"إننا لا نسمح لهم (بدخول أراضينا)، وإذا كانوا مصرين على الحضور فهذا يعتبر خطأ، حتى وإذا كانوا يريدون سحب حق استضافة الدورة من ماليزيا، فيمكنهم فعل ذلك" تصريحات من العيار الثقيل أدلى بها رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، مؤكدًا رفض بلاده منح رياضيين إسرائيليين تأشيرة لدخول البلاد، للمشاركة في بطولة دولية للسباحة البارالمبية 2019.

تصريحات أثارت الكثير من الجدل، بين مؤيد ومعارض، إلا أنها وبفعل الضغوط الصهيونية دفعت اللجنة البارالمبية الدولية للألعاب إلى معاقبة ماليزيا على هذا الموقف عبر التلويح بسحب البطولة التي كان مقررًا لها أن تقام بولاية "ساراواك" شرق البلاد في الفترة بين 29 من يوليو و4 من أغسطس 2019.

اللجنة في بيان لها أمس الأحد قالت إن وزارة الداخلية الماليزية خالفت البروتوكولات المتعلقة بالنشيد والأعلام والتأشيرات المطلوبة، ولم تمنح السباحين الإسرائيليين الضمانات الكافية لمشاركتهم في البطولة بأمن ودون تمييز، ومن ثم فإنها "لا تجد بدًا من البحث عن مستضيف بديل للدولة التي تستبعد رياضيين بسبب قضايا سياسية".

لا تراجع

ردًا على قرار اللجنة أكد وزير الرياضة الماليزي سيد صادق عبد الرحمن تمسك بلاده بموقفها وأنه لا تراجع ولا مجال لتقديم تنازلات مهما كانت الضغوط، معلقًا على هذا القرار بقوله: "إذا كانت استضافة حدث رياضي أهم من الوقوف إلى جانب إخواننا الفلسطينيين الذين يُقتلون وتبتر أعضاؤهم ويعذبون من الاحتلال الإسرائيلي فإن ذلك يعني أننا فقدنا البوصلة الأخلاقية"، حسبما نقلت وكالة الأنباء الماليزية الحكومية.

وأضاف أن قرار اللجنة لن يغير موقف بلاده، مضيفًا: "ماليزيا تتمسك بقرارها باسم الإنسانية وفلسطين"، وتابع "إن كانت استضافة فعالية رياضية دولية أكثر أهمية من دعم أشقائنا الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي نظام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن ماليزيا تكون قد خسرت ضميرها".

الحكومة ثابتة على موقفها من هذه القضية احتجاجًا على استمرار قمع "إسرائيل" الشعب الفلسطيني

عبد الرحمن أوضح أن بلاده لم تقع في خطأ أخلاقي بمنع مشاركة سباحين إسرائيليين في البطولة، وردًا على انتقاد اللجنة الدولية للألعاب البارلمبية، قال: "نود أن نذكّر اللجنة أنه حتى منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان ذكرا أن حكومة نتنياهو ترتكب جريمة حرب بحق الفلسطينيين"، منوهًا أن ماليزيا تضع حقوق الإنسان في أولوياتها.

الحكومة الماليزية ربطت بين حرمان الإسرائيليين من اللعب على أراضيها وقمع "إسرائيل" حقوق الفلسطينيين لا سيما الرياضيين منهم ومنعهم من اللعب في المكان والزمان الذي يريدونه، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء مهاتير محمد الذي وصف الكيان الصهيوني بالدولة "المجرمة".

وكان نائب وزير الشباب والرياضة الماليزي قال في تصريحات له الأربعاء الماضي إن موقف بلاده يرجع إلى سياستها الخارجية الواضحة تجاه تل أبيب، مشددًا على أن "الحكومة ثابتة على موقفها من هذه القضية احتجاجًا على استمرار قمع "إسرائيل" للشعب الفلسطيني".

منع إصدار تأشيرات دخول للفريق الإسرائيلي

ليست المرة الأولى

رفض ماليزيا منح تأشيرات لرياضيين إسرائيليين ليس المرة الأولى من نوعها، وهو ما وضعها في موقف حرج أمام الاتحادات الدولية التي تجد نفسها مضطرة إما لسحب إقامة البطولات منها أو فرض عقوبات عليها كالحرمان من المشاركة في بطولات دولية أخرى.

ففي 2016 ألغى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اتفاقًا كان قد أبرمه مع كولالمبور في 2013 بشأن استضافتها مؤتمرًا دوليًا له عام 2017 على خلفية شكوى تقدم بها الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بسبب عوائق فرضتها السلطات الماليزية أمام الإسرائيليين للحصول على تأشيرات دخول.

الشكوى التي تقدم بها الاتحاد الصهيوني تضمنت اتهامات للحكومة الماليزية بعرقلة إصدار التأشيرات ومنع رفع العلم الإسرائيلي خلال المؤتمرات الدولية، وهو ما برره نائب رئيس الوزراء الماليزي حينها أحمد زاهد حميدي بأن "استضافة الوفد الإسرائيلي سيجرح مشاعر شعبنا المتعاطف مع القضية الفلسطينية".

وفي 2015 اضطر منتخب الشباب الإسرائيلي للتزلج الشراعي، للانسحاب من المنافسات الدولية للعبة، التي نظمت في ماليزيا، في ديسمبر من نفس العام، بسبب عدم منحهم تأشيرات دخول، ورغم السجال الدائر حينها بشأن التوصل إلى اتفاق يسمح بتمثيل فريق دولة الاحتلال، فإن السلطات الماليزية أصرت على التمسك بموقفها ما دفع السلطات الصهيوينة إلى سحب منتخبها.

"إذا كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، تتفهم قيام "إسرائيل" بهذا النوع من الهجمات، فلماذا تنكر على الفلسطينيين قيامهم بحماية أنفسهم بأسلحة محلية بسيطة" مهاتير محمد مدافعًا عن المقاومة الفلسطينية

رفض التطبيع

رغم مرور العلاقات بين ماليزيا و"إسرائيل" بالكثير من موجات المد والجذر غير أن السمة الأبرز لها هو التوتر والعداء الواضح، وتعد فلسطين وقضيتها كلمة السر في تحديد بوصلة تلك العلاقة، فمنذ استقلال الدولة الماليزية الحديثة عام 1957 رفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني بضغط من المعارضة الإسلامية والدول العربية آنذاك.

ومع مرور الوقت أبقت الحكومات المتعاقبة على مستوى متدن من العلاقات مع تل أبيب، وإن شهد مرونة في بعض الوقت سمحت بالتواصل المباشر لكل من دايفيد بن غوريون وغولدا مائير مع عدد من القادة الماليزيين الأوائل بالإضافة لمستوى ضئيل من التبادل التجاري.

تميزت الفترات التي تولى فيها مهاتير محمد رئاسة الحكومة في ماليزيا بالتوتر الشديد في العلاقات مع الكيان الصهيوني، فمنذ وصوله للسلطة أول مرة في 1981 شنت اللوبيات الصهونية في العالم حملات إعلامية ضده وتتهمه بالمعاداة للسامية والخطاب العنصري ضد اليهود.

حملت تصريحاته ضد تل أبيب هجومًا وانتقادات حادة، حيث وصفها أكثر من مرة بـ"الدولة الإرهابية" وأنها "أكثر دولة ينعدم فيها القانون على الإطلاق في التاريخ، حيث تجاوزت كل القوانين الدولية، ونفذت عمليات اغتيال، وشنت هجومًا عسكريًا على سفن الإغاثة في المياه الدولية، وفرضت الحصار على شعب أعزل".

كما كان أحد أكثر المدافعين عن المقاومة الفلسطينية، ففي تعليقه على إحدى الهجمات التي شنتها قوات الاحتلال ضد غزة في 2012 قال: "إذا كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، تتفهم قيام "إسرائيل" بهذا النوع من الهجمات، فلماذا تنكر على الفلسطينيين قيامهم بحماية أنفسهم بأسلحة محلية بسيطة".

وبعد غيابه عن المشهد شهدت العلاقات بين بلاده ودولة الاحتلال مرونة نسبية في بعض المواقف، لا سيما في ولاية نجيب عبد الرزاق رئيس الحكومة الأسبق، تجسدت في زيارة هي الأولى من نوعها لوفد إسرائيلي لماليزيا وذلك في فبراير 2018 وذلك في إطار مؤتمر الأمم المتحدة "هابيتات" الذي يعقد بالعاصمة كوالالمبور.

وترأس الوفد الإسرائيلي وقتها دافيد روت، نائب مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة سابقًا) الذي علق على هذه الزيارة بقوله: "هذه أول مرة منذ 50 عامًا يشارك فيها دبلوماسي إسرائيلي في ماليزيا"، مضيفًا أن ماليزيا ليست عدوًا لـ"إسرائيل"، لكنها لا تستعجل إقامة علاقات دبلوماسية معها".

مع وصول مهاتير للسلطة مرة أخرى منتصف العام الماضي، يبدو أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه، حيث الرفض الكامل للتطبيع مع الكيان المحتل لحين تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني، ولعل الخطوة الأخيرة التي اتخذها تأتي في إطار استعادة كولالمبور لسياستها الخارجية التقليدية التي تعتبر "إسرائيل" دولة محتلة ومخادعة لا يجب فتح أي قنوات اتصال معها.

دعم ماليزي كبير للقضية الفلسطينية

فلسطين.. كلمة السر

يعود تاريخ العلاقات بين فلسطين وماليزيا إلى العام 1981، حينما منحت الأخيرة منظمة التحرير تمثيلاً دبلوماسيًا كاملاً، وفي العام 1989 تمت ترقية الوضع الدبلوماسي لمنظمة التحرير مرة أخرى لتصبح مماثلة لأي بعثة دبلوماسية دولية في كوالالمبور، كما سعت الأخيرة عبر جهودها لدعم القضية الفلسطينية من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي والمنصات الأممية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين تؤمن ماليزيا بالحقوق الفلسطينية في إقامة دولة على حدود 1967.

وفي الوقت ذاته تحتضن ماليزيا نحو 5 آلاف فلسطيني، منهم ألف طالب جامعي يدرسون في الجامعات الماليزية لدرجات البكالوريوس والدراسات العليا، ضمن منح دراسية مجانية تمنحها الحكومة والجامعات الوطنية للطلبة الفلسطينيين.

الخطوة الماليزية الأخيرة حظيت بمباركة وتأييد من كل من حركتي فتح وحماس، فعلق مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الخارجية، نبيل شعث بقوله: "قدّرنا الموقف الماليزي الشجاع برفض استضافة الرياضيين الإسرائيليين في البطولة الدولية للسباحة، وكنا نأمل أن تخطو الدول العربية للموقف ذاته في منع الناشطين الإسرائيليين من دخول أراضيها تحت أي سبب كان، إلى حين التواصل لاتفاق سلام عادل ينهي حالة الصراع".

نجح مهاتير محمد في تدشين إستراتيجية جديدة في سياسة بلاده الخارجية تعتمد على تنويع وتوسعة خريطة علاقاتها الخارجية لا سيما مع الكيانات الاقتصادية الكبرى

كما أجرى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية اتصالاً هاتفيًا مع رئيس الوزراء الماليزي، مقدّرًا موقف بلاده، في حين اعتبر مسؤول ملف العلاقات الخارجية في الحركة، باسم نعيم، أن "ما تظهره ماليزيا من مواقف شجاعة تجاه الفلسطينيين، يمكن البناء عليه في بناء إستراتيجية وطنية على المستوى العربي والإسلامي لمواجهة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي".

ورغم أن قرار السلطات الماليزية برفض دخول إسرائيليين أراضيها ليس الأول من نوعه في هذا المضمار على وجه الخصوص فإنه من المتوقع أن يكون له تبعات على مختلف المجالات، فاللوبيات الصهيونية في أمريكا وأوروبا وغيرها من مختلف دول العالم لن تقف مكتوفة الأيدي حيال هذه الصفعة الجديدة على وجه التطبيع ومن ثم من المرجح أن يكون هناك رد فعل.

وفي المقابل نجح مهاتير محمد في تدشين إستراتيجية جديدة في سياسة بلاده الخارجية تعتمد على تنويع وتوسعة خريطة علاقاتها الخارجية لا سيما مع الكيانات الاقتصادية الكبرى على رأسها الصين والهند في محاولة لإنهاء سياسة القطب الأوحد التي تعتمد عليها أمريكا في معاقبة المغردين خارج السرب والمناوئين لحيلفتها الأولى في العالم.

وفي المجمل تسطر ماليزيا موقفًا جديدًا يضاف إلى سجلها الخالد الداعم للقضية الفلسطينية ويتناغم مع الموقف الرسمي المعهود لكولالمبور تجاه الانتهاكات الممارسة من الدولة الصهيونية، وبصرف النظر عن الثمن المحتمل دفعه جراء تلك السياسة إلا أن التمسك بـ"البوصلة الأخلاقية" يبدو أنه القرار النهائي لحكومة مهاتير محمد.