ترجمة وتحرير: نون بوست

عند منتصف الليل، استيقظت شهد المحيميد لتغادر غرفة الفندق التي تقيم فيها المطلة على مياه مدينة طرابزون الزرقاء، المدينة التركية الواقعة على ساحل البحر الأسود. لقد اختارت عائلتها الإقامة بالقرب من الميناء التاريخي لأنه يقدم استراحة على شاطئ البحر، ولكن في إطار بيئة اجتماعية إسلامية. خرجت المحيميد من غرفة نومها حافية القدمين بعد أن قامت بتجميع البطاقات الائتمانية التابعة لأبويها ومفاتيحهما وجوازات سفرهما، وبالأخص هواتفهما، ظنا منها أن اتخاذ مثل هذه الخطوات من شأنه أن يعرقل عائلتها ويبطئ عملية البحث عنها، مع العلم أنها استغرقت قرابة سنة وهي تخطط للهروب.

تطل مدينة طرابزون التركية على البحر الأسود. وقد صرحت شهد المحيميد خلال المقابلة التي أجرتها مع الموقع أنهم قدموا لتركيا للتعرف على مجتمع إسلامي آخر.

وجدت  المحيميد نفسها على قارعة الطريق خارج الفندق وهي تحدق في أرجاء المكان بصمت. كانت هذه المرة الأولى في حياتها التي تكون فيها خارج البيت لوحدها، والمرة الأولى منذ أن كانت في العاشرة من عمرها التي تستيقظ فيها دون أن تضع إما البرقع أو النقاب، الذي يغطي كامل جسمها. في هذا السياق، قالت شهد: "كنت في السابعة عشر من عمري وكنت خائفة للغاية. غادرت في منتصف الليل في ليلة مظلمة. ولكنني كنت خائفة من ردة فعل أخي وعائلتي".

تحت وصاية والدها، كانت شهد ترى شقيقها المراهق وهو يصرف كامل علاوته الشهرية التي يصل قدرها إلى 1600 دولار، في الوقت الذي كانت تتوسل للحصول على المال لشراء لوازمها الأساسية.

حتى تلك اللحظة، أمضت المحيميد 17 سنة كاملة من حياتها بشكل دائم تقريبا تحت الوصاية الذكورية، بموجب النظام الذي ينص عليه القانون السعودي. وأضافت المحيميد: "كانت حياتي مجرد روتين يبدأ بالاستيقاظ، والذهاب المدرسة، ومن ثم العودة  إلى المنزل، وصولا إلى النوم ليتكرر ذلك كل يوم". كان يجب عليها أن لا تتحدث أو تنظر إلى أي رجل لا تربطها به أي علاقة قرابة أسرية، لأن القرآن يحرم ذلك، كما أن والدها كان يؤمن بأن كل من تخالف هذه التعاليم تستحق العقاب.

تحت وصاية والدها، كانت شهد ترى شقيقها المراهق وهو يصرف كامل علاوته الشهرية التي يصل قدرها إلى 1600 دولار، في الوقت الذي كانت تتوسل للحصول على المال لشراء لوازمها الأساسية. وفي هذا السياق، أشارت شهد: "لم أتمكن حتى من شراء احتياجاتي الأساسية كفتاة وكان أخي هو الذي يدفع ثمنها طوال الوقت،  على الرغم من أنه كان يصغرني سنا".

في كثير من الأحيان، كان على شهد المحيميد أن تستجدي المال من أبيها، في حين أنه كان يغدقه على أخيها

لم تتمكن المحيميد من الوصول إلى الأموال التي كسبتها في وظيفتها، على حد قولها، فضلا عن أنه لم يكن لديها حساب مصرفي لأن زوجها كان يأخذ المال منها لأنه من وجهة نظره تعد المرأة غير جديرة بالاحتفاظ بالمال. وقد أكدت هذه الشابة السعودية أن "هذه القواعد مجرد هراء" بالنسبة لها.

خلال حديثها مع مراسل "إنسايدر"، وصفت المحيميد الاعتداء الجسدي المتكرر الذي كانت تتعرض له من قبل والدها وأكدت أنه كان يهددها دائما بالقتل. وأضافت شهد أن ارتكابها مخالفة على غرار رؤيتها مع رجال ليسوا من أفراد عائلتها ينتهي بها دائما بربط معصميها كاحليها بحبل، ذلك أن عائلتها "من العائلات المضطهدة والمتعسفة".

في سياق متصل، قالت شهد: "ليس هناك من يدعمك في حال تعرضك للضرب، حتى عندما يتم الإبلاغ عن مثل هذه الجرائم، تقف الشرطة دائما في صف الرجل". وتجدر الإشارة إلى أن النساء اللواتي يتم القبض عليهن وهن هاربات من البلاد يفقد أثرهن وهناك شائعات تفيد بأن البعض منهن قد قُتل، وهو احتمال اعتبرته المحيميد واردا للغاية.

كانت شهد المحيميد في السابعة عشرة من العمر عندما هربت من منزلها

حيال هذا الشأن، أفادت شهد: "عندما نقرر الرحيل، فنحن نضع كامل حياتنا على المحك، لأنه إذا لم ننجح فإنه من المؤكد أن عائلاتنا ستقتلنا لأنه من العار أن تغادر البنت بيت عائلتها". والجدير بالذكر أن موقع "إنسايدر" لم يتمكن من الاتصال بأقارب المحيميد لكي يتمكنوا من سؤالهم بشأن حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي.

قاعدة بيانات ضخمة يعتمدها الرجال في السعودية لمنع النساء من السفر

إلى جانب القيود المادية المفروضة عليها والضغوط الاجتماعية المسلطة عليها، كان على المحيميد الإبحار عبر نظام متطور على الإنترنت للهروب من سطوة عائلتها. لقد كان بإمكانها من خلال هاتف والدها، الذي سرقته في تلك الليلة في طرابزون، الولوج إلى نظام حكومي سعودي يسمى "أبشر"،  وهي تعني "الواعظ" باللغة العربية، تتولى الدولة إدارته ويوفر بوابة إلكترونية لقوانين الوصاية الذكورية السعودية المفروضة في البلاد.

صفحة تسجيل الدخول الخاصة بتطبيق أبشر باللغة العربية، التي تطلب هوية حكومية وكلمة مرور. وعن طريق استخدام أبشر، يمكن للرجال القيام بالعديد من المهام، بما في ذلك دفع غرامات وقوف السيارات ومنح المرأة الإذن بالسفر.

يحتوي نظام أبشر، الذي لم يتم التطرق إليه كثيراً في وسائل الإعلام الغربية، على سجل للنساء في المملكة العربية السعودية ووسائل منعهن من السفر أو القبض عليهن أثناء محاولتهن المغادرة دون إذن. في الواقع، إن العديد من الوظائف التي يؤديها نظام أبشر مفيدة، حيث لا يمكن أن تجدها في أي بوابة إلكترونية حكومية محلية أو وطنية، نظرا لأنه يمكّنك من دفع غرامات وقوف السيارات أو تجديد رخصة القيادة.

تمثل السبب الحقيقي الذي يقف وراء انتظار المحيميد فرصة ذهابها برفقة عائلتها لقضاء العطلة في تركيا في أن هذه الفرصة ستكون شبه معدومة من داخل المملكة العربية السعودية، نظرا لأنه بمجرد تخطيها الحدود سيشتغل نظام إنذار أبشر

يمكن للرجال السعوديين استخدام هذا النظام لتحديد متى وأين يُسمح للنساء بالخروج من البلاد، ناهيك عن منح أو إلغاء تصريح السفر بنقرات قليلة، مما يجعل المطارات أو الوجهات المحددة ممنوعة على الكثير من النساء. كما يوفر هذا النظام خدمة الرسائل القصيرة للرجال التي تصلهم عندما تستخدم المرأة جواز سفرها عند نقطة عبور الحدود أو تسجيل الدخول إلى المطار.

بناء على ذلك، تمثل السبب الحقيقي الذي يقف وراء انتظار المحيميد فرصة ذهابها برفقة عائلتها لقضاء العطلة في تركيا في أن هذه الفرصة ستكون شبه معدومة من داخل المملكة العربية السعودية، نظرا لأنه بمجرد تخطيها الحدود سيشتغل نظام إنذار أبشر وسيتم عرقلة أي محاولة للمغادرة عند التحقق من جواز سفرها في المطار. وحتى لو تمكنت من الفرار، فإنها ستترك مسارًا رقميًا مما سيسهل العثور عليها.

بعد قرابة عامين من هروبها من عائلتها، ها هي شهد المحيميد تسير نحو منزلها الجديد

أكد الخبراء أن قرابة ألف امرأة على الأقل يحاولون الفرار من المملكة العربية السعودية كل سنة، لكن رسائل التحذير النصية مكنت العديد من الرجال من إلقاء القبض عليهن قبل أن يتمكن من الخروج. أصبح الالتفاف حول هذا النظام بمثابة الخطوة الحاسمة بالنسبة للنساء من أمثال شهد المحيميد، اللاتي تحاولن الفرار من المملكة. قرر موقع "إنسايدر" مباشرة التحقيق على إثر الاهتمام الشديد الذي عرفته قضية اللاجئات السعوديات. وقد ساهمت واقعة الشابة السعودية رهف محمد البالغة من العمر 18 سنة التي تحولت مسألة هروبها من المملكة نحو تايلند إلى ظاهرة خطيرة في زيادة الجدل القائم حول قضية اللاجئات السعوديات.

حاول فريق "إنسايدر" بصفة متكررة الاتصال بالسلطات السعودية، سواء كان ذلك من خلال الاتصال مباشرة بوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، أو عبر السفارات السعودية في كل من لندن وواشنطن، قصد الحصول على الاستفسارات اللازمة بشأن هذا النظام. ولكن السلطات المذكورة لم تبد أي تجاوب مع محاولاتنا.

لحظة وصول المراهقة السعودية، رهف القنون، إلى مطار تورونتو بيرسون الدولي يوم 11 كانون الثاني/ يناير، بعد أن انتهت رحلة هروبها التي نشرت تفاصيلها على موقع تويتر.

خارج الفندق في تركيا، كانت المحيميد تأمل في العثور على سيارة أجرة تنقلها بسرعة إلى المطار، لكن دون جدوى. فتوجهت نحو أقرب مستشفى للاتصال بأحد سيارات الأجرة. كانت شهد المحيميد تنوي السفر على متن الطائرة المتوجهة إلى أستراليا، أو أي مكان يأخذها بعيدا عن المملكة العربية السعودية. وتقول المحيميد إن الأمر الوحيد الذي كان يتبادر إلى ذهنها، أنها "تملك فقط أربع ساعات لتغادر تركيا، قبل أن يستيقظوا". وبمجرد أن استقلت سيارة أجرة، استغرقت رحلتها في اتجاه المطار المحلي، الذي يمثل مدرج هبوط يضم معظم الرحلات التركية المحلية، حوالي 20 دقيقة. وأدركت الشابة السعودية أنه لا يوجد رحلات متوفرة قبل الساعة الثامنة صباحا.

تبعد الحدود التركية عن جمهورية جورجيا حوالي 113 ميلا، حيث يربطهما طريق سريع مجاور للبحر الأسود ومطل على مناظر طبيعية خلابة. وتمثل دولة ما بعد الاتحاد السوفيتي، الخيار الوحيد الذي بقي أمام المحيميد، نظرا لأنها تسمح بمرور المواطنين السعوديين دون تأشيرة. وقد استقلت الشابة سيارة أجرة ثانية قبل أن تجد نفسها، بعد استغراق الرحلة لساعتين من الزمن، بصدد تسليم جواز سفرها إلى شرطة الحدود وكلها أمل أن تخلو رحلتها من المشاكل.

"لقد كانت بالفعل مسألة حياة أو موت"، هذا ما قالته شهد في تصريحها الذي أدلت به إلى موقع "إنسايدر"، وأضافت قائلة: "لقد فوجئت عندما سمحوا لي بالمرور، كنت على وشك أن أسألهم: هل هذا يحدث حقا؟". تمكنت المحيميد من الدخول إلى المدينة التي لم تعد تذكر اسمها، وقد أوصدت على نفسها باب حمام عمومي، من أجل أن تتمكن من النوم.

وفقا للاجئ السعودي الفار لألمانيا، الدكتور طالب عبد المحسن، يعد نظام الإنذار أحد الأسباب الرئيسية التي تساعد على القبض على النساء اللاتي يحاولن الفرار من المملكة العربية السعودية، نظرا لأنها ترسل إشعارا مبكرا للوصي عن طريق رسائل نصية قصيرة

غادرت شهد المحيميد المدينة المجهولة، نحو العاصمة الجورجية تبليسي، حيث استأجرت غرفة رفقة شخص قابلته هناك. وقد تمثلت خطتها في طلب تأشيرة سياحية أسترالية التي تقبل طلبات الحصول عليها عبر الإنترنت، لكن طلبها قوبل لاحقا بالرفض. في الأثناء، علمت شهد أن موظفي السلك الديبلوماسي السعودي بصدد التفتيش عنها وأن منظمة الإنتربول قد تمكنت فعلا من الاتصال بزميلها في السكن.

كيف يعمل تطبيق أبشر؟  

تحدث فريق "إنسايدر" مع النشطاء واللاجئين السعوديين حول تطبيق "أبشر"، الذي يعد بمثابة نظام حاسوبي يجعل من الفرار انطلاقا من المملكة العربية السعودية مباشرة أمرا صعبا للغاية. كما تمكن الفريق من الحصول على لقطات شاشة توضح طريقة عمل هذا النظام. وقد صُممت قاعدة "أبشر" للبيانات باللغة العربية، ولكن من الممكن الحصول عليها باللغة الإنجليزية أيضا. وتبين هذه الصورة لوحة البيانات الرئيسية الخاصة بنظام "أبشر" التي تخول للأوصياء السعوديين من الذكور إضافة كلمة "ديبندنتز" أو "الأشخاص المُعالين"، أي عدد النساء أو الأطفال الذين يعيشون تحت وصايتهم.

 تعرض صفحة "أبشر" الرئيسية عدد النساء والأطفال الذين يعيشون تحت وصايتك، كما تقوم بتخزين العديد من المعلومات التي تخص حياتك اليومية

تشير عبارة "مجموع الأشخاص المعالين في الداخل" إلى النساء والأطفال الذين يعيشون داخل المملكة العربية السعودية. أما عبارة "مجموع الأشخاص المعالين في الخارج"، فتحيل إلى النساء خارج المملكة العربية السعودية، على غرار الفتيات اللاتي يدرسن بالخارج أو بصدد قضاء إجازة في دول أجنبية. وتوضح لقطة الشاشة التالية تفاصيل أكثر بشأن الموقع، إذ يمكن للوصي الذكر التحكم بتصريحات السفر من خلال تحديد عدد الوجهات ومدة الرحلات التي يسمح للنساء اللاتي يعشن تحت وصايتهم بالقيام بها.

على هذا النحو، يمكن للأوصياء أن يقرروا مكان الرحلة ومدتها الزمنية، علاوة على تحديد المطارات التي يسمح للنساء بالذهاب إليها

بالنسبة لإذن للسفر، يتم عرض أربعة خيارات:

• رحلة واحدة باتجاه أي مكان

• رحلة واحدة انطلاقا من مطارين معينين

• رحلات متعددة

• إذن بالسفر إلى حدود انتهاء صلاحية جواز السفر (مدة أقصاها خمس سنوات)

قبل تصميم نظام "أبشر"، كانت المرأة السعودية تحتاج إلى موافقة مكتوبة تحمل توقيع الوصي الذكر من أجل المرور عبر الجمارك. ويعطي هذا النظام الرقمي قراءة مفصلة لكل رحلة قام بها شخص ما، إذ يمكن للرجال الاطلاع على تاريخ السفر الخاص بهم وبالنساء والأطفال في عائلاتهم. وتعرض لقطة الشاشة التالية القسم المتعلق بجوازات السفر المسجلة وكل السجل الخاص بها في نظام "أبشر".

عرض واضح لقائمة رحلات مسجلة على جواز سفر

وفقا للاجئ السعودي الفار لألمانيا، الدكتور طالب عبد المحسن، يعد نظام الإنذار أحد الأسباب الرئيسية التي تساعد على القبض على النساء اللاتي يحاولن الفرار من المملكة العربية السعودية، نظرا لأنها ترسل إشعارا مبكرا للوصي عن طريق رسائل نصية قصيرة. وقد أصبحت هذه الرسائل إلزامية، الأمر الذي خلق موجة من الانتقادات لدى السعوديين خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. حيال هذا الشأن، أفادت الكاتبة والصحفية السعودية بدرية البشر بأن "السلطات تستخدم التكنولوجيا للتحكم بالنساء، وتعكس هذه التكنولوجيا وجهة نظر متخلّفة تسعى إلى تقييد النساء".

على الرغم من هذه التنديدات، لا يزال العمل بهذه الارساليات القصيرة متواصلا. ونشر موقع "إنسايدر" العديد من التنبيهات الصادرة عن وزارة الداخلية، والتي تمت مشاركتها سنة 2012، عندما كان النظام لا يزال حديثا. فعلى سبيل المثال، يفيد أحد التنبيهات التي أرسلتها وزارة الداخلية السعودية على شكل رسالة نصية قصيرة، بأن سيدة أعمال سعودية تدعى سارة العايد استخدمت جواز سفرها لمغادرة السعودية باستعمال الطائرة. وتقول الرسالة: "تم خروج سارة رقم *****عبر مطار الملك عبد العزيز، بتاريخ 12-11-2012.

https://twitter.com/Sarah_AlAyed/status/268616984105730048

خلال رحلة أخرى، تم تنبيه ولي أمر سارة بشأن رحلة قامت بها في وقت لاحق خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، انطلاقا من نفس المطار

بالإضافة إلى ذلك، هذا ما تم إرساله إلى رجل يُدعى خالد الشنانة: "تصريح الخروج لرقم سالا *** 7698 ينتهي يوم 25-11-2012". وتشير هذه الرسالة النصية على الأرجح إلى الإذن الذي أعطاه الوصي للسيدة للسفر لفترة زمنية محددة.

على سبيل المثال، تُوثق هذه السلسلة المكونة من أربع رسائل سفر ورجوع امرأتين تدعيان دانة وفاطمة، وكلاهما مدرجتان كعائليْن تحت صفحة الوصي على نظام أبشر، اللتان سافرتا من السعودية إلى البحرين على جسر الملك فهد.

ردا على موجة الانتقادات التي وجهت للحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي، جعلت الحكومة خدمة الرسائل الإخبارية اختيارية خلال سنة 2014. وفي وقت لاحق من تلك السنة، زعم المسؤولون أنهم علّقوها، في حين يعتقد الكثيرون أن النظام لا يزال ساري المفعول.

خلال حوار أجراه مع موقع "إنسايدر"، أفاد آدم غوغل، من منظمة "هيومن رايتس ووتش": "لا تزال رسائل التحذير النصية تصل إلى المعنيين بالأمر ولهذا السبب يكتشفون الأمر بسرعة عندما تحاول النساء الهروب. وقد أكد اثنان من الخبراء هذه المعطيات".

خداع النظام

قال العبد المحسن إن جميع من في المملكة العربية السعودية على علم بقاعدة البيانات "أبشر"، كما أن الشابات يستخدمن الآن طريقة شائعة لمحاولة الهروب. وذلك من خلال سرقة هاتف ولي أمرهن وتحيين كلمة السر للحصول على كلمة سر جديدة في غضون دقائق. ثم بعد مرور بضع ثوان، يصبح بإمكانهن منح أنفسهم الإذن بالرحيل. ولكن يعد هذا أمر خطير، لأنه في حال كان الوصي ضليعا في التكنولوجيا، فإنه سيتحقق بانتظام من وضع الأشخاص تحت وصايته".

أوردت شهد المحيميد، اللاجئة السعودية التي كشفت لموقع "الإنسايدر" عن تفاصيل هروبها من تركيا أنها أصبحت تقدم النصائح للفتيات اللواتي يخططن للهرب، حول كل ما يتعلق بالحصول على موافقة السفر وتجنب التحذيرات التي يرسلها تطبيق "مواجوازات" عن طريق الرسائل النصية. وأضافت من داخل منزلها الجديد أنه "من الأفضل سرقة هاتف الأب في الليلة السابقة لسفره تأكدا من أن الأمر سيفلح، إلا أن هناك مجالا للفشل، فقد يكون الهاتف بحوزة الأب طوال الوقت، لذا قد لا تتمكن بعض الفتيات من سرقته".

 يمثل الخروج من المملكة العربية السعودية عبر نقطة تفتيش رسمية خطرا. وهذا هو معبر أبو سمرة الحدودي المؤدي إلى المملكة العربية السعودية من قطر

أفادت إحدى اللاجئات الأخريات، التي تعرف بإسم سلوى فقط، لشبكة الأخبار "بي بي سي" أنها قد استخدمت هذه الطريقة ذاتها للهرب من المملكة. وصرحت ياسمين محمد، الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة، لموقع "إنسايدر" أن بعض النساء قمن بتغيير رقم الهاتف المرتبط بحساب "أبشر" الخاص بالوصي عليهن، كي يتلقين الرسائل النصية على رقم الهاتف الخاص بهن.

تظهر هذه الصفحة على حساب "أبشر" كيفية إلغاء ترخيصات السفر المفروضة على جواز السفر الشخص الذي تحت الوصاية:

 صفحة في حساب "أبشر" حيث يستطيع الوصي رؤية أي تصريحات نشطة وتغييرها بسهولة إذا لزم الأمر

حتى بعد الاطلاع على الجانب التقني، فإن الرحلة تظل صعبة ومحفوفة بالمخاطر، لأن اللاجئون، ومنهم رهف محمد، يتذكرون قضية دينا علي السلوم، التي وصلت إلى الفلبين في أبريل/ نيسان من سنة 2017، التي قبضت عليها عائلتها وأعادتها إلى السعودية. وبعد مرور قرابة أسبوع على القبض عليها، ذكر موقع "بلومبرغ" أنها كانت محتجزة في منشأة إصلاحية سعودية، إلا أن مكانها الحالي لا زال غير معروف.

صرح خبراء "إنسايدر" أنه على الرغم من القصص المخيفة من هذا القبيل، إلا أن شبكات الدعم بين النساء تتعزز، ومحاولات الهروب آخذة  في التزايد. وأفاد العبد المحسن لموقع "إنسايدر" أن هناك العديد من المنتديات والمجموعات حيث تتشارك النساء والفتيات النصائح حول عمليات الهروب. وقال أيضا إنه "في السابق، لم يكن أي من الفتيات مهتمات باللجوء، أما الآن فهن جميعا على علم به، ويعرفن خطط الهروب. كما أن لديهم فرصة أكبر في أن يقبلوا في الدول الأخرى وعلى اطلاع أكبر بعملية اللجوء والأدلة التي يتطلبها".

في هذا السياق توافق ياسمين محمد، الناشطة في مجال حقوق المرأة، على ما قيل، حيث أوردت لموقع "إنسايدر" أن "شبكات التواصل الاجتماعي تظهر النساء وهن يتنزهن ويبتسمن ويعشن ويسعدن ويشجعن النساء الأخريات على الخروج، وهي صورة تزيّف الخطاب الذي يترامى إلى مسمع النساء السعوديات طوال هذه السنين".

رهف القنون، المرأة السعودية التي تبلغ من العمر 18 سنة والتي فرت من أسرتها، خلال ظهورها في مركز كوستي كورفاتي التعليمي في تورنتو

صرح منصور العسكر، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لمجلة "ذي إكونوميست" في مايو/ أيار من سنة 2017، أن أكثر من ألف امرأة يهربن من المملكة العربية السعودية سنويا، كما تواصل قوانين الوصاية في التغير أيضًا داخل الحدود السعودية، ولكن ببطء شديد. ومنذ سنة 2013، أبلغت المملكة الأمم المتحدة بأنها ستلغي نظام الوصاية الذكورية وكل أشكال التمييز ضد المرأة.

وفقا لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، قد أجرى السعوديون بعض التغييرات، حيث لم تعد المرأة  مطالبة بالحصول على تصريح الوصي للعمل أو إحضار أحد أقاربها من الرجال لتأكيد هويتها في المحكمة. وفي أبريل/ نيسان من سنة 2017، أعلم ولي العهد محمد بن سلمان جميع الهيئات الحكومية السعودية أنه لا ينبغي منع النساء من الحصول على الخدمات الحكومية بسبب افتقارهن لموافقة ولي الأمر، ما لم تنص القوانين على ذلك.

تذهب المحيميد إلى المدرسة كل يوم، وأصبحت تعمل في وظيفة بدوام جزئي، وتصف السويد بأنها "مكان جيد"، ولكنها تصرح أن العيش بدون أسرة أمر صعب، إلا أنها لا تستطيع العودة لبلدها

لقد مرت سنتان منذ أن تركت شهد المحيميد فندقها في تركيا وهربت من عائلتها. وخلال تواجدها في تبليسي، التقت المحيميد مع إحدى اللاجئات التي فرت كذلك من دولة إسلامية متشددة. وبفضل هذا اللقاء، تم الاتصال بها من قبل نشطاء في حقوق الإنسان الذين أحالوها بدورهم إلى الأمم المتحدة، ومن ثم مُنحت حق اللجوء، وفي النهاية، منزلاً في السويد. ولكن، رفضت شهد الكشف عن موقعها المحدد، ضمانا لسلامتها.

اليوم، تذهب المحيميد إلى المدرسة كل يوم، وأصبحت تعمل في وظيفة بدوام جزئي، وتصف السويد بأنها "مكان جيد"، ولكنها تصرح أن العيش بدون أسرة أمر صعب، إلا أنها لا تستطيع العودة لبلدها. ومنذ أن كانت في سن 12 سنة، ناضلت المحيميد لفهم المنطق وراء الاعتقاد بأن الله سيعاقبها بسبب ممارسة حرية التفكير، حيث أضافت قائلة: "لم أكن أنتمي إلى هذه الحياة، لقد كرهتها من كل قلبي".

من جهة أخرى، تشعر شهد بالقلق على صديقاتها في المملكة العربية السعودية، وأشارت إلى أن بعضهن محتجزات فيما يسميه السعوديون "بيوت الحماية"، وهو المكان ذاته الذي يعتقد أن دينا علي السلوم محتجزة فيه. وأردفت شهد قائلة "ما زلت عرضة للخطر حتى في السويد، لكن هذه الحياة هي هويتي اليوم،  فلقد رأيت الكثير من الأشياء وهذا ما جعلني أستطيع التعامل مع أي شخص".

الموقع: إنسايدر