لم تنجح المعارضة التركية في كسر هيمنة حزب العدالة على السياسة التركية منذ عام 2002، حيث جرت عدة عمليات انتخابية برلمانية ورئاسية وبلدية واستفتاءات كان آخرها الانتخابات الرئاسية وسواء كان ذلك في المرحلة الأولى عندما كان الحزب لديه القدرة على تشكيل الحكومة وحده أو بعد التكتيك الذي لجأ إليه بالتحالف مع حزب الحركة القومية لضمان الانتخابات الرئاسية ولضمان الفوز ببلديات أنقرة وإسطنبول وعدد أكبر من البلديات مع حليفه.

لقد شعرت المعارضة بنشوة كبيرة بنتائج الاستفتاء في 2017 رغم خسارتها في انتخابات 2018، كما أننا أمام طبيعة مختلفة لانتخابات البلديات مع وجود تقسيم جغرافي ومناطق نفوذ للأحزاب كمدينة إزمير مثلاً التي تعرف بأنها قلعة لحزب الشعب الجمهوري ومدينة عصمانية لحزب الحركة القومية وربما دنيزلي وباليك أسير للحزب الجيد الذي يخوض أول انتخابات بلدية، ولذا فإن تحقيق الفوز للمعارضة في الانتخابات المحلية يخفف من معاناتها أمام حزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة وقد يعطيها بارقة أمل لاستمرار المنافسة في الانتخابات العامة.

لدى المعارضة طموح كبير بالحصول على بلدية إسطنبول وافتكاكها من أيدي حزب العدالة والتنمية لما لذلك من دلالة سياسية كبيرة

هذه المرة ستقام الانتخابات على شكل تحالفات بطريقة واضحة جدًا، فقد تنازل حزب العدالة والتنمية عن ترشيح أسماء لرئاسة بلديات كل من أضنة وعصمانية ومرسين ومانيسا لحزب الحركة القومية، كما تنازل الحركة القومية عن تقديم مرشحين في بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير وهذا على صعيد البلديات الكبرى ويندرج على العديد من البلديات الصغرى، أما حزبي الشعب الجمهوري والحزب الجيد فقد اتفقا على مدن مشابهة في حين أن هناك عددًا من المدن ستتنافس فيها كل الأحزاب أمام بعضها البعض لكن الأحزاب المتحالفة تعمل على الوصول إلى تفاهمات قدر الإمكان.

لدى المعارضة طموح كبير بالحصول على بلدية إسطنبول وافتكاكها من أيدي حزب العدالة والتنمية لما لذلك من دلالة سياسية كبيرة وكون أردوغان جاء للحكم انطلاقًا من دوره في بلدية إسطنبول، ولكن هذا يبدو صعبًا لأن التقديرات تشير أن بن علي يلدرم مرشح حزب العدالة ورئيس البرلمان الحاليّ ورئيس الوزراء السابق ووزير النقل الأسبق ورئيس إدارة الطرق البحرية لإسطنبول من 1994 إلى 2000 يتفوق على منافسه أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري ورئيس بلدية بيلك دوزو بنسبة مريحة، كما أن تحالف العدالة والتنمية مع الحركة القومية في إسطنبول سيكون كفيلاً بتأمين فوز بن علي يلدرم، وأيضًا ستكون المعارضة مهددة في البلديات التي حصلت عليها سابقًا من تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية وعلى سبيل المثال بلدية منطقة بشكتاش داخل إسطنبول.

المدينة الثانية في نظر المعارضة هي أنقرة التي تشجعت فيها المعارضة بعد أن حصلت على نسبة 51% لصالح رفض التعديلات الدستورية مقابل 48% لكتلة التأييد

وتحاول المعارضة الاستفادة من النفس السياسي العام ونقله لانتخابات البلدية، فيما يحاول حزب العدالة والتنمية ذلك أيضًا مع التركيز على الجانب الخدمي للمواطنين، أما قلب هجوم إستراتيجية المعارضة للفوز على حزب العدالة والتنمية سيكون الموضوع الاقتصادي بشكل مركز وخاصة بعد تراجع الليرة أمام الدولار، ولكن قوة أذرع حزب العدالة الإعلامية ستقلل من هذه الميزة خاصة مع وجود حضور قوي لحملة منظمة على شبكات التواصل للدفاع والتفنيد.

المدينة الثانية في نظر المعارضة هي أنقرة التي تشجعت فيها المعارضة بعد أن حصلت على نسبة 51% لصالح رفض التعديلات الدستورية مقابل 48% لكتلة التأييد، ولكن المعارضة منيت بهزيمة فيها في يونيو 2018 حيث فاز الرئيس أردوغان بنسبة 51% من سكان أنقرة كما حصل تحالف الجمهور المكون من العدالة والتنمية والحركة القومية على 53% بواقع 40% لحزب العدالة و13% لحزب الحركة القومية، ولكن مع تقدم توقعات مرشح حزب العدالة والتنمية محمد أوزحسكي فإن الفارق ليس كبيرًا، حيث توافق الحزب الجيد وحزب الشعب الجمهوري على ترشيح منصور يفاش وهو عضو سابق في الحركة القومية وقد ترشح سابقًا لمنصب رئيس بلدية أنقرة وحصل على أكثر من 40%، ومع أن هناك تقديرات تشير إلى فوز حزب العدالة والتنمية إلا أنه فوز يحتاج لجهد وعمل ومنافسة.

المدينة الثالثة التي تريد المعارضة وتحديدًا حزب الشعب الجمهوري المحافظة عليها هي مدينة إزمير التي تعتبر قلعته التاريخية وفي حال لم يتعرض لمشاكل داخل الحزب بشأن اسم المرشح الذي لم يستطع حتى الآن إعلانه فإنه سيفوز بسهولة خاصة مع دعم الحزب الجيد، والمشكلة التي تلوح أمام حزب الشعب الجمهوري لا تتمثل بترشيح حزب العدالة لوزير الاقتصاد السابق نهاد زيبكجي ولكن تتمثل في رغبة رئيس البلدية الحاليّ عن حزب الشعب في ترشيح نفسه بينما يرغب الحزب بترشيح شخص آخر، وفي حال قرر الرئيس الحاليّ الترشح كمستقل قد يعرض ذلك الحزب لخسارة البلدية في ظل تعاون حزب العدالة والحركة القومية أمامه وعلى الأغلب لن يصل الأمر لهذه الدرجة حيث من المنتظر أن يعلن الحزب مرشحه في إزمير بعد 3 أيام.

مما مجموعه 30 بلدية كبرى يتوقع أن يفوز حزب العدالة والتنمية وفق الظروف الحاليّة بنصف هذه البلديات فيما يفوز حليفه الحركة القومية ببلدية أو اثنتين

تبقى هناك عدة مدن تريد المعارضة المحافظة عليها خوفًا من استعادتها من حزب العدالة ومثال على ذلك مدينتي غيرسون ويلوا اللاتي يديرهما حاليًّا حزب الشعب الجمهوري، وعلى الجهة الأخرى سيدعم حزب الشعب الجمهوري الحزب الجيد لمحاولة سحب بلديات مدن باليك أسير ودنيزلي من حزب العدالة والتنمية وعلى الطرفين قد تنجح هذه المحاولات أيضًا.

في مدن الشرق والجنوب الشرقي نحن أمام معادلة أخرى حيث الأحزاب ذات الأغلبية الكردية التي تجمعت كأحزاب صغيرة لتدعم حزب الشعوب الديمقراطية ويضع حزب الشعوب الكردية عينه على بلديات ديار بكر وفان وماردين بشكل أساسي كبلديات كبرى ومن المتوقع فوزه بها.

مما مجموعه 30 بلدية كبرى يتوقع أن يفوز حزب العدالة والتنمية وفق الظروف الحاليّة بنصف هذه البلديات، فيما يفوز حليفه الحركة القومية ببلدية أو اثنتين، أما الحزب الجيد وحزب الشعب الجمهوري فمن المحتمل فوزهما بـ10 بلديات، فيما يفوز حزب الشعوب بـ3 أو 4 بلديات، ولكن بالنظر إلى البلديات الأهم فإن إسطنبول وأنقرة وإزمير تبقى الأهم ومن المرجح أن يبقى الحال كما هو عليه.

أما بلديات المدن الباقية حيث يوجد في تركيا 81 مدينة منها 30 لها بلديات كبرى والـ51 المتبقية هي بلديات عادية يتوقع أن يواصل حزب العدالة ريادته أمام الأحزاب الأخرى بفوزه في 30 بلدية من 51 فيما يفوز حليفه الحركة القومية بـ5 بلديات ليتبقى للمعارضة نحو 15 منها.

بهذا الشكل لا يوجد تغيير كبير متوقع في البلديات إذا لم تحدث أي مفاجآت في أنقرة أو إسطنبول لصالح المعارضة، ولكن هذه المرة ما لم تحقق المعارضة إنجازًا ما فإنها ستتراجع أكثر أمام حزب العدالة والتنمية وسيحدث تغييرات على صعيد قيادة حزب الشعب الجمهوري يتمثل أولها في مطالبات كثيرة بتغيير رئيس الحزب كمال كليجدار أوغلو الذي لم يحقق الحزب في فترة رئاسته أي انتصار على حزب العدالة والتنمية في أي من الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية.