تعتبر روسيا المصدّر الثاني للأسلحة في العالم

عرفت الفترة الأخيرة، عودة روسيا إلى القارة الإفريقية التي تشهد نزاعات كبرى، بعد غياب دام سنوات عدّة. عودة جاءت من بوابة التعاون العسكري وصفقات السلاح، حيث تسعى إلى منافسة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وحتى الصين.

اهتمام متصاعد

"أنا متأكد من أن المنتجات الروسية التي تم اختبارها في القتال الواقعي تتماشى بنسبة 100٪ مع هدف جعل أفريقيا مكانًا أكثر أمانًا"، هكذا قال المدير العام للوكالة الروسية العامة لتصدير الأسلحة "روس أوبورون إكسبورت" ألكسندر ميخيف التي شاركت في المعرض الدولي الأمن والدفاع "درع أفريقيا 2019" الذي عقد في العاصمة الإيفوارية أبيدجان أمس وأول أمس.

وأضاف المدير العام للوكالة الروسية لتصدير الأسلحة التي تم إنشاؤها بقرار من فلاديمير بوتين في نوفمبر 2001، ""نحن نعرف احتياجات شركائنا والأصدقاء"، وتابع ألكسندر ميخيف، مما يجعل "العمل بنجاح" مع الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي وG5 من منطقة الساحل (بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا النيجر وتشاد).

يعد تحسين العلاقات مع روسيا، بالنسبة لبعض الدول الإفريقية، أمرا جذابا حيث يساعدها في استغلال ورقة المنافسة مع أوروبا والولايات المتحدة والصين

يعقد هذا المعرض الدولي الذي يهتم بالأمن الداخلي والدفاع، في النصف الأول من السنوات الفردية، وسبق أن عقدت 5 دورات سابقة باعتبار الدورة الأخيرة، وقد كانت جميعها ناجحة، وفق القائمين عليها، من المقرر أن يصبح هذا المعرض مركزًا لمستخدمي المنتجات والحلول الأمنية والدفاعية العامة والخاصة، بالإضافة إلى الشركات المصنعة في جميع أنحاء العالم.

يذكر أن شركة "روس أوبورون إكسبورت" تعد الشركة الحكومية الوحيدة في روسيا في مجال تصدير كافة المنتجات والخدمات والتكنولوجيات العسكرية وذات الاستخدام المزدوج. وتعمل هذه الشركة ضمن تنظيم مؤسسة "روستيخ".

هذا وتم تأسيس هذه الشركة، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000. لتصبح بعد ذلك إحدى كبريات الشركات التي تعمل في سوق الأسلحة على مستوى العالم، حيث تبلغ حصتها في مجال تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية نسبة تزيد عن 85 %، وتتعاون هذه الشركة مع ما يزيد عن 700 مصنع ومؤسسة في مجمع التصنيع الحربي الروسي.

عودة بعد غياب

المشاركة في هذا المعرض الدولي، تأتي في سياق الجهود الروسية المتواصلة لتعزيز مكانتها في القارة الإفريقية، مستغلة حاجة دول القارة للسلاح في ذلك. وقد عملت موسكو في السنوات الأربعة الأخيرة على تعزيز موقعها في إفريقيا بوتيرة كبيرة، خاصة بعد دخولها إلى سوريا، فقد أصبحت تقدم نفسها، حاليا، كبديل واضح للدول الغربية.

هذه العودة، جاءت بعد عقود من الغياب عن القارة، فانهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه نهاية سنة 1991، والمشكلات الاقتصادية والنزاعات الداخلية التي شهدتها روسيا بعد ذلك، دفعت موسكو إلى التخلي عن مشاريعها في إفريقيا التي كانت جزء من حربها الفكرية ضد الغرب.

ويعد تحسين العلاقات مع روسيا، بالنسبة لبعض الدول الإفريقية، أمرا جذابا حيث يساعدها في استغلال ورقة المنافسة مع أوروبا والولايات المتحدة والصين، أي الحصول على شريك جديد يلبي احتياجاتهم المتزايدة من السلاح دون أن يولي القانون الدولي أي اهتمام. كما أن الدول الإفريقية، وجدت في موسكو بديلاً عن عواصم غربية تريد التدخل في الشؤون الداخلية لدول القارة.

كثفت المسؤولين الروس زياراتهم إلى إفريقيا

ترجع عودة الاهتمام الروسي بإفريقيا في أجزاء منه إلى سعي موسكو لكسب تأييد الدول الأفريقية في إطار الاصطفافات الحاصلة في الملفات الخلافية الدولية، لذلك فهي تطمح الساعي لمنافسة القوى العالمية التي بدأت تتقاطر على أفريقيا على مدار العقدين الأخيرين.

يذكر أن الاتحاد السوفياتي، كان لاعبا رئيسيا في إفريقيا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث وفرت الاتحاد مظلة أيديولوجية وسندا عسكريا وداعما للحركات التحرر الإفريقية المناهضة للاستعمار، إلا أن العلاقات انحسرت فيما بعد.

الجزائر على رأس القائمة

نحو نصف الأسلحة الروسية التي تباع في قارة إفريقيا يتم شراؤها من دولة الجزائر. ويعود الطلب الجزائري الكثيف على الأسلحة الروسية، لأسباب كثيرة لكن من أبرزها الارتباط التاريخي بين البلدين من خلال العلاقات الاقتصادية والتاريخية منذ الاستقلال الجزائري الذي كان لروسيا دور هام فيها حسب السفير الروسي لدى الجزائر إيغور بيلايف.

وتظل روسيا المصدر الأول للجزائر بشأن المعدات الحربية منذ 24 سنة، وكانت موسكو قد عرضت على الجزائر مؤخرًا، منحها الأولوية في تصدير منظمات الدفاع الجوي الأكثر تطورًا من نوع بانستير سي 1 القادرة على التصدي للصواريخ (نسخة مشابهة لمنظومة الدفاع الجوي ضد الصواريخ الأمريكية)، بالإضافة إلى نقل تكنولوجيا تصنيع القذائف الصاروخية الذكية للجزائر والمشاركة التقنية في المشروع الجزائري لتطوير العربات القتالية.

ومن أهم التجهيزات العسكرية الروسية المصدرة للجزائر، نجد الدبابة القتالية الشهيرة "تي. 90 إس إي"، التي تسلم الجيش الشعبي الوطني 67 نسخة منها شهر يوليو 2016، في إطار صفقة أبرمت عام 2014 وتتضمن تصدير 200 دبابة من هذا النوع، حسب تقرير نشرته وكالة "تاس" الروسية"، على أن تتسلم الجزائر طائرات عمودية هجومية من نوع "إم آي - 28 إن إي"، ومروحيات للنقل التكتيكي الثقيل صنف "إم آي 26 تي2" روسية الصنع.

تستغل روسيا وضعها الدولي؛ باعتبارها إحدى الدول الخمس الكبار في مجلس الأمن الدولي، في نشاطها العسكري في القارة الإفريقية

تعمل روسيا كذلك مع العديد من الدول الإفريقية، من ذلك الكاميرون التي ترسل لها أسلحة لدعم جيشها النظامي في حربها ضد جماعة "بوكو حرام" المسلحة، في حين عقدت شراكات عسكرية مع جمهورية الكونغو الديموقراطية وبوركينا فاسو وأوغندا وأنغولا وتعاونت مع السودان في مجال الطاقة النووية.

كما قدمت روسيا، أسلحة للجيش في جمهورية إفريقيا الوسطى بعدما حصلت على تخويل من الأمم المتحدة للقيام بذلك فيما توفر الحماية الأمنية للرئيس فوستان-أرشانج تواديرا الذي يعتمد على مستشار أمني روسي. وتشمل قائمة أولويات روسيا أيضا مصر وإثيوبيا وأنغولا، بالإضافة إلى دول شرق وجنوب إفريقيا.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، وسّعت روسيا من مبيعات السلاح، من حيث عدد الدول الإفريقية التي بيعت لها تلك الصفقات، أو من حيث نوعية الأسلحة والمعدّات العسكرية، وفقاً لتقرير لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي. وتابع الموقع أن روسيا شحنت ما قيمته 357 مليار دولار بضائع حول العالم عام 2017، وشمل ذلك دولاً إفريقية، مثّلت 13% من مبيعات الأسلحة في السنوات الخمس الماضية.

وسهّلت شروط الدفع البديلة، للراغبين في شراء الأسلحة والعتاد العسكري الروسي في القارة الإفريقية، على موسكو المهمة، فالكثير من الدول الإفريقية لا تملك المال للشراء لذلك، وجدت في الشروط الروسية بديلا للشروط الغربية المجحفة. ومن هذه الشروط مثلا عقد اتفاقيات مشتركة في قطاعات صناعة الأسماك والمناجم والنفط، وامتيازات حصرية لاستغلال موارد طبيعية في الدول الأفريقية وتوريد منتجات تقليدية كالأحجار الثمينة والقطن والبن

قلق متنامي من النفوذ الروسي

تذهب غالبية صادرات الأسلحة الروسية بشكل رسمي إلى الجيوش النظامية والدول، لكن كميات كبيرة من الأسلحة خاصة الصغيرة منها ولوازم السلاح تباع خفية في إفريقيا، أي إلى الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.

وكثيرا ما تعمد الشركات الروسية، إلى بيع الأسلحة خارج نطاق القنوات الرسمية ولشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهو ما يغذي النزاعات المحلية المسلحة في مختلف أرجاء القارة الإفريقية. فعلى سبيل المثال تبيع روسيا السلاح للجيش في إفريقيا الوسطى كما أنها تبيعه أيضا للجماعات المسلحة هناك، ما يزيد من انتشار النزاعات في هذا البلد.

أدّى السلام الروسي إلى تماني الصراعات الداخلية في إفريقيا

وتعد روسيا ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة، بحسب موقع "بيزنيس إنسايدر"؛ وهي تستخدم بيع الأسلحة نقطة انطلاق في سياستها الخارجية، إذ استخدمت موسكو هذا النموذج من تصدير الأسلحة في العديد من البلدان الإفريقية مثل السودان وإريتريا لإيجاد موطئ قدم سياسي لها في تلك المناطق.

وتستغل روسيا وضعها الدولي؛ باعتبارها إحدى الدول الخمس الكبار في مجلس الأمن الدولي، والتي تتمتع بحق النقض "الفيتو"، في نشاطها العسكري في القارة الإفريقية، خاصَّة في ظل حاجة الجميع حكومات وجماعات متمرّدة للسلاح، ما يُسهم في تعزيز تواجدها في المنطقة، فضلاً عن الانخراط في قضايا المنطقة.

قديما كانت سياسة الاتحاد السوفييتي مرتبطة بالفكر، حيث كان يوفر السلاح لعدد من دول إفريقيا مقابل التزامها بالشيوعية، لكن الأن الوضع تغيّر، فموسكو تعتمد على توظيف التعاون العسكري التقني لغاية تعزيز مكانتها في القارة والتمكّن من خيراتها، لا لنشر فكرها الذي عرف تغيرات كبرى، فهل يمكن أن يغير هذا الأمر المنظومة الجيوسياسية في القارة الإفريقية؟