ترجمة وتحرير: نون بوست

تتدفق أعداد كبيرة من اليد العمالة الأجنبية إلى الإمارات العربية المتحدة، ما يجعل قادة البلاد يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن، لا سيما فيما يتعلق بكيفية جذب عدد كاف من العمال من الخارج والمحافظة عليهم للإبقاء على النمو الاقتصادي للبلاد دون استبعاد المواطنين الإماراتيين. وفي الوقت الذي تسعى فيه أبو ظبي إلى تعزيز سوق العمل، وضعت البلاد مجموعة من الخطط لتحفيز السوق. كما وضعت برنامج إصلاحات فيما يتعلق بالحصول على التأشيرة، فضلا عن تغيير قانون الأعمال خلال السنة الماضية.

لكن، من الواضح أن هذه الحلول قد تزعج المواطنين الإماراتيين، الذين يرون في المغتربين المقيمين في الإمارات منذ فترة طويلة خطرا يهدد نمط حياتهم ومكانتهم الاجتماعية المرموقة. في الأثناء، يفسح عدم ارتياح الإماراتيين المجال أمام تحول تاريخي في النظام السياسي المستقر في البلاد.

ماذا وراء تراجع سوق العمل؟

لعقود من الزمن، شكل الأجانب المغتربون 80 بالمائة تقريبا من سكان الإمارات، وهو ما يرجع إلى عدد السكان الأصليين والاقتصاد القوي للبلاد (تماما مثل العديد من الدول الأخرى في الخليج العربي). ويفرض هذا الواقع وجود سوق عمل أكبر وأكثر تخصصًا مقارنة بما يمكن للأقلية الإماراتية توفيره.

إن انتعاشة الاقتصاد العالمي تعني أن معظم العمال بات بإمكانهم العثور على وظائف جيدة في بلدانهم، فضلا عن أن الاقتصاد أصبح قويا.

خلال فترة زمنية معينة، توافد المُغتربون، الذين استوفوا الشروط على غرار إتقان اللغة الإنجليزية وامتلاك شهادات من جامعات مرموقة، على الإمارات العربية المتحدة بمحض إرادتهم. وقد بدأت حركة الهجرة هذه بشكل خاص خلال الأزمة المالية العالمية التي حدثت بين سنة 2008 و2009، إذ توافد العمال ذوي المهارات العالية الذين كانوا يلتمسون اللجوء، إلى دبي (حيث تتوفر حوالي نصف فرص العمل في البلاد) هربا من بلدانهم التي كان اقتصادها هشّاً. لكن العوامل التي ساعدت في دفع العديد من المغتربين إلى هذا البلد، اضمحلت إلى حد كبير، فلم تعد الإمارات تجذب اليد العاملة الأجنبية.

نمو كبير

ساعدت اليد العاملة الأجنبية في ازدهار النمو العمراني بشكل كبير في دبي، فقطاعات البناء والعقارات باتت تعتمد بشكل خاص على العمال المهاجرين

إن انتعاشة الاقتصاد العالمي تعني أن معظم العمال بات بإمكانهم العثور على وظائف جيدة في بلدانهم، فضلا عن أن الاقتصاد أصبح قويا. كما أثّرت الأحداث السياسية الأخيرة على سمعة الإمارات العربية المتحدة التي كانت تُعرف فيما مضى بكونها بلدا هادئا وآمنا. ففي أعقاب الربيع العربي وفرض الحصار على قطر والصراع المتزايد بين دول الخليج العربية وإيران، تم اعتقال العديد من المغتربين والسكان المحليين في الإمارات.

لكن التحول في الاقتصاد الإماراتي قد يكون السبب الرئيسي وراء عدم رغبة الأجانب في البحث عن عمل هناك. ويشمل ذلك أيضا القرار الأخير الذي تم اتخاذه في شهر كانون الثاني/ يناير سنة 2019 حول الضرائب على القيمة المضافة، بالإضافة إلى زيادة رسوم الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة وخفض الرواتب. وكل ما ذُكر آنفا أثّر على رواتب العمال الأجانب، الذين أغرتهم وعود البلاد التي تهدف إلى خفض الأسعار وزيادة الدخل.

موجة الإصلاحات الأخيرة

مع تراجع أعداد اليد العاملة الأجنبية، أظهر سوق العمل بوادر تباطؤ، مع ظهور مؤشرات على ركود أسعار سوق التجزئة، وانخفاض في مؤشر أرباب العمل المتعاقدين، فضلا عن التراجع الذي شهده نمو القطاع الخاص والإنفاق الاستهلاكي على حد سواء. لكن أبو ظبي لديها أدوات أقل لمساعدتها في معالجة المشاكل الاقتصادية التي تبقي العمال الأجانب بعيدا. وفي حين أنها لا ترغب في إلغاء الضرائب والرسوم على القيمة المضافة، إلا أنها لا تستطيع أيضا وقف ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية اليومية بالتزامن مع نمو الاقتصاد.

عوضا عن ذلك، ركزت الحكومة على معالجة الحواجز اللوجيستية التي تقف أمام عملية التوظيف، التي أصبحت ممكنة التحقق من خلال إدخال العديد من الإصلاحات على سوق العمل على مدار السنة الماضية. وفي الآونة الأخيرة، قدمت الإمارات تأشيرات لمدة 10 سنوات، وهي أطول مدة إقامة في تاريخ البلاد، علما وأن الحكومة بدأت في إصدارها في شهر كانون الثاني/ يناير سنة 2019.

سيعتبر المواطنون الأصليون للإمارات، الذين تمتعوا بنوع من الرفاهية الاجتماعية السخية بفضل اقتصاد البلاد القوي الذي شهد انتعاشا منذ استقلال البلاد سنة 1971، هذه الإصلاحات تهديداً ديمغرافيا واقتصاديًا محتملاً للمستوى الاجتماعي العالي الذي يعيشون في ظله

خلال سنة 2018، غيرت الحكومة قواعدها من أجل السماح للمتقاعدين الذين تجاوزوا سن 55، والذين لديهم ما يكفي من الأصول للبقاء في البلاد (في حين كان المغتربون الأكبر سناً في السابق بحاجة إلى استثناءات خاصة). كما مددت الحكومة فترة بقاء الطلاب الذين تخرجوا من الجامعات من أجل العثور على عمل لمدة سنة. علاوة على ذلك، تسمح البلاد الآن للعمال الأجانب بتغيير وظائفهم دون الحاجة إلى مغادرة الإمارات العربية المتحدة، وهي فرصة للمغتربين الذين وجدوا أن عملية تغيير الوظائف مرهقة.

رد فعل عكسي قصير المدى

من الناحية النظرية، سيكون للعمال الأجانب الذين أصبحوا عاطلين عن العمل بعد بضع سنوات فقط الآن فرصة أكبر للبقاء في الإمارات العربية المتحدة، لا سيما بالنسبة للقادمين من الدول الفقيرة مثل الهند وباكستان ومناطق أخرى من العالم العربي والفلبين، الذين يمثلون غالبية سكان البلاد الأطول بقاء فيها. مع ذلك، يشكل ما سبق مخاطرة بخرق العقد الاجتماعي للحكومة مع مجتمعها المحلي، الذي اعتمد جزئياً على المغتربين المقيمين في البلاد لفترة قصيرة فقط.

سيعتبر المواطنون الأصليون للإمارات، الذين تمتعوا بنوع من الرفاهية الاجتماعية السخية بفضل اقتصاد البلاد القوي الذي شهد انتعاشا منذ استقلال البلاد سنة 1971، هذه الإصلاحات تهديداً ديمغرافيا واقتصاديًا محتملاً للمستوى الاجتماعي العالي الذي يعيشون في ظله. وعلى وجه الخصوص، أعرب سكان الإمارات الشمالية، الذين يُعتبرون أقل ثراء مقارنة بنظرائهم في الجنوب، عن قلقهم إزاء النظام الحالي الذي يفتح المجال أمام العمال الأجانب "لسلبهم" وظائفهم. ويعني ذلك أنه كلما زادت الإصلاحات التي تتعلق بالحصول على التأشيرة، والتي جعلت بموجبها المغتربين يبدون وكأنهم مقيمون دائمون، زاد ضغط المواطنين الإماراتيين على حكومتهم.

على المدى القصير، من المرجح أن يؤدي رد الفعل العكسي هذا إلى دراسة حكومة الإمارات العربية المتحدة لإمكانية التراجع عن هذه الإصلاحات أو تعديلها، ما سيخلق حالة من الشك وانعدام اليقين إزاء التغييرات التي سيستمر تطبيقها وتلك التي سيتم الاستغناء عنها. فضلا عن ذلك، يمكن أن يعزز رد الفعل هذا الضغط على الحكومة لزيادة دعمها الاقتصادي والامتيازات الثقافية، على غرار المنح المالية أو تأميم بعض فئات الوظائف، لضمان الحفاظ على الوضع الاجتماعي للمواطنين الإماراتيين. من جهتها، اتخذت المملكة العربية السعودية تدابير مماثلة كجزء من نظام اصلاحاتها الخاصة في ظل "رؤية 2030" التي تهدف لإعادة الهيكلة الاقتصادية للبلاد.

قد تبدأ إمارة أبو ظبي في تطبيق تدابير من شأنها قمع التعبير عن الثقافات الأجنبية، من قبيل تقليص التسامح فيما يتعلق بمسألة حصول المغتربين على إجازات في المناسبات الدينية مثل أعياد الميلاد، وفرض رقابة صارمة على الملابس والسلوك في الأماكن العامة، وفرض معايير مشددة على اللغة والثقافة الإماراتية في المدارس الخاصة.

المخاطر السياسية طويلة المدى

مثل هذه الحلول التوافقية قصيرة المدى لن تجدي نفعا لنزع فتيل التوترات المتزايدة بين المغتربين والسكان المحليين للإمارات، ما يفتح المجال أمام اتساع نطاق التداعيات السياسية وطول أمدها. وبغض النظر عما إذا كان سيستمر بقاء المغتربين في البلاد في نهاية الأمر، فإن مجرد التهديد بوجود المزيد من السكان الأجانب الدائمين سيعمل على تعميق الانقسامات أكثر بين إماراتيْ أبو ظبي ودبي الجنوبية الغنية، والخمس إمارات الشمالية الفقيرة.

من المحتمل أن يؤثر هذا بدوره على وظائف المجلس الوطني الاتحادي، وهي السلطة التشريعية في البلاد التي تم انتخابها جزئياً إلا أن صلاحياتها لا زالت استشارية إلى حد كبير، كما أنها المؤسسة الاتحادية الوحيدة التي تتضمن تمثيلا لوجهات نظر سكان الإمارات الشمالية الخمس. ومع تزايد ضغوط السكان الأصليين داخل الإمارات، يمكن لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي أن يطالبوا بمزيد من الرقابة، ليس على القوانين أو العمليات المتعلقة بالتأشيرات فحسب، وإنما على قوانين وقضايا أخرى لا علاقة لها بإصلاح سوق العمل أيضا. ومن شأن ذلك أن يجعل المجلس الوطني الاتحادي يتمتع بسلطة اتحادية حقيقية، ما يشكل تحديا دائما للنظام السياسي الحالي للبلاد، الذي أعطى هامشا كبيرا من الحرية لحكام دبي وأبو ظبي فيما يتعلق بالقرارات الوطنية لفترة طويلة.

قد يؤدي تزايد الخلاف بين الشمال والجنوب إلى تقويض انتقال السلطة السلس في البلاد. من المقرر أن يتولى ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، منصب الخليفة خلفا لشقيقه الأكبر خليفة بن زايد آل نهيان بعد وفاته. مع ذلك، ينبغي على جميع حكام الإمارات السبع أن يوافقوا أولا على هذه الخلافة، ما يمنح الإمارات الشمالية الفقيرة إمكانية التأثير على سلاسة انتقال السلطة ونتائجه، على الرغم من أن هذا الأمر مستبعد.

يتعين على البلاد أن تخلق توازنا بين إرادة مواطنيها وتأمين مكانتها في اقتصاد معولم، وهي معضلة تواجهها العديد من البلدان في الوقت الذي تكتسب فيه الحركات القومية زخما في جميع أنحاء العالم

في المقابل، تعتبر قوات الأمن الإماراتية قادرة على إخماد المعارضة الداخلية، لكن تظل مدة ومدى استمرار هذه العملية مجهولة. مع ذلك، تولّد التوترات بين الشمال والجنوب حول العمال المغتربين قدراً من عدم اليقين ويمكن أن تجعل مستقبل الاستقرار السياسي للبلاد محل تساؤل وتشكيك. وبغض النظر عن اعتراض الإماراتيين على الإصلاحات المتعلقة بسوق العمل في أبو ظبي، فلا مفر من حقيقة أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعتمد على اليد العاملة المغتربة للحفاظ على استقرارها الاقتصادي، وهو ما من المرجح أن يستمر دائما.

من هذا المنطلق، يتعين على البلاد أن تخلق توازنا بين إرادة مواطنيها وتأمين مكانتها في اقتصاد معولم، وهي معضلة تواجهها العديد من البلدان في الوقت الذي تكتسب فيه الحركات القومية زخما في جميع أنحاء العالم. ولكن فيما يتعلق بالإمارات العربية المتحدة، من شأن هذه المحنة أن تغير الوضع السياسي الراهن للبلاد، ما يشكل خطرا محتملا على سمعتها كبلد مسالم يمكن العيش فيه والقيام بأعمال تجارية. وفي حال حدوث ذلك، فسيُلقي بظلاله أيضا على تغيير استراتيجية البلاد الإقليمية في بلدان مثل اليمن وقطر وإيران، عن طريق تقويض سلطة أبو ظبي الحالية على السياسة الخارجية.

المصدر: ستراتفور