التهديد الذي كان يطلقه رئيس الحكومة الإسرائيلية بينيامين نتنياهو، طوال الشهور الماضية بطرد بعثة المراقبين الدوليين من مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة ومنع عملهم، قد وجد طريقه ونُفذ فعليًا وباتت أكبر مدن الضفة خالية تمامًا من أي مراقبين بعد أن كانوا حراسها طوال 21 عامًا.

البعثة الدولية التي يبلغ عددها 80 مراقباً وتأسست عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994، حينما قتل المجرم، باروخ غولدشتاين تسعة وعشرين مصلياً فلسطينياً داخل الحرم، بمشاركة تركيا، والنرويج، والسويد، والدنمارك، وسويسرا، وإيطاليا، باتت لا تعمل وتركت خلفها مدينة بأكملها مكشوفة وعرضه لجرائم ليس جيش الاحتلال وحده بل قطعان المستوطنين اللذين يستحبون الدم الفلسطيني بحماية من الجيش.

ولم يكن قرار نتنياهو بوقف عمل البعثة الدولية، سوى إمعان في نية الاحتلال الاستمرار في الانتهاكات التي تمارس بحق الفلسطينيين في المدينة، وهو ما يوشك بخطورة الأوضاع في الأيام المقبلة.

سياسيون ومحللون، حذروا من خطورة هذه الخطوة على المدينة وسكانها، واعتبروا قرار نتنياهو بمثابة "ضوء أخضر للجيش الإسرائيلي والمستوطنين لاستباحة المدينة وتنفيذ جرائم بحق أهلها"

وفي وقت سابق وجه جلعاد أردان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، رسالة إلى نتنياهو حول المراقبين الدوليين في الخليل، يطالبه بإنهاء عمل المراقبين الدوليين، زاعمًا أن هؤلاء المراقبين يشكلون عائقاً على عمل قوات جيش الاحتلال في الخليل والمستوطنين داخل المدينة.

ضوء أخضر لجرائم جديدة

سياسيون ومحللون، حذروا من خطورة هذه الخطوة على المدينة وسكانها، واعتبروا قرار نتنياهو بمثابة "ضوء أخضر للجيش الإسرائيلي والمستوطنين لاستباحة المدينة وتنفيذ جرائم بحق أهلها، بعيدًا عن أعين العالم".

ويقول  قال النائب في المجلس التشريعي عن مدينة الخليل نايف الرجوب، إن "إنهاء مهام البعثة "مؤشر خطير على نية الاحتلال المبيتة للعدوان ضد مدينة الخليل"، مضيفًا "الاحتلال يستبيح الضفة الغربية وغزة وهو الآن يريد مواصلة جرائمه ضد مدينة الخليل بدون شاهد أو رقيب".

أصدر الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، بياناً عقب صدور القرار قال فيه:"إن عدم تجديد الحكومة الإسرائيلية لقوات التواجد الدولي في الخليل يعني تخليها عن تطبيق اتفاقيات وقعت برعاية دولية\"

وعلى رغم أن البعثة ليس لها تأثير، وفق الرجوب، لكنها أفضل ما يمكن أن يكون في ظل اعتداءات المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي المتكررة في الخليل، واصفًا الوضع في الخليل بـ"المأسوي"؛ فهي تقع تحت طائلة هجمات المستوطنين الإسرائيليين من جهة، ومن جهة ثانية تعد ملاذًا للفارين من العدالة كونها لا تخضع لسيادة السلطة الفلسطينية.

كما وقال رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة، إن "دولة الاحتلال منذ قيامها وهي تمارس جرائمها على الأرض ولا تريد شاهدا على جرائمها، لذلك تعمل على طرد وإنهاء عمل بعثة التواجد الدولي المؤقت في مدينة الخليل"، مطالبا المجتمع الدولي بضرورة التحرك العاجل لتوفير الحماية لشعبنا الذي يتعرض لانتهاكات يومية واعتداءات متواصلة من قبل الاحتلال ومستوطنيه.

وأضاف أبو سنينة، نحن في بلدية الخليل نرفض إنهاء عمل بعثة المراقبين الدوليين في الخليل، لان تواجد البعثة في المدينة جاء عبر اتفاقيات دولية وحصانة واجبة التنفيذ، وعلى جميع الأطراف الالتزام بها.

البعثة الدولية خلال عملها بالخليل

وقد علقت السلطة على وقف عمل البعثة الدولية، حيث أصدر الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، بياناً عقب صدور القرار قال فيه:"إن عدم تجديد الحكومة الإسرائيلية لقوات التواجد الدولي في الخليل يعني تخليها عن تطبيق اتفاقيات وقعت برعاية دولية، وتخليها عن الوفاء بالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقيات، وهو أمر مرفوض، ولن نقبل به إطلاقا".

وتابع أبو ردينة "نطالب الدول الراعية لتوقيع هذه الاتفاقية، بموقف واضح تجاه هذا الموقف الإسرائيلي الخطير، والعمل الفوري للضغط على الحكومة الإسرائيلية لمواصلة العمل على تطبيقها وفق ما تم الاتفاق عليه، وعدم التصرف مع "إسرائيل" كدولة فوق القانون".

ومن الجدير بالذكر، أن المهمة الرئيسية لبعثة التواجد الدولي المؤقت في الخليل هي أعمال المراقبة وكتابة التقارير عن الوضع في الخليل في المناطق الخاضعة لعمل البعثة في المدينة، وتنص الاتفاقية على أن بعثة التواجد الدولي تساعد في إعادة الحياة الطبيعية إلى مدينة الخليل، وبالتالي خلق الشعور بالأمن والأمان عند الفلسطينيين في المدينة.

الكاتب والمحلل السياسي توفيق أبو شومر، أكد أن هذه البعثة تعمل بموافقة الفلسطينيين، وسلطات الاحتلال "الإسرائيلي"، وتُجدد مهماتُها كل ستة أشهر، بموافقة الطرفين

وتقوم البعثة بكتابة التقارير عن خروقات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان الدولية وكذلك حول الاتفاقيات الموقعة حول مدينة الخليل، ويتم التشارك مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية بما يتصل بالتقارير وكذلك مع الدول الست المشاركة، وتحاول بعثة التواجد الدولي الحفاظ على تواجد مرئي في مدينة الخليل وخاصة في المناطق الساخنة مثل البلدة القديمة، وتل الرميدة، وفي محيط مدرسة طارق بن زياد، وجبل جوهر، حيث تسير دوريات يومية من أجل الملاحظة والمراقبة للوضع في المدينة.

وفي يوم 18 آذار 1994، أصدر مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة قرار رقم 904 وأدان بشدة المجزرة في الحرم الإبراهيمي وطلب باتخاذ إجراءات لتوفير الحماية والامن للشعب الفلسطيني، وبعد المفاوضات، قام ممثلين من منظمة التحرير في السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" بطلب من إيطاليا والنرويج بتزويد مراقبين لتواجد دولي مؤقت في مدينة الخليل.

من سيتصدى لإجرام "إسرائيل"؟

الكاتب والمحلل السياسي توفيق أبو شومر، أكد أن هذه البعثة تعمل بموافقة الفلسطينيين، وسلطات الاحتلال "الإسرائيلي"، وتُجدد مهماتُها كل ستة أشهر، بموافقة الطرفين، حيث أن مهمتها الرئيسة هي تحقيق الأمن والهدوء للفلسطينيين.

وبين، أن من مهام البعثة كتابة ورصد تقارير عن الخروقات والأحداث في تقارير، ترسلها للفلسطينيين، و"الإسرائيليين"، والدول المشتركة في القوة، لافتاً إلى أنه لا يُسمح لها بالتدخل في الأحداث.

ووفقاً للمحلل السياسي، فتتهم "إسرائيل" البعثة أنها تُناصر الفلسطينيين، وتُناصر حركة المقاطعة، بي دي إس، وأنها تعمل ضد الإسرائيليين، وترصد كافة انتهاكات وخروقات الاحتلال والمستوطنين بحق الفلسطينيين.

ويرى أبو شومر، أن عدم موافقة نتنياهو على تجديد مهماتها، لا يخضع فقط لبرنامجه الانتخابي، ورغبته في الهروب من ملفات الفساد، بل إن غايته الرئيسة هي احتلال مدينة الخليل، بتهجير سكانها، وإغلاق مصانعها التي تنافس مصانع "إسرائيل"، وإجبار أصحاب رؤوس الأموال على الهجرة إلى البلاد العربية، بخاصةٍ بعد أن نظَّم المتطرفون أكبر  تجمع للحارديم يُقدر بعشرات الآلاف وسط مدينة الخليل، في شهر نوفمبر 2018 وأسموه (سبت الخليل).

الخليل هي من أكبر مدينة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة ويعيش فيها نحو 600 مستوطن يحميهم الاف الجنود الإسرائيليين

بدوره رأى المختص في الشأن السياسي طلال عوكل، أن القرار الإسرائيلي بعدم تمديد ولاية البعثة مؤشر خطير على أن الخليل مُقبلة على حملة إسرائيلية استيطانية واسعة، من قمع وتهويد إلى جانب ما يجري في مدينة القدس المحتلة.

ويضيف "قرار نتنياهو يهدف إلى القضاء على العيون التي ترصد الجرائم الإسرائيلية"، مشيراً أنه جزء من السياسة العملية التي تمارسها "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية خاصة القدس المحتلة والخليل.

وأوضح، أن الاحتلال يسعى لإلغاء رمزية الأمم المتحدة باعتبارها الراعي الرسمي لقضية اللاجئين، لافتاً أن قرار نتنياهو الأخير سبقه قرار إغلاق مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا في القدس.

وحذّر عوكل، من نية الاحتلال قيامه بهجمة استيطانية قوية على الخليل، مشيراً إلى أنه يسعى لمصادرة الحرم الإبراهيمي وتقسيمه زمانياً ومكانياً.

وحول ردود الفعل الدولية تجاه القرار الإسرائيلي، قال إن "إسرائيل لا تخشى من ردود فعل هذه الدول فهي لديها علاقات قوية مع الدول الغربية والتي قد تنتقد تصرف "إسرائيل" ولكن لا تصل إلى حد القطيعة او التوتر الدبلوماسي".

الجدير ذكره أن الخليل هي من أكبر مدينة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة ويعيش فيها نحو 600 مستوطن يحميهم الاف الجنود الإسرائيليين بين نحو 200 ألف فلسطيني، وقرار نتنياهو سيكون بمثابة الضوء الأخضر لمجازر لن تجد من يسجلها ويدونها بعد طرد البعثة الدولية.