منذ الآن ينتظر العالم الانتخابات المحلية في تركيا والتي من المقرر أن تحسم نتائجها في 31 مارس/آذار لاختيار رؤساء البلديات والمسؤولين الإداريين وأعضاء مجالس الشيوخ في الأحياء والقرى، ومع بداية العد التنازلي، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الآلاف من الجماهير التي احتشدت للاستماع لرؤية وخطط حزبه العدالة والتنمية، وكما جرت العادة أكد أردوغان أن رؤساء البلديات سيعملون ضمن مجموعة من المبادئ الواضحة والتي من شأنها أن تنقل المدن التركية إلى مستوى جديد من الحداثة والتطور.

يتنافس 13 حزب سياسي على أصوات الناخبين الذين بلغ إجمالي عددهم أكثر من 57 مليون، وذلك بالجانب إلى السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية خلال سنوات إقامتهم في تركيا، وبالرغم من أن مسألة تصويتهم بالانتخابات باتت موضع جدل متكرر منذ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بالنسبة للمعارضة التي تتهم الحزب المحافط بتجنيس اللاجئين بهدف كسب الأصوات، إلا أن الأستاذ الجامعي ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط أحمد أويصال، يقول كيف لعشرة أو عشرين ألف ناخب أن يغيروا نتائج الانتخابات في بلد لديه نحو 58 مليون ناخب.

ولا شك أن حزب أردوغان يستعد لمزيد من هذه النقاشات المتكررة، إلا أن انتصاراته المتتالية في رئاسة بلدية العاصمة التجارية والإدارية منذ عام 2004، قد تحسم هذا النقاش ولا سيما أنه من الصعب التعامي عن التحولات الجذرية التي حققها منذ توليه الحكم والتي سماها قادة الغرب بـ"الثورة الصامتة".

إدارة أردوغان تقود المدن التركية إلى المستقبل

في أكثر من مناسبة، أكد أردوغان على أساس الحكم في حزب العدالة والتنمية وهو القيام بالمهمات من مبدأ الخادم وليس الحاكم، موضحًا أنه مصمم على أولويته في انتهاج سياسات صديقة للبيئة وتحترم الناس، ففي وقت سابق أعلن الرئيس التركي أنه سيتم تجنب أساليب الدعاية الانتخابية التقليدية والتي تسبب تلوث مرئي وضوضائي لكثرة المنشورات والأعلام الحزبية والحافلات التي تنطلق منها الأغاني الدعائية وتجوب في الشوارع، وفي المقابل سيتم استخدام المنصات الرقمية للتواصل مع الرأي العام. وذلك استجابة لرغبة الشعب التركي وتقليلًا للأعباء الاقتصادية.

عمل الحزب على مشروع دام لـ6 أشهر من العمل الميداني في 30 مدينة، وهدف إلى الاستماع لمطالب المواطنين من أجل تشكيل مدن تلائم هويتهم ورغباتهم

خلال إعلان البيان، لخص أردوغان مبادئ الحزب كالتالي: "مخططات المدن" و"البنية التحتية والمواصلات"، و"التحول العمراني"، و"مدن لا مثيل لها"، و"المدن الذكية"، و"مدن تحترم البيئة"، و"الأنشطة الإجتماعية للبلديات"، و"العمران الأفقي"، و"الإدارة مع الشعب سويًّا"، و"التوفير والشفافية"، و"مدن تصنع القيم". ومن هذه السياسات ينتظر أردوغان ومناصريه من المرشحين لمنصب العمدة بتجنب جميع الخيارات المضرة بالبيئة والفطرة الإنسانية.

ولتحقيق هذه الوعود، قالت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيسة البيئة والمدينة، قسيم كاراصلان لصحيفة "ديلي صباح" التركية، أنهم عملوا على مشروع دام لـ6 أشهر من العمل الميداني في 30 مدينة، والذي هدف إلى الاستماع لمطالب وشكاوي المواطنين الأتراك والتعرف على أحلامهم المتعلقة بالمدن والأحياء التي يعيشون فيها، حيث ضم الفريق الباحث مجموعة من المهندسين البيئيين والمؤرخين الفنيين.

عملت الحكومة على تشجير حوالي 743 ألف هكتار، مع زيادة هذا العدد إلى 6 أضعاف بين عامي 2003 و2017، ومن ناحية أخرى تم إعادة زرع 4.9 مليون هكتار من الغابات

وتضيف كاراصلان أن هذه الأفكار والآراء التي تم جمعها ستسمح للمؤسسين والمهندسين بتشكيل المدن وبنائها بطريقة تلائم هوية المواطن التركي وتتوافق مع توقعاته. وتركز كراصلان أيضًا على اهتمام مشاريع حزب العدالة والتنمية في تدشين الحدائق العامة والتي تسعى إلى توفير مساحات خضراء شاسعة في وسط المدن لمنح المواطنين أماكن للاسترخاء والاستمتاع بعيدًا عن أجواء المدينة الصاخبة.

فوفقًا لتقرير من حزب العدالة والتنمية يوضح أنشطة وأداء الحكومة بين عامي 1992 و2002، فأن الحكومة عملت على تشجير حوالي 743 ألف هكتار، مع زيادة هذا العدد إلى 6 أضعاف بين عامي 2003 و2017، ومن ناحية أخرى تم إعادة زرع 4.9 مليون هكتار من الغابات خلال العقد الأخير من حكم حزب العدالة والتنمية.

نجح الحزب في تصفيير النفايات في المبنى، ولذلك تم اعتماد مقره كأول منظمة صديقة للبيئة والمناخ، ما دفع لاحقًا إلى تشجيع المجمعات الرئاسية والوزرات الأخرى على المضي في نفس المسار

كما أكدت كاراصلان أن حساسية حزب العدالة والتنمية تجاه المسؤولية البيئية بدأت من أردوغان نفسه الذي كان رئيس بلدية إسطنبول في عام 1994 واتخذ النهج البيئي أساسًا لعمله، وبالفعل استطاع أن ينقذ المدن التركية وسكانها من التلوث الشديد والنقص الحاد في مصادر المياه والطاقة وسوء البنية التحتية والمواصلات وحد من الأزمات المرورية، وهي الإنجازات التي بقيت في أذهان الناس.

بالجانب إلى ذلك، تم تنفيذ مشروع "صفر نفايات" وتطبيقه على مقر الحزب  الذي غير عاداته واعتمد على وحدات الفرز ومراكز إعادة التدوير والتصنيع من أجل ضمان الحماية الكاملة من الضرر البيئي الناجم عن المخلفات والتي عادةً ما يتم طمرها أو حرقها، وهو ما ابتعد عنه الحزب إلى أن نجح في تصفيير النفايات في المبنى، ولذلك تم اعتماد مقره كأول منظمة صديقة للبيئة والمناخ من قبل مؤسسة المعايير التركية، ما دفع لاحقًا إلى تشجيع المجمعات الرئاسية والوزرات والبلديات الأخرى على المضي في نفس المسار.

وتأتي هذه القرارات والمشاريع على خلفية وعي الحكومة بالتغيرات المستقبلية التي تنتظر العالم، إذ أشار أردوغان خلال خطابه أن 55% من سكان العالم يعيشون حاليًا في المدن، وسيزيد المعدل إلى 3 أضعاف في المستقبل، وبالتالي لا يمكن انتظار هذه التحولات وعواقبها دون استعداد، وتبعًا لذلك سيتم استغلال التكنولوجيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي في عمليات التخطيط والتشكيل.

نجح أردوغان في نزع الملامح التقليدية عن البلديات وجعلها أحد مراكز القوة في البلاد لتصبح نموذجًا لدول الأخرى ومحلًا لكسب الثقة والشعبية في عموم البلاد

علمًا أن هذه المشاريع ليست أمرًا جديدًا على حكومة أردوغان، فهي واحدة من أهدافها التي سيجري تنفيذها تدريجيًا بحلول عامي 2023 و2071، إذ لا تنحصر هذه الخطط على التحديث والبناء فقط، بل تسعى أيضًا إلى خلق نظام متين وراسخ ويعبر عن الهوية الحضارية للشعب التركي، وذلك على العكس من حزب الشعب الجمهوري الذي وجه أردوغان إليهم تعليقًا مفاده أنهم أكبر تهديد سياسي لإسطنبول لأنها عانت كثير تحت أيديهم بسبب انشغالهم بالسلطة والمناصب.

وفي حال فوز الحزب في الانتخابات المقبلة أو خسارته، فلا شك أنه من الصعب أن يقبل الشعب التركي بمعايير أقل مما قدمته له حكومة حزب العدالة والتنمية لمدة عقدين من الزمن ولا سيما أن أردوغان نزع الملامح التقليدية عن البلديات وجعلها أحد مراكز القوة في البلاد ومصدرا للتغيرات التي كسبت ثقة وشعبية الشارع التركي.