن اللواء أوس أصلان لا يزال يمتع بمنصب مرموق في تسلسل القيادة على الرغم من أن بعض مصادر من المعارضة السورية أشارت إلى أن هذه الشخصية العسكرية البارزة مرشحة من قبل الكرملين لأن تكون خلفا للرئيس الأسد

ينتمي سهيل الحسن للجيل الجديد، كما أنه يحظى بمكانة مرموقة لدى القوات الروسية، حيث تحصّل على ميداليات روسية، وتلقى سيفا رمزيا من  قبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف. علاوة على ذلك، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتحدث شخصياً إلى سهيل الحسن بحضور الرئيس بشار الأسد أثناء زيارته لقاعدة حميميم الجوية خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2017. ولا أحد يمكنه أن يتخيل حدوث مثل هذا المشهد خلال فترة حكم حافظ الأسد. وقد كشفت بعض المعلومات الاستخبارية عن وجود عنصر أمني روسي خاص يرافق القائد الواعد مؤخرا.

من المثير للاهتمام أن اللواء أوس أصلان لا يزال يمتع بمنصب مرموق في تسلسل القيادة على الرغم من أن بعض مصادر من المعارضة السورية أشارت إلى أن هذه الشخصية العسكرية البارزة مرشحة من قبل الكرملين لأن تكون خلفا للرئيس الأسد. لكن تم إعفاؤه من منصبه القيادي وتعيينه بدلا من ذلك نائبا لمدير العمليات. وعلى الرغم من منصبه، إلا أنه لا يملك وحدة قتالية تعمل مباشرة تحت تصرفه.

في الأثناء، حافظ ماهر الأسد على منصبه كقائد للفرقة الرابعة. وبعد فترة من التهميش قضاها في هيئة الأركان العامة، عُيّن ماهر قائدا للفرقة الرابعة في نيسان/ أبريل سنة 2018 في الوقت الذي تولى فيه الجنرال سهيل الحسن القيادة الميدانية للهجوم على الغوطة الشرقية بناء على طلب موسكو. وتم تفسير ترقيته على أنها محاولة من النظام لموازنة نفوذ الجنرال سهيل الحسن الذي بات من الصعب السيطرة عليه.

ضمن حلفاء الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط (العراق ومصر وسوريا)، كانت القوات المسلحة السورية تشبه إلى حد كبير الجيش الأحمر على مستوى النهج التكتيكي والتنظيم والمذهب والعمليات.

في المقابل، لن يكون العثور على مكان مناسب لماهر الأسد في سوريا بعد انتهاء الحرب مهمة سهلة. فمن المرجح أنه سيرفض الخضوع لأي تسلسل رسمي للقيادة. وقد اعتبرت بعض التقييمات الروسية أن ماهر يمثل "إحدى القنوات الرئيسية لمصالح إيران في القيادة السورية". ولكن يبدو أن هناك أمرا واحدا واضحا للعيان؛ ففي حال أدرك ماهر وجود أي تهديد يحدق به، فإن العديد من الأمور السيئة قد تحدث في العاصمة السورية. وإذا تمعّنا في عهد حكم حافظ الأسد، فإن الصراع بين الأشقاء حول السلطة في دمشق ليس بالأمر الغريب.

الطريق إلى الأمام: بين تراث الجيش الأحمر وحزب الله في طور التكوين

ضمن حلفاء الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط (العراق ومصر وسوريا)، كانت القوات المسلحة السورية تشبه إلى حد كبير الجيش الأحمر على مستوى النهج التكتيكي والتنظيم والمذهب والعمليات. وقد شهدت حرب 1973 محاولة قوات حافظ الأسد تقليد أسلوب الجيش الأحمر من حيث سلسلة الهجمات وإيلاء الدبابات دورا مركزيا في هذه العمليات، واقترن ذلك بالتركيز بشكل خاص على الدفاع الجوي كفرع منفصل، على الرغم من أن النظام لم يترك مجالا كبيرًا لقيام القادة العسكريين بالمناورة على المستوى التكتيكي.

لطالما مثل الجيش، الذي شكلته هيمنة وحدات الحرس البريتوري ذات الهوية الطائفية العلوية، الركيزة الأساسية لنظام البعث السوري. كما أدى إرث حافظ الأسد إلى استخدام النمط السوفيتي، حيث تعمل العديد من وكالات المخابرات على الإشراف على القوات المسلحة. بالإضافة إلى ذلك، قام نظام الأسد ببناء نظام إسكان عسكري مصمم خصيصًا لضباط الفيلق، خاصة لأولئك الذين يعملون في وحدات النخبة الذين ترتبط جلّ جوانب حياتهم تقريباً بالنظام. وعموما، أدت أغلب هذه العوامل إلى الحؤول دون الانهيار التام للجيش السوري، ناهيك عن عدم الانهيار الجماعي للتشكيلات التقليدية، على الرغم من أن الانشقاقات طالت الجزء الأكبر من فيلق المشاة.

في نهاية المطاف، سيقرر مسار الجيش السوري ما ستكون عليه سوريا ما بعد الحرب. و على المرء أن يتذكر أن عائلة الأسد قد استولت على السلطة السياسية من خلال الانقلاب، وكان نظام البعث يعتمد دائما على التصميم السياسي الطائفي للجيش. وسيكون على الجيش العربي السوري إما العودة إلى أصوله تماما كما كان خلال الحرب الباردة أو سيتعين على وكلاء إيران التخلي عنه.

المصدر: ناشيونال إنترست