في تكرار للخطأ الذي وقع فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشارة الأمريكية أنغيلا ميركل قبل ذلك، استفز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاعر المسلمين عبر تغريدة له على حسابه الرسمي على "تويتر" تحدث فيها عن تعرض بلاده ومصر لما وصفه بـ"الإرهاب الإسلامي".

التغريدة التي نشرها ماكرون قبل يومين على هامش زيارته لمصر قال فيها: "تعرّضت مصر وفرنسا للإرهاب الإسلامي، وذكّرتُ الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن السعي الدؤوب إلى تحقيق الأمن هو جزء لا يتجزأ من مسألة احترام حقوق الإنسان، فالمجتمع المتماسك هو الحصن الواقي من الإرهاب الإسلامي".

ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الرئيس الفرنسي هذا المفهوم خلال زيارته لمصر، ففي المؤتمر الصحفي الذي وصف بـ"الدراماتيكي" مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بقصر الاتحادية، تلفظ به مرتين، حين تحدث عن أن الدولتين معنيتان بالأوضاع في سوريا ومحاربة هذا النوع من الإرهاب مثمنًا الجهود المصرية في مكافحته على حد قوله.

دبلوماسية ماكرون والإسلام

في الـ29 من أغسطس 2017 قال ماكرون في أول خطاب له في السياسة الدولية أمام سفراء فرنسا: "مكافحة الإرهاب الإسلامي تتصدر أولويَّات سياستنا الخارجية.. نعم أنا أتكلم بالتحديد عن إرهاب إسلامي، وأنا أتحمَّل تمامًا مسؤولية استخدام هذا التعبير"، وتابع "ضمان أمن مواطنينا يجعل من مكافحة الإرهاب الإسلامي أولى أولوياتنا".

أثارت تلك التصريحات حينها حالة من الجدل داخل الشارع الفرنسي، إذ ذهبت إلى أن الخطاب السياسي الفرنسي في عهد ماركون سيشهد أحد السيناريوهين: إما تميّزه عن الخطاب الغربي العام الذي ظلَّ في كل حوادث الإرهاب التي شهدها العالم يفصل بين الدين الإسلامي والأعمال الإرهابية، بما في ذلك خطاب ماكرون في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، وإما أن الرئيس الفرنسي يمهّد لتغير الخطاب الأوروبي العام لجهة توصيف الإرهاب الذي تقوم به الجماعات الإرهابية المسلمة، واعتباره نتاج دين يُنظّر لذلك ويدعو إليه، انطلاقًا من ميراث ديني قديم رسَّخته مبررات الحروب الصليبية.

تشديد ماكرون على استخدام مصطلح الإرهاب الإسلامي خلال زيارته لمصر أرجعه البعض إلى عدة أسباب، على رأسها محاولة إلهاء الرأي العام الفرنسي المشتعل ضده بقضية الأمن، ومحاولة تصدير فزاعة التطرف والإرهاب في محاولة لغض الطرف عن مطالب السترات الصفراء التي تنادي بتنحيته

خالف ماكرون بموقفه هذا سابقيه من رؤساء العالم وهو ما دفع البعض للقلق بشأن استحداث وضع لم تشهده الساحة الدولية حتى في مرحلة الشك والارتباك واهتزاز العلاقة بين المسلمين والغرب، أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فهذا المصطلح الذي اعتاد استخدامه يتجاوز في مضمونه العمل الدموي للجماعات المصنفة إرهابية إلى منظومة الفكر والأيديولوجيا العقدية ما يعني الانتقال إلى مرحلة النصوص الدينية ذاتها، وهي ميدان يعد الاقتراب منه لعبًا بالنار لدى الكثير من المنتسبين للإسلام.

ومع مرور الوقت بدأ الرئيس الفرنسي في إعادة النظر برؤيته وتقييمه لمفهوم الإسلام وهو ما تجسد في عدد من التصريحات التي عبر خلالها عن تفهمه لوسطية الإسلام وأن الأعمال الإجرامية التي يقوم بها بعض المنتسبين للإسلام ليس شرطًا أن تمثل الدين الإسلامي برمته، كما أن المتطرفين من أصول مسيحية لا يشترط أن تكون الديانة هي المتهم الرئيسي وراء العمليات التي يقومون بها ضد المسلمين وغير المسلمين.

لكن يبقى السؤال: لماذا تراجع ماكرون عن موقفه مرة أخرى ليعيد استخدام هذا المفهوم ثلاث مرات، مرتين خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع السيسي ومرة عبر تويتر، هذا في الوقت الذي التقى فيه شيخ الأزهر ورجال الدين في مصر؟

ماكرون وشيخ الأزهر 

لماذا الآن؟

تشديد ماكرون على استخدام مصطلح الإرهاب الإسلامي خلال زيارته لمصر أرجعها البعض إلى عدة أسباب، على رأسها محاولة إلهاء الرأي العام الفرنسي المشتعل ضدة بقضية الأمن، ومحاولة تصدير فزاعة التطرف والإرهاب في محاولة لغض الطرف عن مطالب السترات الصفراء التي تنادي بتنحيته، وعليه يسعى إلى استعادة شعبيته المفقودة مقارنة مع تلك التي كان يحظى بها خلال فوزه بالانتخابات الرئاسية مايو 2017.

لا شك أن قضية الأمن باتت تمثل هاجسًا قويًا للفرنسيين في السنوات الأخيرة لا سيما بعد وقوع العديد من الحوادث التي تم إلصاقها إلى منتسبين للإسلام من جماعات متطرفة، ورغم وقوع العديد من الجرائم الأخرى بأيدي غير مسلمين فإن التركيز الإعلامي والسياسي أنصب بشكل أكبر على تلك التي قام بها مسلمون.

الروائي الفرنسي المعروف ميشال ويلبيك حذّر في روايته الأخيرة "استسلام"، وأيضًا في كتبه السابقة من غزو إسلامي لأوروبا، وهذا "الغزو" سوف يضع بحسب رأيه، نهاية للحضارة الغربية

كما أن تزايد معدلات الهجرة واللاجئين بعد أحداث الربيع العربي وغيرها ساهمت بشكل كبير في تعميق الأزمة، وهو ما ساعد بصورة كبيرة في صعود تيار اليمين المتطرف الذي وجد في هذه الظاهرة أرضًا خصبة لنمو أفكاره وتحقيق العديد من المكاسب، وهو ما حدث بالفعل، ويكفي أن ممثلة لهذا التيار "مارين لوبان" وصلت إلى المرحلة النهائية في ماراثون الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة.

فكرة الحرب ضد الإرهاب الإسلامي التي يعزف على وترها الرئيس الفرنسي تسير على مسارات ثلاث: الأول يتعلق بالشق الأمني الداخلي وهو ما يتضح من خلال تزايد الحملات العنصرية ضد المسلمين وكتابة العبارات المسئية وتدنيس المساجد والتهديد بطرد العرب والمسلمين من البلاد، الثاني تعلق بالخارج وهو عسكري في المقام الأول كما هو الحال في العراق وليبيا وذلك بهدف تحقيق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية، أما الثالث فهو دبلوماسي كما الوضع في لبنان ومن بعدها سوريا.

الإسلاموفوبيا وحرب الأصوليات

من الواضح أن المستفيد الوحيد من تصنيف ماكرون للإرهاب وإلصاقه بالإسلام هي الجماعات المتطرفة التي من المتوقع أن توسع دائرة نفوذها داخل العالم الإسلامي حال استمرارية العزف على هذا الوتر كثيرًا، هذا بخلاف الباب الذي من الممكن فتحه نحو أتون حروب أصوليات قد يطول مداها، مستنهضة التاريخ الدموي بين أتباع الكتب السماوية في الماضي البعيد والقريب.

خلال الندوة التي عنون لها بـ"المسلمون في الغرب" التي نظمها "منتدى أصيلة" بالمغرب في دورته التاسعة والثلاثين يوليو 2017، تطرق المشاركون إلى الحديث عن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" التي أصيب بها مثقفون ومفكرون وفنانون غربيون وباتت ذريعة لتهجماتهم العنيفة والقاسية ضد الإسلام والمسلمين.

الندوة ألقت الضوء على بعض أدباء الغرب ممن وقعوا في مستنقع هذا المفهوم وهو ما جسدتها أعمالهم الأدبية، على رأسهم الروائي الفرنسي المعروف ميشال ويلبيك الذي حذّر في روايته الأخيرة "استسلام"، وأيضًا في كتبه السابقة من غزو إسلامي لأوروبا، وهذا "الغزو" سوف يضع بحسب رأيه، نهاية للحضارة الغربية.

آلان فينكيلكراوت مفكر فرنسي آخر حمّل المسؤولين السياسيين في بلاده مسؤولية ما أسماه "غزو المسلمين لأوروبا" قائلاَ إنه كان من الضروري أن يفرضوا برامج في المدارس والجامعات تحتم على المهاجرين التعرف على القيم الإنسانية التي تجعلهم قادرين على قبول فكرة الاندماج، والعيش مع الآخر واحترام ثقافته وتقاليده وديانته، فيما طالب المهاجرين المسلمين باحترام قوانين الضيافة، وبمراعاة التقاليد العريقة في المجتمعات الأوروبية لتفادي ما وصفه بـ"الفوضى الراهنة".

وفي المجمل وبعيدًا عن الأهداف المعلنة والخفية وراء تغريدة الرئيس الفرنسي التي جاءت بعد ساعات قليلة من تثمينه لدور مؤسسة الأزهر ووسطيتها إلا أنها زادت في الوقت نفسه من مخاوف المسلمين جراء ما تحمله الأيام القادمة بشأن إستراتيجية فرنسا في التعامل مع الجاليات الإسلامية، حتى وإن كان الدافع ورائها محاولة استعادة الشعبية المفقودة لماكرون.