تعرضت بساتين ديالى إلى الحرق المتعمد لأسباب سياسة وطائفية

لم تسلم الزراعة في العراق بشكل عام وفي محافظة ديالى بشكل خاص، من حالة التردي التي تمر بها البلاد على جميع الأصعدة، لكن بسبب أن هذا القطاع الاقتصادي يعمل به أكثر من 12 مليون عراقي حسب إحصاءات منظمة "الفاو"، فإن التردي فيه يعني تحويل هذه الأعداد الهائلة من الشباب العراقي إلى فخ البطالة، فيتخذون طرقًا أخرى لكسب العيش، ربما يكون في مجملها تعود بالضرر على هؤلاء الشباب أولاً وعلى المجتمع العراقي ثانيًا.

القطاع الزراعي حاله كحال أي قطاع إنتاجي، لا يمكن للمزارع أن يرفع إنتاجيته دون خطة حكومية تساعده في ذلك، بدءًا بتوفير المستلزمات والخطط التسويقية الفعالة وخطط الطوارئ، وفي ذلك فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 ولحد الآن، فشلًا ذريعًا في تلبية متطلبات الزراعة الحديثة التي تمكّن المزارع العراقي من رفع إنتاجيته وجودة محاصيله، وفي ذلك يقول أحد المزارعين من محافظة ديالى الذي لم يشأ ذكر اسمه: "الدعم الحكومي في مجال توفير الأسمدة والمبيدات الحشرية، شحيح للغاية، ما يجعل الفلاح يقوم بذلك بنفسه، فتزيد عليه كلفة المنتج الزراعي، ولهذا السبب انتشرت أمراض فتاكة قلّلت من جودة ووفرة المنتج الزراعي"، واستمر المزارع في حديثه ليقول: "واحدة من أفتك الأمراض التي تعاني منها المحاصيل في ديالى الآن، مرض يسمى ذبابة البحر المتوسط المنتشر بكثرة في بساتين محافظة ديالى".

وعلى الرغم من أن السنة الحاليّة، قد منَّ الله على البلاد بأمطار وفيرة، ساهمت بحل مشكلة شح مياه السقي، فإن تلك المشكلة كانت في الفترة السابقة عبارة مشكلة حقيقية عانى منها البلد، وفي هذا الشأن دعا المزارعون في محافظة ديالى، إلى ضرورة أن تبذل الحكومة جهودًا أكبر في نشر ثقافة السقي الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتوفير سبلها، لتقليل الهدر المائي.

ففي سنة 2018 مثلًا، كانت الخطة الزراعية العراقية لا تستغل سوى ربع المساحة الزراعية بالعراق، بسبب شح المياه الناتج عن قلة الأمطار وتحويل مجاري الأنهار النابعة من إيران وإقامة السدود على منابع الأنهار القادمة من تركيا، أي بما يعادل 10 ملايين دونم فقط من أصل 40 مليون دونم صالحة للزراعة في عموم البلاد، وكل ذلك يعود لسوء ‏التخطيط وسوء إدارة الملف الزراعي من وزارتي الزراعة والموارد ‏المائية.

الحكومة العراقية المسيطر عليها من أحزاب توالي النظام الإيراني، تعمد حاليًّا إلى فتح الأسواق العراقية للمنتجات الزراعية الإيرانية، لتخفيف  وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها

وبطبيعة الحال فإن أي عملية إنتاجية، سواء زراعية أم صناعية، فإن من أهم الأشياء التي يجب التفكير فيها مسبقًا، عملية تسويق المنتج، وفيما يخص المحاصيل الزراعية فإن محافظة ديالى، كما هو الحال في بقية المحافظات العراقية، تعاني من عبثية وسوء إدارة وتخطيط في عمليات التسويق، يصل إلى حد التعمد بالإضرار بالسوق الزراعية العراقية، ففي الوقت الذي يُصرح فيه الكثير من المزارعين العراقيين بأن المنتج العراقي كافٍ لسد الحاجة الفعلية للسوق العراقية، نجد أن الأسواق تغرق بالمحاصيل الزراعية المستوردة ومن دول عديدة وعلى رأسها إيران، تنافس المحصول الزراعي العراقي، مما أثّر سلبًا على أسعاره للدرجة التي لا تغطي كلفة إنتاجه.

وعلى الرغم من أن القانون العراقي ينص على عدم استيراد منتجات من دول أخرى في حالة ‏وجود ‏بديل محلي، فإن مثل هذه القوانين لا تُطبق ولا تجد في الحكومة الرغبة ‏لتطبيقها،‏ وهي بذلك تتصرف عكس ما تتصرف به حكومات العالم التي تحرص على حماية صناعاتها ومنتجاتها الوطنية، ولا تسمح للمنتج المستورد أن ينافس منتجها المحلي.

الحكومة العراقية المسيطر عليها من أحزاب توالي النظام الإيراني، تعمد حاليًّا إلى فتح الأسواق العراقية للمنتجات الزراعية الإيرانية، لتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها، حتى غزت تلك البضائع الأسواق العراقية بشكل غير طبيعي، فأسواق البصرة مثلاً امتلأت مؤخرًا بآلاف الأطنان من الطماطم الإيرانية، الأمر الذي جعل المزارعين يخرجون للتظاهر والمطالبة بوقف ما أسموه ب"المد الأحمر" الذي جعل أسعار المحصول العراقي من الطماطم يتدنى إلى مستويات قياسية.‏

ومن الملفت أن يرافق غزو محاصيل إيران الزراعية أسواق العراق، انتشار أمراض زراعية بشكل غير طبيعي، منها انتشار وباء غامض في محصول الطماطم الذي أدى لشحه،‏ وما حادثة تسمم الأسماك في الأنهار العراقية قبل أشهر، ببعيدة عنا، الأمر الذي يلقي بظلال الشك على الجارة إيران، كونها المستفيد الأول من التردي الحاصل في العملية الزراعية العراقية.

لم تكن مساهمة الإرهاب بنوعيه المليشياوي والداعشي، بأقل من مساهمة الإهمال الحكومي في تردي الواقع الزراعي في العراق بشكل عام وديالى بشكل خاص

وتأتي خطورة تردي الواقع الزراعي في العراق، كونه يعتبر من البلدان الزراعية بالأساس، ولهذا السبب فإن قطاعات واسعة من الشعب العراقي، تمتهن حرفة الزراعة كسبب للرزق، ورغم ما كان من تأثير سيء على الزراعة العراقية حينما تحول العراق إلى اقتصاد ريعي، بعد اكتشاف النفط، إلا أن ما حدث في السنوات الأخيرة من دمار واستهداف للزراعة العراقية، يفوق كل وصف.

ومن شأنِ ذلك أن يحول أعداد هائلة من الشباب العامل بالمجال الزراعي إلى جيوش من العاطلين عن العمل، فعلى سبيل المثال في محافظة ديالى، أكثر من 75% من أبنائها يمتهنون الزراعة،‏ والفشل في العملية الزراعية في هذه المحافظة، سيحول هؤلاء الشباب لفريسة سهلة للمليشيات والمجاميع الإرهابية، وتتحول كل تلك الطاقات الشبابية إلى معاول هدم للبلد بدلًا من أن يساهموا في بنائه.

ولم تكن مساهمة الإرهاب بنوعيه المليشياوي والداعشي، بأقل من مساهمة الإهمال الحكومي في تردي الواقع الزراعي في العراق بشكل عام وديالى بشكل خاص، فقد اتخذت المجاميع الداعشية من بساتين ديالى الممتدة على طول نهر ديالى، كمأوى أمن لها وقاعدة انطلاق لعملياتها، بالمقابل اعتبرت المليشيات الإرهابية ذلك، حجة لها لتجريف وحرق آلاف الدونمات من تلك البساتين وإفراغ قرى عديدة من أهلها، مما جعل الإنتاج الزراعي يتهاوى بشدة في تلك المناطق، فمناطق الزور في المقدادية، ومناطق الوقف في أبو صيدا وما حولها والقرى المحيطة بمدينة بعقوبة، هي أمثلة حية على الدمار الذي تسببت به العمليات العسكرية بين الميليشيات والدواعش، فجعلوا رائحة الدخان والموت تفوح منها، بدلاً من رائحة القداح التي كانت تعبق بها.

وفي ذلك، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، في وقت سابق، أن العراق خسر ‏نحو 40% من إنتاجه الزراعي، جراء الحرب ضد تنظيم داعش.

الحكومة عاجزة عن معالجة هذه المشاكل، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي، معتمدًا بالكامل على واردات النفط، بشكل لا يختلف عن أي بلد صحراوي لا تتوفر فيه أراضي صالحة للزراعة

وفي هذا الشأن أكد أحد المسؤولين الحكوميين في قضاء المقدادية أن الخسائر الناجمة عن تدمير وتجريف البساتين المثمرة التي تحولت إلى صحاري قاحلة، بالإضافة لنزوح المزارعين من قرى عديدة بسبب ‏العمليات العسكرية، تقدر بأكثر من 20 مليار دينار سنويًا على مدى الأعوام الثلاث الماضية، وفي الوقت ذاته تجد من تسبب في تلك المشاكل من المليشيات يزاودون على الآخرين، ويقطعون الوعود الكاذبة للمزارعين، بأنهم داعمين للعملية الزراعية، في محاولة منهم للتنصل من الجرائم التي اقترفوها بحق هذا القطاع الاقتصادي الحيوي والمهم.

المليشياوي قيس الخزعلي زعيم ما يسمى بمليشيا العصائب، وخلال لقائه ببعض المزارعين قال: "من الضروري على الدولة دعم الفلاح العراقي من خلال ‏تمليك الأراضي للفلاحين، ودعم شراء المحاصيل الزراعية، وإيقاف الاستيراد الخارجي للمحاصيل ‏التي تزرع في العراق"، والحقيقة أن تلك المليشيا وغيرها من المليشيات هي التي تجرف البساتين بحجة وجود الإرهابيين، وهي التي تُشرف على عمليات الاستيراد العشوائية للمحاصيل الزراعية دعمًا للنظام الإيراني، بل هي من تستولى على كثير من الأراضي الزراعية كنوع من أنواع الاغتصاب لها.

ومن هذا كله نجد أن الحكومة عاجزة عن معالجة هذه المشاكل، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي معتمدًا بالكامل على واردات النفط، بشكل لا يختلف عن أي بلد صحراوي لا تتوافر فيه أراضي صالحة للزراعة، ولا ماء لتسقي به، مُعتمدةً في غذائها على الاستيراد من الخارج، وما يفترض على الحكومة العراقية أن تقوم به، إذا كانت لديها الإرادة للخروج من هذه الأزمة المستفحلة في البلاد، هو أن تعمل على حماية الثروة الزراعية العراقية، من خلال وقف الاستيرادات العشوائية التي تتحكم بها أحزاب السلطة، ودعم عملية الزراعة من خلال دعم الفلاح وتوفير مستلزمات الزراعة من أسمدة ومبيدات حشرية واعتماد طرق السقي الحديثة وتبطين الجداول المائية التي تصل إلى الأراضي الزراعية، حيث إنها مسؤولة عن هدر ما يقرب من 35% من المياه المارة خلالها، بسبب نفوذها إلى باطن الأرض، وهذا ما أثبتته الدراسات الحديثة التي اعتمدتها منظمة الفاو العالمية، والأهم من ذلك كله، يجب على الحكومة العراقية أن تتصرف كدولة وليس كحكومة مليشيات.