شهر من التبعات السيئة على اقتصاد البلاد، فلم تتعرض أمريكا لما يحدث منذ سنوات طويلة، بسبب الإغلاق الجزئي للحكومة، حسب قرار الرئيس دونالد ترامب، الذي يهدف من خلاله إلى لي ذراع الديمقراطيين لتنفيذ مطالبه، وانعكس القرار بشكل متدرج على أداء الاقتصاد الأمريكي، حتى بدأت الشركات تعلن انزعاجها بصوت عالٍ من استمرار القرار، محذرة من إحداث خلل غير مسبوق في طريقة حسم النزاعات التجارية والتسبب في اضطرابات كبيرة بسوق البورصة.

ورغم تأكيد التاريخ الأمريكي على أن جميع عمليات الإغلاق المتعمدة السابقة للحكومة، لم يكن لها آثار اقتصادية عابرة فقط، بل إنها تدوم طويلاً، فإن النزاع السياسي الحاليّ الذي ترتب عليه هذا القرار، سيغير صورة الاقتصاد وسمعته في المحافل الدولية إلى الأسوأ، إذا استخدم مثل هذا القرار لاحقًا لحسم الصراعات السياسية في البلاد، ما دعا المرشح الديمقراطي للرئاسة جون ديلاني العضو السابق بالكونغرس عن ولاية ماريلاند، إلى القول في تغريدة له، إن الإغلاق كلف البلاد حتى الآن، ما بين 12 إلى 20 مليون دولار في الساعة الواحدة، وخاصة أن التوقف الجزئي لأنشطة الحكومة، لم يستثن واشنطن من دفع رواتب موظفي الحكومة كاملة، وبالتالي توقف بعضهم عن العمل ليس قرارهم.

جون ديلاني المرشح الديمقراطي السابقة للرئاسة يكشف تبعتات الإغلاق الحزئي للحكومة الامريكية

في 2013، أغُلقت الحكومة حزئيًا، واستمر القرار ساريًا لمدة 16 يومًا، وتكلفت الحكومة آنذاك مبالغ تقدر بنحو 12.5 مليون دولار في الساعة، بسبب توقف نحو 800 ألف عامل عن العمل، وقدرت خسائر التشغيل بنحو ملياري دولار، ما زاد من الأعباء على الناتج المحلي الإجمالي، وهي سياسة تواجه نقدًا شديدًا في أمريكا حاليًّا، لا سيما أن تكلفة غلق الحكومة أكبر بكثير من استمرارها، فالإغلاق يقلص النمو بنحو 23 مليار دولار.

كما تتكلف البلاد انخفاضًا كبيرًا في الإيرادات الضريبية الفيدرالية، بنسبة وصلت إلى 17% من الناتج المحلي الإجمالي، بجانب سعي الكثير من الشركات، لاتخاذ تدابير حماية مكلفة، خوفًا من المخاطر المتزايدة، على رأسها فصل مئات الآلاف من العمال الفيدراليين وتقليص عدد الموظفين في المنتزهات الوطنية وإغلاق المتاحف الشهيرة، مما أثر على جميع طبقات وطوائف المجتمع.

مكاتب الإحصاء أكثر المتضريين

مكاتب الإحصاء الأمريكية الشهيرة، كانت أكثر المؤسسات التي خضعت لعمليات الإيقاف الجزئي عن العمل، لذا توقفت معظم العمليات والتقارير الشهرية، وحتى الآن لم تظهر أي إحصاءات لشهر نوفمبر، وكان من المفترض إنتاجها في 27 من ديسمبر، لمعرفة سير بيع العقارات الجديدة والإنفاق على الإنشاءات الجديدة وشحنات المصنعين وحركة التجارة الدولية.

كما توقف مكتب التحليل الاقتصادي بوزارة التجارة الأمريكية عن العمل، وقد يؤثر ذلك على إنتاج تقديرات مهمة عن الناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير من عام 2018، ومن المفترض إصدارها في 30 من يناير الحاليّ، وكذلك المكاتب الإحصائية الرئيسية في وزارة الزراعة والمصلحة الوطنية للإحصاءات الزراعية ودائرة البحوث الاقتصادية، بما يعني توقف إمداد المزارعين بالبيانات الحديثة عن سوق العرض والطلب في العالم على المنتجات الزراعية.

وكذلك توقف مكتب إحصاءات وزارة العدل، وهذا يعني أنه لن يتم تحديث البيانات المتعلقة بالجرائم والحكم والسجون وغيرها من موضوعات إنفاذ القانون، ولم ينجز حتى الآن إلا القليل في المكتب، ومعظمها عن بعض السرقات التي أثارت الجدل سابقًا، واستندوا إلى مواد أرشيفية وفقًا لبيانات عام 2016 حتى يبقى المكتب منتجًا ولو بمواد محروقة لا يوجد فائدة من إعادة قراءتها، وهو نفس الحال مع مكتب إحصاءات النقل الذي أوقف مكتب معلومات الطيران، بجانب توقف مكاتب تقديرات إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية، ولم تترك إدارة ترامب إلا دائرة التسويق الزراعي فقط خوفًا من سخط المواطنيين أكثر، إذا حجبت عنهم بيانات أسعار السوق عن اللحوم والحبوب ومنتجات الألبان والسلع الأخرى.

400 ألف دولار خسائر يومية لـ"المترو"

إدارة المترو من ناحيتها، أكدت خسارته يوميًا نحو 400 ألف دولار، منذ بدء إغلاق الحكومة الفيدرالية، مما يخفض إيراداته من مواقف السيارات، بسبب توقف الموظفين عن العمل، وبحسب إحصاءات صادرة الأسبوع الحاليّ، حذرت إدارة المترو من وقف العاملين الاتحاديين الذين يسهمون في حركة بيع التذاكر بنسبة 40% من ركاب المترو، وخاصة في وقت الذروة.

وقالت الإدارة إنها ستعاني مستقبلاً من خسائر كبيرة في ظل إغلاقها، ويمكن أن تصبح أكثر حدة، مع استمرار توقف عمليات الإغلاق، بسبب عدم توزيع ميزة SmartBenefits لشهر فبراير، وهي فائدة تقدم للركاب من العمال الفيدراليين، لتحفيزهم على استخدام وسائل النقل، وإذا ما استمر الإغلاق الفيدرالي لفترة طويلة، فسيتم إجبار المترو على تكبد تكاليف إضافية وتأجيل مشاريع إصلاحية مهمة، وهي تدابير من شأنها تقويض المكاسب التي حققها المترو في الآونة الأخيرة.

وطالبت إدارة المترو الرئيس ترامب، بإنهاء هذا القرار المدمر الذي يهدد استقرار نظام المترو بأكمله، وحذرته من التأثيرات طويلة الأجل، حتى بعد التراجع عن القرار، لا سيما أنها امتنعت الأسبوع الماضي عن إصدار أرقام أولية بشأن تأثير الإغلاق على الركاب، وفضلت التعامل بصورة أكثر شمولية في مرحلة لاحقة في ظل خسارة المترو نحو 50 ألف رحلة بالسكك الحديدية يوميًا مقارنة بالعام الماضي في نفس التوقيت بسبب إجراءات الغلق التي قد تدفع المترو إلى تأخير التصديق على لجنة سلامة Metrorail، وهي لجنة الإشراف التي ستتولى مهام مراقبة السلامة من اتفاقية التجارة الحرة، ودون الحصول عليها في أبريل/نيسان القادم، سيخسر المترو 638 مليون دولار (حصته من منحة فيدرالية للعام المالي 2019) وهي أموال تذهب إلى الولايات القضائية ووكالات المرور عبر المقاطعات وماريلاند وفيرجينيا.

البيت الأبيض يعترف بالأزمة

لم يخجل البيت الأبيض، في تقريره يوم الثلاثاء الماضي، من الاعتراف بأن الإغلاق الحكومي الجزئي، يلحق أضرارًا أكبر بكثير باقتصاد الولايات المتحدة عما كان مقدرًا سابقًا، وأكد أن هناك توقعات تشير إلى ضياع النمو الاقتصادي كل أسبوع، مع استمرار الأزمة مع الديمقراطيين التي تدخل أسبوعها الرابع، محذرًا من عواقب اقتصادية حقيقية، بما قد يدفع اقتصاد الولايات المتحدة إلى الانكماش في النهاية.

ويتعارض التصريح الأخير للبيت الأبيض مع تصريحات عنترية لنائب الرئيس مايك بنس، قبل أسبوعين، قلل فيها من تأثير الإغلاق، ويبدو أن مسؤولي البيت الأبيض لم يجدوا مفرًا من تحذير ترامب علنًا من الخسائر التي يمكن أن تتكبدها البلاد في التوسع الاقتصادي المستدام، بما قد يدمر ما جناه ترامب، خلال الفترات الماضية، ويذهب بتأثير نجاحه السياسي في حربه التجارية مع الصين، أو تخفيضه للضرائب بمقدار 1.5 تريليون دولار إلى الجحيم.

ويحاول البيت الأبيض تقليص آثار التوقف الحكومي بإجراءات غير تقليدية، ويبدو أن الجمهور عير متحمس لها، وخاصة أنه يقترح إعادة عشرات الآلاف من الموظفين إلى العمل دون أجر لمعالجة الإقرارات الضريبية وضمان سلامة الطيران وفحص الأغذية والمخدرات، وهو ما يرفضه غالبية الأمريكيين في استفتاءات داخلية، وطالبوا ترامب بدلاً من سن هذه الحلول الوقتية التي لن تلق قبولاً، بالقلق من تأثر البلاد اقتصاديًا بصورة غير مسبوقة، وستتسع حتمًا في الأيام القادمة، كما طالبوه بالابتعاد عن حاشية السوء من المقربين له الذين ينفخون في النار ويشجعونه على الوقوف صلبًا في معارك أشبه بـ"كيد النساء" بوجه الديمقراطيين، حتى لا ينهزم أمامهم ويعطيهم نجاحًا سيقضي على آماله في إعادة انتخابه رئيسًا لأمريكا.