قبل أيام قلائل أنهى مجلس النواب العراقي فصله التشريعي الأول، بعدما مرر بشق الأنفس الموازنة المالية الاتحادية لعام 2019، ولم يفلح في إكمال التصويت على الكابينة الوزارية، ولم يشرع أي قانون، ولم يحسم أمر رئاسة لجانه الـ22، هذه الصورة المرتبكة والمضطربة والقلقة لمجلس النواب العراقي، وهو يطوي فصله التشريعي الأول، بعثت بإشارات سلبية كثيرة عن المشهد السياسي العام في البلاد خلال المرحلة - أو المراحل - المقبلة.

وبما أن نظام الحكم في العراق برلماني، والبرلمان يمثل في الإطار العام محور ودينامو العملية السياسية بمختلف مفاصلها ومستوياتها ومساراتها، فمن الطبيعي أن ينظر إلى إدائه بقدر غير قليل من الاهتمام، لا سيما من الأوساط والمحافل الشعبية ووسائل الإعلام والجهات المعنية بالرقابة والمتابعة والتقييم، ومتى كان أداء البرلمان إيجابيًا، فإن أجواء من التفاؤل ستسود المشهد العام والعكس هو الصحيح.

حينما تخفق المؤسسة التشريعية في تشريع قانون واحد، عدا قانون الموازنة الاتحادية على امتداد فصل تشريعي كامل، فهذا يعني أن هناك مشكلة وأزمة عميقة تتطلب علاجًا حقيقيًا

اليوم وبعد مرور أكثر من أربعة شهور على انطلاق الدورة البرلمانية الرابعة (3 من سبتمبر/أيلول 2018)، لا يمكن بأي حال من الأحوال، القول إن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، لأنها لو كانت كذلك، لما ساد وطغى الارتباك والاضطراب واستفحل الخلاف والتقاطع بين الفرقاء.

فحينما تخفق المؤسسة التشريعية في تشريع قانون واحد، عدا قانون الموازنة الاتحادية على امتداد فصل تشريعي كامل، فهذا يعني أن هناك مشكلة وأزمة عميقة تتطلب علاجًا حقيقيًا، وتتجلى تلك المشكلة - الأزمة -بصورة أوضح حينما تنتقل وتمتد انسدادات التوافق وإبقاء الأمور معلقة والنهايات سائبة من رئاسة البرلمان إلى رئاسات اللجان البرلمانية، لنشهد مصطلح "رئيس السن" في اللجان بعد أن كان منحصرًا على رئاسة البرلمان لفترة زمنية لا تطول كثيرًا.

وتتجلى المشكلة أيضًا من خلال الفشل في التوافق على مرشحي عدد من الوزارات المهمة، إلى الحد الذي يصل فيه الكثيرون إلى قناعة بأن ذلك الفشل سوف يتواصل ولا بد من القبول بالأمر الواقع، كما حصل في مراحل سابقة، ببقاء بعض الوزارات تدار بالوكالة لعدة أعوام من رئيس الوزراء أو وزراء آخرين.

وبما أن حجم المشاكل الاقتصادية والحياتية كبير جدًا، ومستوى توقعات وطموحات الناس كبير جدًا، فمن المفترض أن يأتي حجم الإنجاز متناسبًا مع حجم المشاكل ومستوى التوقعات والطموحات، وإذا لم يكن كذلك، فحينذاك تكون الحاجة ماسة لإعادة النظر والمراجعة الموضوعية الجادة، من أجل التصحيح لا في سبيل التضعيف.

المفارقة الملفتة تتمثل في أنه حتى ما أقره البرلمان، ألا وهو مشروع قانون الموازنة، قوبل بانتقادات حادة ولاذعة من عدد لايستهان به من البرلمانيين

ولا يبالغ من يعتبر الأداء البرلماني الحاليّ هو الأسوأ من سابقيه، ارتباطًا بالمعطيات والحقائق والوقائع القائمة، وهذا ما يتحدث به نواب حاليّون وليسوا سابقين، ناهيك عن الكثير من المراقبين والمتابعين والمواطنين من فئات وشرائح اجتماعية مختلفة.

والمفارقة الملفتة تتمثل في أنه حتى ما أقره البرلمان، ألا وهو مشروع قانون الموازنة، قوبل بانتقادات حادة ولاذعة من عدد لا يستهان به من البرلمانيين، حتى راح البعض يتساءل قائلاً: "إذا كانت كل هذه الانتقادات لقانون الموازنة تصدر من أعضاء البرلمان أنفسهم، فمن الذي صوت عليه إذًا؟".

فهناك من يصف موازنة 2019 بأنها موازنة الترضيات والمساومات، وهناك من يصفها بموازنة الأحزاب، وهناك من يعتبرها الأسوأ منذ عام 2003، وآخرون يقولون إنها موازنة القروض، وقد يكون كل ذلك صحيحًا وإن كان مبالغًا فيه نوعًا ما، بيد أنه في نهاية المطاف يعكس بعضًا من مظاهر التخبط والتناقض وغياب الرؤى الواضحة والسليمة، وإلا لم تم تمريرها، ولم كل تلك الاعتراضات والانتقادات والتحفظات عليها؟

وللأسف تكتمل الصورة السلبية، ويرتفع منحى الإحباط في الشارع العراقي، وهو يراقب الصراعات المحتدمة في أغلب الحكومات المحلية بين عدد من القوى الحزبية بشأن المناصب العليا، ولا شك أن أي مواطن عراقي يدرك تمام الإدراك أن لا موقع له في معادلات تلك الصراعات، لأنها أيًا كانت نتائجها لن تأتي له بشيء جديد ملموس على أرض الواقع، يمكن أن ينتشله من المشاكل والأزمات الغارق فيها من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.

  في خضم أجواء سياسية متشنجة يسودها التصادم والتقاطع والتدافع، تغدو عملية تفكيك ومكافحة منظومات الفساد الإداري والمالي التي أطلقها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، أكثر صعوبة وأشد تعقيدًا

ولا تخرج صراعات الأحزاب في المحافظات، عن مجمل التجاذبات والمناكفات السياسية داخل أروقة مجلس النواب، وفي كواليس التحالفات والائتلافات السياسية البرلمانية الكبيرة، كتحالف البناء وتحالف الإصلاح، والتحالفات الأخرى في الفضائين السني والكردي.

وكل ذلك لا بد أن يلقي بظلاله على عمل الأجهزة التنفيذية بمستوياتها واختصاصاتها كافة، بدءًا من الحكومة الاتحادية، مرورًا بالحكومات المحلية والهيئات "المستقلة"، وانتهاءً بشتى المفاصل والمؤسسات الخدمية.

وفي خضم أجواء سياسية متشنجة يسودها التصادم والتقاطع والتدافع، تغدو عملية تفكيك ومكافحة منظومات الفساد الإداري والمالي التي أطلقها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، من خلال تشكيله المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، أكثر صعوبة وأشد تعقيدًا، فضلاً عن ذلك يمكن أن تتسبب تلك الأجواء المتشنجة والمضطربة في تراجع أداء الوزراء الذين يمثلون بشكل أو بآخر عناوين سياسية وحزبية معينة، من الطبيعي أن تكون لها مصالحها وأجنداتها وأولوياتها الخاصة، وبالتالي فإن فرص وإمكانات إحداث ثورة إصلاح حقيقية في ظروف شائكة من هذا القبيل، تبدو ضئيلة جدًا، مهما كان الشخص التنفيذي الأول حازمًا وشجاعًا وجريئًا وجادًا ومخلصًا وصادقًا.