كأس آسيا لكرة القدم ليس إلا حادثة من ضمن حوادث كثيرة كشفت وتكشف عمق الانقسام العربي بشأن المستقبل، لقد لعب الفريق القطري وفاز بروح رياضية عالية ولم يسرق انتصاراته طيلة الدورة، وهذا ليس موضوع المقال لكن على طول الخريطة العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي وبالتخصيص مصر وتونس (لم أستطع متابعة التليفزيون السوري الرسمي) لاحظنا وجود جمهور عربي معادٍ لقطر وفريقها ويحسدها على انتصارها ويقلل من إنجازها، ويقود هذا المعسكر وخطابه المحرض على قطر إعلاميون في خدمة الأنظمة السياسية المعادية للنظام القطري وما أحمد موسى المصري إلا صوت من ضمن أصوات كثيرة سمعنا بعضها في تونس، يذهب بهم الحقد على النظام القطري إلى تمني خسارته ولو لعب وحده.

هذه الورقة ليست في تمجيد الانتصار القطري ولكن هذا الانقسام حول قطر يكشف انقسامًا حول المستقبل العربي طرفاه متحمسون للربيع العربي ومعادون له وفي مقدمتهم إعلاميو السيسي في مصر وإعلاميو بن علي في تونس، بما يجعل قطر (شاءت أم أبت) في مقدمة الدفاع عن الربيع العربي، وقد قدمت له انتصارًا كرويًا يثلج الصدور، ولا عزاء للشبيحة.

الأمر ليس جديدًا لكنه يتجدد

ليست حادثة تشجيع منافسي الفريق القطري هي الحادثة الأولى بل هي الأخيرة حتى الآن وسيكون هناك غيرها، فالمهم أن تكون قطر في الخاسرين.. فلماذا؟

ينكشف الصفان بسرعة لا تتطلب ذكاءً خارقًا: صف الرجعيات العربية الخاسر الأول من ثورات الربيع العربي، ويقابله صف الباحثين عن التغيير وبناء الديمقراطية في المنطقة العربية، وتأتي قطر في مقدمة من يشجع على التغيير السلمي والتدرج في بناء الديمقراطية في منطقة عانت وتعاني من الطغيان العسكري والاستبداد السياسي.

يتلقى العسكري المصري الإسناد المالي والسياسي من نظام الإمارات ونظام آل سعود، اللذين يقودان عملية تطبيع وقحة مع العدو باسم إرساء السلام في الشرق الأوسط

الانقلاب العسكري في مصر يعادي قطر لأنه قبل معاداة قطر يقف ضد الديمقراطية ويقف قبل ذلك مع الصهاينة، وهو يعرف من موله ولماذا،  ويتخفي خلف عداء تقدمي (وهل يكون العداء عملاً تقدميًا؟) ضد الإخوان المسلمين المنعوتين بكل الأوصاف الرجعية.

كان يمكن أن يُمَرَّرَ هذا الخطاب لو قدم للشعب المصري كل ما يطلبه من الحرية ومن التنمية ومن إسناد شقيقه الفلسطيني المقهور، لكنه باسم معاداة الإخوان يخرب مصر واقتصادها المخرب أصلاً من زمن ما قبل ثورة يناير، ثم يبيع الموقف الوطني المصري المعادي للصهيونية منذ ظهور الصهاينة في مصر مقابل تثبيت العسكري في السلطة، فيكون صيغة متجددة من الديكتاتورية المخربة لأوطانها.

يتلقي العسكري المصري الإسناد المالي والسياسي من نظام الإمارات ونظام آل سعود، اللذين يقودان عملية تطبيع وقحة مع العدو باسم إرساء السلام في الشرق الأوسط كأن العرب هم من يخربون السلام وليس الصهاينة.

نوسع القياس إلى الوضع الليبي، فقد كانت ثورة فبراير ضد نظام العقيد الإجرامي الفاسد، وكانت الثورة الليبية في مسارها الصحيح حتى دخل النظام المصري والإماراتي والسعودي والفرنسي (من ورائها بالتحريض والخبرة العسكرية)، لتخرب الثورة الليبية بالمرتد حفتر الذي يقتل على الهوية ويمنع كل خطط السلام بالقطر الليبي لأن استقرار ليبيا يعني بدء عملية ديمقراطية سلمية في بلد تركه العقيد المقبور بلا دولة.

ولو شئنا لوسعناها إلى تونس، ولكن من تونس سنسمع فقط ذلك الخطاب الحزين عن انتصار قطر ممولة الإسلام السياسي الإخوانجي الرجعي العميل الذي صنعته المخابرات الإنجليزية (يمكن للقارئ أن يضحك هنا).

إنها حالة انقسام عامة غير مسموح فيها لمنتصر للربيع العربي أن ينتصر في مقابلة كرة قدم، فكل انتصار له بقاء ومجد وهزيمة للرجعية التي احتكرت لنفسها صفة التقدمية، وهنا تنكشف حالة الفصام التي تصل إلى درجة الخيانة الكبرى للأمة والتاريخ والأخلاق.

قطر لا تقود العرب

موال قاعدة العديد والعمالة للأمريكان حفظناه، فأغلبه يصدر من إعلام الشبيحة القدامى والجدد الذين يشاهدون جيوش العالم على أرضهم فيقدمون لهم القهوة، لذلك فإن مجادلة هذا الموال مضيعة للوقت، فعندما نكتب أن قطر تمول الربيع العربي بالمواقف السياسية والمال لا نعتبرها خالقة الربيع العربي، فالأمر أكبر من رغباتها وتأثيرها.

هذا الانقسام سيزداد عمقًا لأنه لا يقف عند الأقطار منفردة بشأن لعبة كرة قدم عابرة بل يمتد إلى قضية العرب الكبرى، تحرير فلسطين

الربيع العربي مشروع حرية وديمقراطية يعيد للشعوب العربية (لاحظ أننا صرنا نتحدث عن شعوب لا عن شعب عربي واحد من مراكش للبحرين)، وقد زلزل كل عروش أعداء الحرية، وعندما نتحدث عن صفين يقسمان العرب فنحن نرى صف دعاة الحرية وأنصارها وصف أعداء الحرية، وما واقعة انتصار قطر من ضمن وقائع كثيرة إلا مثير كاشف لهذين الصفين.

هذان الصفان يخوضان حربًا دموية في اليمن عطلت مسيرة ثورتها السلمية وأوصل فيها أعداء الحرية الشعب اليمني إلى المجاعة، وهما يخوضان حربًا في ليبيا منعت كل حل سياسي وشتتت شمل الشعب الليبي، وهما يخوضان حربًا في مصر وتونس تعيد التمكين للأنظمة القديمة الفاسدة.

الانقسام إذًا ليس بفعل قطر أو من أجلها بل من أجل حرية الشعوب وتقدمها، وأنصار الحرية فازوا بكأس آسيا بينما بكى البارحة أنصار الديكتاتوريات المعادون للحرية.

وماذا بعد؟

هذا الانقسام سيزداد عمقًا لأنه لا يقف عند الأقطار منفردة بشأن لعبة كرة قدم عابرة بل يمتد إلى قضية العرب الكبرى، تحرير فلسطين، فأعداء تحرر الشعوب العربية يمنعون تحرير الأرض المحتلة، وهم في مسار تطبيع مع الكيان الصهيوني ويربطون وجودهم بوجوده عبر صفقة مفضوحة تبقيهم على عروشهم مقابل حماية الكيان من الربيع العربي الزاحف بالحرية والتحرير.

وجب إذًا تصنيف الأفعال العاطفية بشأن الكرة أو الفن أو أي مثير آخر ضمن هذا الأفق التحليلي، معركة الحريات داخل الأقطار ومعركة تحرير فلسطين وهما معركة واحدة.

جمهور كرة القدم عبر مختلف القطار إذًا ليس قطيعًا، بل هو تعبير عن حرية وموقف سياسي وانحياز نضالي جذري، وستكون لحظات الوعي التي تثيرها وتكشفها كرة القدم (على سبيل المثال) مقدمات لنضال سياسي بوسائل مختلفة عما ساد من نضال حزبي منظم وقاصر دون تحريك جماهير متحررة الوعي والفعل، وقد بدأت ظاهرة الأولتراس تعبر عن نفسها سياسيًا في ملاعب كثيرة وتوجه الجماهير (المنعوتة بالغوغاء) رسائلها بالصرخات الجماعية ضد السلطة في بلدانها وضد كل أشكال الديكتاتورية في جوارها وفي العالم.

ولم يكن انتصار فريق قطر إلا مثيرًا سنشهد تكرره في دورة كأس أمم إفريقيا في مصر بداية الصيف.