في خطوة أثارت الكثير من القلق لدى الشارع الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، أوقفت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية جميع مساعداتها للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وذلك حسبما نقلت "رويترز" عن مسئول أمريكي، أمس الجمعة 1 فبراير/شباط 2019.

ورغم تراجع حجم المساعدات المقدمة من الوكالة الأمريكية للفلسطينيين إلا أن القرار الذي جاء -وفق المسئول-  بناء على طلب من السلطة الفلسطينية، سيكون له تداعيات سلبية على الواقع المعيشي لسكان الضفة والقطاع، خاصة في هذا التوقيت الحرج الذي تبلغ فيه معدلات الفقر 65% مع انعدام الأمن الغذائي لنحو 70%.

ليست المرة الأولى التي تواجه فيها فلسطين مثل هذه الأزمة، إذ شهدت خلال الأونة الأخيرة تقليصا في معدلات الدعم، عربيًا ودوليًا، وهو وإن كان أمر ليس بمستغرب على الشعب الفلسطيني إلا أن الأمور ربما تصل إلى وضع حرج خاصة على الجانب الأمني وهو ما سينعكس بشكل أو بآخر على الكيان الصهيوني في نفس الوقت.

طلب فلسطيني

القرار في هذا التوقيت جاء في إطار خوف السلطة الفلسطينية من الملاحقة القضائية من قبل القضاء الأمريكي استنادا إلى إحدى القوانين التي تجعل من المستفيدين من المساعدات الخارجية أكثر عرضة لدعاوى قضائية متعلقة بمكافحة الإرهاب والذي حدد 31 يناير الماضي نهاية للمهلة المحددة لتطبيق القانون، حسبما أشار جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس دونالد ترامب للشرق الأوسط.

غرينبلات في تغريدة له على "تويتر" قال «تم قطع هذه المساعدات (لم يتم تعليقها فحسب) بناء على طلب السلطة الفلسطينية، لأنها لم تكن ترغب في الخضوع للمحاكم الأمريكية التي ستطلب منها دفع أموال لمواطنين أمريكيين قتلهم إرهابيون فلسطينيون عند إدانة السلطة الفلسطينية».

كما أضاف أن الوكالة قد أوقفت عدد من المشروعات والبرامج "كان يجري تمويلها عن طريق المساعدات في الضفة الغربية وغزة، وذلك بموجب الصلاحيات المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، وذلك بناء على طلب من السلطة» وتابع «كل مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في الضفة الغربية وقطاع غزة توقَّفت». ولم يتضح إلى متى سيستمر وقف المساعدات مع الإشارة إلى أنه لا توجد حالياً خطوات لإغلاق بعثة الوكالة في الأراضي الفلسطينية، ولم يُتخذ قرار بشأن تعيين موظفين في المستقبل في بعثتها بالسفارة الأمريكية في القدس.

جدير بالذكر أن الوكالة قد أنفقت، بحسب موقعها الإلكتروني، 268 مليون دولار، على مشروعات عامة في الضفة الغربية وغزة، وأيضاً على سداد دين القطاع الخاص الفلسطيني في عام 2017، لكن كان هناك خفض كبير في كل التمويلات الجديدة حتى نهاية يونيو/حزيران 2018.

وقف وكالة التنمية الأمريكية للمساعدات التي كانت تُقدم لشعبنا، والتي كانت تشمل قطاعات هامة مثل الصحة والتعليم سيكون له انعكاس سلبي على الجميع، وسوف يخلق أجواء سلبية، ويزيد من حالة عدم الاستقرار.. نبيل أبو ردينة

ضغوط سياسية

الإعلان الأمريكي عن وقف مساعدات وكالتها للتنمية لفلسطين جاء بعد أقل من عام على تخفيض واشنطن مساعداتٍ بمئات الملايين من الدولارات للفلسطينيين، شملت تمويل جماعات تعمل في المجال الإنساني، وتدعمها الوكالة، ويُنظر إلى مثل هذه الإجراءات على أنها وسيلة للضغط على القيادة الفلسطينية لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل، والتعامل مع إدارة ترامب، من خلال خطتها المنتظرة منذ وقت طويل للسلام في الشرق الأوسط.

وفي أول تعليق رسمي من جانب السلطة الفلسطينية على هذه الخطوة، قال نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس: «وقف وكالة التنمية الأمريكية للمساعدات التي كانت تُقدم لشعبنا، والتي كانت تشمل قطاعات هامة مثل الصحة والتعليم سيكون له انعكاس سلبي على الجميع، وسوف يخلق أجواء سلبية، ويزيد من حالة عدم الاستقرار»، فيما رد عليه غرينبلات بأن: «الفلسطينيون أذكياء أكثر من أن يستمروا في العيش كضحايا ومتلقّين للمساعدات الأجنبية، إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي (ربما تكون خطتنا للسلام؟) يجب أن تركز السلطة الفلسطينية على مساعدة الفلسطينيين على تحسين حياتهم».

ومن ناحية حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فقد أدان إسماعيل رضوان، المتحدث باسم الحركة وقف المساعدات، مستنكراً ما وصفه بأنه «المال المُسيَّس»، في إشارة إلى الهدف الرئيسي من وراء تلك التحركات التي تستهدف تركيع الإرادة الفلسطينية لصالح رغبات تل أبيب وحلفائها في المنطقة.

الرئيس الأمريكي ونظيره الفلسطيني

تعميق للأزمة

لا شك أن قرار توقف المساعدات الأمريكية للأراضي الفلسطينية سيعمق من الأزمة الاقتصادية لما يقرب من 80% من سكان قطاع غزة حسبما أشار الخبير الاقتصادي الفلسطيني، حسن أبو رمضان، الذي أكد أن القرار سيكون له تأثير كبير على عملية التنمية الاقتصادية بصورة ملفتة خاصة وأن هذه المشروعات تصب في مجال البنية التحتية ومشاريع المياه التي من الممكن أن تساعد في عمليات الإغاثة والتنمية في نفس الوقت

أبو رمضان في مداخلة له على تلفزيون "روسيا اليوم" أكد أن القرار سيرفع معدلات الفقر في القطاع الذي وصلت إلى 65% مع انعدام الأمن الغذائي لنحو 70%، فيما بلغت نسبة البطالة 75%، كاشفًا أن الوكالة الأمريكية كانت قد تلقَّت 364 مليون دولار من الولايات المتحدة في 2017. وفي يناير/كانون الثاني، خفض برنامج الأغذية العالمي المساعدات الغذائية لنحو 190 ألف فلسطيني بسبب نقص التمويل

القرار أثار انزعاج الإسرائيليين بشكلٍ كبيرٍ لدرجة أنهم توجَّهوا إلى الإدارة والكونغرس قبل أسبوعٍ في محاولةٍ لإيجاد حل

فيما استنكر أمجد الشوا، المنسق العام لشبكة الجمعيات الأهلية الفلسطينية القرار الأمريكي في هذا التوقيت الذي وصفه بأنه "بالغ الخطورة" معتبرًا أن ما يحدث عبارة عن مقايضة سياسية على حقوق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، كاشفًا في الوقت ذاته أن للقرار تأثيرات مؤلمة على واقع الفقراء خاصة في ظل تقليصات الأمم المتحدة لتمويلها للأونروا وبرنامج الغذاء العالمي ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص

قلق إسرائيلي

ليس الفلسطينيون وحدهم من أقلقهم هذا القرار، إذ حمل بين طياته تهديدًا للكيان الصهيوني وأمنه في الوقت ذاته، فالقرار يشمل كذلك  وقف مساعدات أمريكية بنحو 60 مليون دولار لقوات الأمن الفلسطينية التي يساعد تعاونها  على مدار أكثر من عقد مع القوات الإسرائيلية في الحفاظ على هدوء نسبي بالضفة الغربية.

وتكمُن أكبر المخاوف الإسرائيلية في أن إنهاء التمويل الأمريكي للقوات الأمنية الفلسطينية، الذي يشمل برامج التدريب في الأردن، قد يُضعف القدرات الأمنية للسلطة الفلسطينية ويُهدِّد تنسيقها الأمني مع إسرائيل.، حسبما أشار مسئول إسرائيلي لصحيفة Washington Post الأمريكية.

المسئول الذي رفض الإفصاح عن اسمه قال إن بلاده تدعم جهود وزارة الخارجية ومسؤولي إدارة ترامب الجارية لإيجاد حلٍ قانونيٍ «يحفظ التعاون الأمني من جهة، ويضمن العدالة لعائلات ضحايا الإرهاب»، إذ أنه ورغم انهيار التعاون في أوقات الصراع، لا تزال إسرائيل تتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق مع السلطة الفلسطينية فيما يتعلَّق بالاعتقالات الاستباقية لمنع الهجمات ضدها على حد قوله.

فيما قال دانيال شابيرو، السفير الأمريكي الأسبق لإسرائيل، إن التمويل الأمني الأمريكي هو بمثابة «الضمانة التي تكفل استمرار التنسيق الأمني الذي نجح في إحباط الهجمات الإرهابية»، مضيفًا في تصريحات له أن تبعات هذا القانون «أثارت انزعاج الإسرائيليين بشكلٍ كبيرٍ لدرجة أنهم توجَّهوا إلى الإدارة والكونغرس قبل أسبوعٍ في محاولةٍ لإيجاد حل»، وتابع: قطع التمويل لن يكون له تأثيرٌ فوري؛ نظراً لأن معظم المال يُوجِّه للبرامج التدريبية، لكنه سيُضعِف قدرة القوات الفلسطينية تدريجياً.

أوضاع اقتصادية صعبة في قطاع غزة

تأثير محدود

وفي محاولة للتقليل من تأثير القرار الأمريكي على الفلسطينيين، قال ألون إفياتار، الرئيس السابق للفرع الاستشاري الخاص بالشؤون الفلسطينية بمكتب تنسيق الحكومة في المناطق -وهو فرع الجيش الإسرائيلي المختص بالتعامل مع الإدارة المدنية للضفة الغربية- إنه لا يعتقد أن الـ60 مليون دولار كانت تُشكِّل جزءاً مهماً من ميزانية القوات الأمنية، وأن السلطة الفلسطينية ستُدير أعمالها بدون هذه الأموال كما فعلت بدون المساعدات الأمريكية لمنظمة الأونروا.

إفياتار في تصريحات نقلتها "الواشنطن بوست" أضاف: «سيبحثون عن مانحين آخرين لتغطية العجز»، مشيرًا إلى أن المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أو الكويت أو قطر «أو أي دولةٍ أخرى تلجأ لها السلطة الفلسطينية عادةً ستُغطي الفجوة المالية كما حدث في حالة الأونروا. والحل الآخر بالنسبة لهم هو تقليل التدريبات أو خفض الأجور».

غزة التي طالما عانت طيلة العقود الماضية من أزمات تلو الأزمات على موعد جديد مع تحد آخر ربما يزيد من تأزم وضعها

وفي الجهة المقابلة قال اللواء توفيق الطيراوي، رئيس الاستخبارات الأسبق في السلطة الفلسطينية، إن الاجتياحات المتزايدة من قِبَل القوات الأمنية الإسرائيلية للأراضي التي يُفترض أن تُديرها السلطة الفلسطينية تعني أن التنسيق الأمني ينهار في جميع الأحوال. وأضاف: «كان الأمر يخدم مصالح الشعب الفلسطيني في السابق، لكن الوضع تغيَّر الآن. سيُؤثِّر هذا علينا بالسلب، لكنه لن يقتلنا».

يبدوا أن غزة التي طالما عانت طيلة العقود الماضية من أزمات تلو الأزمات على موعد جديد مع تحد آخر ربما يزيد من تأزم وضعها ويعيق العمل التنموي والإغاثي بصورة أو بأخرى في ظل تراجع الدعم المقدم للقطاع عربيًا ودوليًا والضغوط الممارسة عليه من كل جانب، إلا أن الحقيقة التي لا تقبل الشك أن سكان القطاع أثبتوا على مر التاريخ أنهم ليسوا لقمة سائغة في أفواه المحتلين وأعوانهم، وهو الدرس الذي لا يريد الاحتلال استيعابه.