هل ينتهي عصر الخصوصية في واتساب؟

ترجمة حفصة جودة

يبدو أن فيسبوك على وشك أن يتراجع عن وعوده بالنزاهة والاستقلالية لمنصة الرسائل "واتساب"، ونظرًا لأن هذا العام هو الأسوأ في العلاقات العامة لعملاق التواصل الاجتماعي فإن مستقبل واتساب قد يغير قواعد اللعبة.

قبل عدة سنوات كان مفاجئًا أن يقول أحد السياسيين أو رئيس استخبارات أو وزير أنه من الأفضل التواصل باستخدام واتساب، لكنه أصبح اعتياديًا الآن، ففي العديد من الدوائر والظروف الأكثر حساسية يعد واتساب من أكثر الخيارات نزاهة وسرية، ورغم أن هناك العديد من التطبيقات المعروفة بسريتها أكثر من واتساب مثل "سيجنال" و"ويكر مي"، فإنها ليست متاحة في كل الأماكن ولا تستخدم على نطاق واسع.

هناك أكثر من 1.5 مليار مستخدم الآن يرسلون أكثر من 65 مليار رسالة يومية على واتساب، وفي الواقع يمكننا أن نقول بأنه أصبح المنصة الرئيسية للرسائل على الهواتف المحمولة عالميًا، لقد أصبح واتساب أيضًا رئيسيًا في نقاشات الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب مع التركيز على التشفير والسماح بالحد الأدنى من استخدام البيانات.

منصات مثل واتساب تتجاوز ترتيبات التداخل الوطني مع شركات الاتصالات ومقدمي خدمات الإنترنت، لكن هذا لا يتناسب مع الحكومات وهيئات إنفاذ القانون، وما يدفع إلى تبني واتساب هو سهولة استخدامه وأمانه المميز وقلة التدخل والفوضى التسويقية.

تقول خدمة واتساب عبر الإنترنت: "من أول يوم أنشأنا واتساب لمساعدتكم على التواصل مع أصدقائكم ومشاركة المعلومات المهمة في أثناء الكوارث الطبيعية وإعادة التواصل بين العائلات المنفصلة أو البحث عن حياة أفضل، يمكنكم أن تشاركوا أكثر اللحظات خصوصية في حياتكم مع واتساب ولهذا صنعنا لكم تشفيرًا كاملًا، باستخدام "تشفير الطرفين" يمكنكم إرسال رسائلكم وصوركم ومقاطع الفيديو ورسائلكم الصوتية ووثائقكم دون أن تقع في أيدي خاطئة"، والآن يبدو أن فيسبوك - الشركة الأم لواتساب - تخاطر بهذا النجاح والسبب في ذلك: استغلال البيانات.

تغيير كامل

لقد أصبح فيسبوك أقوى منصة للمراسلة عالميًا، ومن خلال خدمة الرسائل الخاصة به وإنستغرام وواتساب، يملك فيسبوك أقوى 3 منصات عالمية ويخدم 2.6 مليار شخص، والآن وفقًا لتقرير نيويورك تايمز فإن خدمات الرسائل ستستمر في العمل كتطبيق مستقل لكن البنية التحتية التقنية ستكون موحدة.

كما يشير التقرير إلى أن فيسبوك يسعى إلى زيادة التشفير الكامل في الخدمات الثلاثة، لكن سيكون هناك تحدٍ بين الجزء القائم على التكنولوجيا والجزء القائم على الثقة، فبالفحص الدقيق لفيسبوك سنجد أنه يسعى للتشفير وفي الوقت نفسه يحاول الموازنة بين أمن البيانات وحاجته لاستغلال البيانات.

بعد أن دفع فيسبوك 19 مليار دولار لواتساب عام 2014 كان من المتوقع وقوع خطر في لحظة ما، لكن المفاجئ أن الأمر استغرق وقتًا طويلًا، لكن التحول في إنستغرام كان أقل مفاجأة، هناك رابط طبيعي بين جوهر فيسبوك ومنصة مشاركة الصور الأمر الذي تحول إلى حلم إعلاني للمسوقين الذين يحاولون الوصول إلى مليار مستهلك من خلال المؤثرين في أي مجال يمكن تخيله.

كان تأثير إنستغرام على الثقافة الشعبية متطرفًا تمامًا مثل فيسبوك، وعادت خدمة الصور لتتصدر الأخبار مرة أخرى هذا الشهر بعد أن أصبح العديد من المشاهير بها أكثر انفتاحًا بشأن الترويج للمكان الذي يدفع لهم.

اختلاف واتساب

بالنسبة لواتساب فإن تأثيره يأتي أكثر في نطاق جذب البيانات الضخمة، ومن المفارقة أن الأخبار الأخيرة تأتي في أعقاب إعلان واتساب بأنه سيضع حدًا لعدد الأشخاص الذين يمكن أن تعيد إرسال رسالة ما إليهم وذلك للحد من انتشار الأخبار الزائفة.

لقد كان واتساب مختلفًا دائمًا، فالعديد من الناس يستخدمون منصة الرسائل دون استخدام أي خدمات أخرى لفيسبوك، وكانت القضايا التي أثيرت عند استحواذ فيسبوك عليه عام 2014 قد انتهت سريعًا بسبب التشفير، ففي جوهر الأمر لا يعاني واتساب من القضايا التي تعاني منها وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، لكن يبدو أن ذلك لن يستمر طويلًا.

لقد أصبح معتادًا استخدام واتساب في الأمن والدفاع والسياسات والحكومة واستخدامه للرسائل الحساسة واستخدام مجموعات واتساب على نطاق واسع وسهولة استخدامه لجمع الناس بشأن قضية ما، وهذا الأمر حقيقي في الدول التي تعاني من شكوك بأن وسائل الاتصال الوطنية تسمع وتقرأ كل شيء، والخوف عند تغير النظام أو الوضع أن تعود هذه الرسائل لتطاردنا جميعًا.

مع تشفير واتساب انتقل الناس لاستخدام المنصة بدلًا من رسائل الهاتف النصية القصيرة، فجميع الحروب والغزوات وعمليات المخابرات والدفاع القومي والانقلابات تم التخطيط لها على واتساب، لكن ذلك لن يستمر طويلاً، وذلك نتيجة لانتشار إعلانات مثل "نحن نفعل ذلك من أجلكم" التي ينشرها المقر الرئيسي لفيسبوك تبعًا لأفكار مارك زوكربيرغ اللامعة.

المزيد من الشيء نفسه

في وقت مبكر من هذا الشهر تحول "تحدي 10 سنوات" من متعة بريئة إلى عملية احتيال ضمنية للتعرف على الوجوه، وفي العام الماضي كان هناك فضيجة كامبريدج أناليتكا وفضائح علاقة بيانات فيسبوك بروسيا واتهامات بتدخل طرف ثالث في الحملة الانتخابية لترامب والبريكست.

في عام 2014 قال المدير التنفيذي لواتساب جان كومي بشأن استحواذ فيسبوك: "هذا الاستحواذ سيمنح واتساب المرونة لينمو ويتوسع، ولن يحدث أن تقاطع الإعلانات اتصالاتكم، ولن يحدث أي شراكة بين الشركتين إذا اضطررنا للوصول إلى حل وسط بشأن بعض المبادئ الأساسية التي سوف تحدد دائمًا ماهية شركتنا ورؤيتنا ومنتجنا".

في العام الماضي رحل كومي بعد شريكه بريان أكتون عقب خلاف بشأن الخصوصية وأمن البيانات، ففي جوهر الأمر تختلف المنصتان في أهدافهما بشكل أساسي، لذا ما سيحدث لاحقًا ليس واضحًا تمامًا، ويقول بعض المستخدمين الآن إنهم سيحذفون التطبيق لكن القول أسهل من الفعل.

هناك شركات كاملة تعمل على مستوى قيادي باستخدام واتساب، فهل سيستمرون في الثقة به؟ وإذا كانت الإجابة لا فما البدائل التي ستنتهز الفرصة لتملأ تلك الفجوة؟ لقد تبرع بريان أكتون بمبلغ 50 مليون دولار لتطبيق "سيجنال" عندما غادر فيسبوك، فما دلالة ذلك؟

البيانات الضخمة تفوز مرة أخرى

في النهاية يبدو أن جاذبية البيانات الضخمة تفوز دائمًا، وفي "رأسمالية المراقبة" كما يعرفها أستاذ هارفرد شوشانا زوبوف فمن المواضح تمامًا أنه عندما يكون الناس المنتج فإنه من المتوقع أن يحدث ذلك بلا شك، تقول زوبوف: "أي منتج أو خدمة تبدأ بكلمة ذكي أو شخصي، وأي جهاز متصل بالإنترنت وأي مساعد رقمي، كلهم ببساطة سلسلة من الوسائط التي تساعد في تدفع البيانات السلوكية للتنبؤ بمستقبلنا في اقتصاد المراقبة".

والسؤال الآن كيف يمكن لواتساب أن يتخلص من ذلك ويبقى على حاله، فالقوى الخطيرة التي لا تقاوم تتقاطع الآن مع الأهداف الراسخة؟

المصدر: فوربس