في صفعة جديدها تلقاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نواب حزبه والمعارضة على حد سواء، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي، أمس الإثنين، بغالبية كبيرة (72-24) على تعديلٍ ينتقد قرار الرئيس سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان، في مؤشر يعكس حجم الرفض الشديد لسياسات ترامب.

رؤية المجلس في انتقاد قرار الانسحاب تأتي في إطار ما تواجهه أمريكا حاليًّا من "تهديدات من مجموعات إرهابية تعمل في سوريا وأفغانستان، وبأن انسحابًا متسرعًا للولايات المتحدة يُمكن أن يعرض التقدم الذي تم إحرازه، وكذلك الأمن القومي، للخطر" وهي الرؤية التي تناقض تصريحات ترامب السابقة إبان إعلانه قرار الانسحاب في الـ19 من ديسمبر الماضي.

جلسة الأمس كانت استكمالاً لجلسة أخرى عقدها المجلس الخميس الماضي، صوت الأعضاء خلالها بغالبية كبيرة على تعديل، يفيد أن تنظيم "داعش" في البلدين (سوريا والعراق) لا يزال يشكل خطرًا للولايات المتحدة، وهو تصويت رمزي، ينتقد قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، وجاء بغالبية كبيرة من أعضاء مجلس الشيوخ (68 مقابل 23).

وتعد هذه الخطوة أول تصويت إجرائي ضد قرار الرئيس الأمريكي، ومن المتوقع أن يحال إلى التصويت النهائي بعد ظهر اليوم الثلاثاء، قبل إرساله في نهاية المطاف إلى مجلس النواب الذي يهيمن عليه الديمقراطيون، فأمام هذه الضغوط هل يجد ترامب نفسه مضطرًا للتراجع عن قرار الانسحاب؟

معارضة شديدة للقرار

رغم تشكيل الجمهوريين الغالبية في مجلس الشيوخ (53 من أصل 100 مقعد) فإن التصويت النهائي كان ضد قرار ترامب، حيث صوت ثلاثة منهم فقط ضده، فيما وافقت الغالبية العظمى (70)، على التعديل الذي سيتم إلحاقه بقانون أشمل يتعلق بالأمن في الشرق الأوسط.

ومن المستغرب أن من تقدم بهذا التعديل هو زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي ميتش ماكونيل الذي عرف عنه مراعاته تجنب توجيه انتقادات للرئيس الأمريكي بصورة علنية، حيث قال دفاعًا عن التعديل المقترح إن تنظيمي "داعش" و"القاعدة" لم يُهزما بعد، وهو ما يتعارض مع تصريحات أدلى بها ترامب في وقت سابق.

أمام هذه الضغوط أبدى ترامب مرونة نسبيًا في التعاطي مع قراره وإستراتيجية تنفيذه، البعض فسرها وقتها بأنه رضوخ لما تعرض له من انتقادات وهجوم

وأضاف "سأعترف بخطر الانسحاب المتسرع من أي من النزاعين، وسأسلط الضوء على الحاجة للانخراط الدبلوماسي والحلول السياسية للصراعات الكامنة في سوريا وأفغانستان"، ومن المفترض أن يكمل هذا التعديل الذي تم التصويت عليه مشروع قانون بشأن الأمن في الشرق الأوسط يتضمن فرض عقوبات جديدة على سوريا وقد يحمي السلطات المحلية الأمريكية إذا قررت عدم العمل مع شركات تُقاطع "إسرائيل".

وكان ترامب قد أعلن في ديسمبر الماضي وبشكل مفاجئ أنه سيسحب قوات بلاده من سوريا والمقدرة بألفي جندي، ما أثار حينها حالة من الجدل بين مؤيد ومعارض، تعمق هذا الجدل أكثر مع ما أثير بشأن احتمالية مغادرة أفغانستان كشرط لتسوية النزاع مع حركة طالبان بعد 17 عامًا من الحرب.

الرئيس دونالد ترامب

تغيير إستراتيجية الانسحاب

إرهاصات الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سوريا لم تكن في ديسمبر الماضي كما يعتقد البعض، فقبلها بعشرة أشهر تقريبًا وبالتحديد في مارس 2018 وفي أثناء خطاب شعبوي ألقاه أمام عمال صناعيين في أوهايو، أعلن ترامب نيته في سحب قوات بلاده من سوريا، مصرحًا بأنه سيكون "قريبًا جدًا، وترك الآخرين يتولون الاهتمام بها" دون أن يفصح عن المزيد من المعلومات بشأن آلية تنفيذ هذا القرار الذي أثار الجدل بين مرحب به وقلق بشأنه ومناشد بالتراجع عنه.

التصريحات حينها لم تلق ردود الفعل المتوقعة خاصة أنها جاءت بمعزل عن أجهزة الدولة السيادية رغم أنها وفق نظر البعض لا تعدو كونها "ضجيجًا فارغًا" لا محل له من الإعراب على أرض الواقع أسوة بالكثير من القرارات والتصريحات التي قطعها الرئيس الأمريكي على نفسه منذ حملته الانتخابية وحتى الآن، إلا أن تكرارها مرة أخرى في ديسمبر وضعها تحت مجهر العناية والاهتمام من شتى الأطراف المعنية بالأزمة السورية على حد سواء.

عاصفة من الاعتراض الشديد رافقت هذا القرار حتى من بين إدارته، فضلاً عن صقور سابقين في البيت الأبيض، من بينهم وزير الدفاع الأسبق جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون ووزير الخارجية السابق تيلرسون، وبديله مايك بومبيو، فقد رأوا أن الانسحاب المبكر من سوريا لا يصب في الصالح الأمريكي.

كان ماتيس - وهو وزير دفاع وقتها - قد أعلن، أكثر من مرة، أن قوات بلاده في سوريا لفترة طويلة، كذلك جرى الحديث بشأن احتمال زيادة عددها، كما أن ماتيس وتيلرسون سبق أن تحدثا عن ضرورة بقاء الولايات المتحدة منخرطة في سوريا، ليس من أجل منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" فقط وإنما أيضًا في إطار "المعركة على النفوذ بين دول عدة، من بينها روسيا وإيران".

وأمام هذه الضغوط أبدى ترامب مرونة نسبيًا في التعاطي مع قراره وإستراتيجية تنفيذه، البعض فسرها وقتها بأنه رضوخ لما تعرض له من انتقادات وهجوم، وفي الـ23 من ديسمبر تراجع عن الآلية التي سيتم وفقها سحب قوات بلاده الموجودة في شمالي سوريا.

جاء ذلك في اتصال هاتفي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ترامب، قال الأخير إنه تطرق فيه إلى سحب قواته من سوريا "بشكل منسق وبطيء"، حسب تغريدة له، فيما علق عليه الأول - بتغريدة أخرى - بأنه أجرى مكالمة هاتفية "مثمرة" مع نظيره الأمريكي، معربًا عن أمله في أن "تحمل الخير للبلدين والمنطقة"، مضيفًا: "توافَقنا على تعزيز التنسيق بين بلدينا في العديد من القضايا، انطلاقًا من العلاقات التجارية إلى المستجدات في سوريا، وآمل أن تحمل الخير لبلدينا ولمنطقتنا".

بين الطمأنة والتحذير

بالعودة إلى الوراء قليلاً في محاولة لتفسير دوافع إعلان ترامب عن خطوة الانسحاب في محاولة لفهم احتمالية التراجع عنه في إطار الضغوط الممارسة عليه، نجد أن تصريحاته لا يمكن فصلها عن الظرف الزمني والسياسي الذي تحياه الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا، خاصة مع تأزم موقفه جراء توالي الفضائح في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي دخلت نفقًا جديدًا بعد الضغط على عدد من الشهود الأساسيين في القضية، بخلاف توسعة دائرة التحقيقات لتشمل فضائح جديدة بشأن المحيطين به بما في ذلك تلقي أموال مقابل الترويج للإمارات والسعودية والتحريض على قطر عن طريق رجل الأعمال لبناني الجنسية جورج نادر، وذلك من خلال علاقته بإليوت برودي أحد كبار جامعي التبرعات لحملة ترامب، فكان لا بد من ضجة إعلامية تخفف الضغط الممارس على الرئيس داخليًا.

هذا بخلاف الخسائر التي تكبدتها واشنطن في سوريا منذ دخولها وربما كانت الدافع وراء إبرام مقايضة سياسية مع روسيا تقتضي بترك الساحة السورية لموسكو صاحبة اليد العليا حاليًّا، في مقابل صمتها عن الوجود الأمريكي في دول الجوار على رأسها العراق مثلاً.

سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان بحجة الخسائر البشرية والاقتصادية التي تتكبدها واشنطن من وراء استمرارها يبدو أنه مبرر لم يقنع الكثير من المسؤولين الأمريكيين حتى داخل الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس نفسه

كذلك ربما توصلت إدارة ترامب مع أنقرة لاتفاق يخفف من حدة التوتر بين الجانبين في الآونة الأخيرة، يقتضي بسحب واشنطن قواتها الموجودة في شمال سوريا والداعمة للميليشيات الكردية الممتدة على طول الحدود بين سوريا وتركيا، مما يسهل للقوات التركية إنهاء عملية "غصن الزيتون" على أكمل وجه دون الصدام مع القوات الأمريكية هناك.

وفي السياق ذاته سعى ترامب إلى طمأنة حلفائه في المنطقة، على رأسهم "إسرائيل" والسعودية، فالأولى عبر التأكيد على ضمان عدم استهدافها من الداخل السوري من خلال توفير الضمانات الروسية من جانب أو التخطيط لإبعاد الميليشيات الإيرانية الموجودة هناك عن الشريط الحدودي مع الدولة العبرية.

سعوديًا.. فإن إبقاء القوات الأمريكية في العراق بمثابة رسالة الطمأنة للسعوديين بالتحرك في أي وقت ضد أهداف سوريا حال وجود أي طارئ يستهدف توسيع النفوذ الإيراني هناك أو تقويض الدور السعودي، وفي المقابل على الرياض تحمل كلفة هذا الوجود ودفع نصيب واشنطن من إعادة إعمار سوريا.

مجلس الشيوخ الأمريكي

هل يتراجع ترامب؟

في الـ20 من يناير الماضي وبعد ستة أيام من المفاوضات، اختتمت المحادثات التي استضافتها قطر بين المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان زلماي خليل زاد، وأعضاء المكتب السياسي لحركة "طالبان" في الدوحة، حيث ناقش الجانبان عملية المصالحة الوطنية وتحقيق السلام في أفغانستان.

المباحثات أسفرت عن مسودة اتفاق سلام أولية وافق الجانبان عليها تنص على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 18 شهرًا من توقيع الاتفاق، فيما أشار مبعوث السلام الأمريكي إلى إحراز تقدم خلال المحادثات وإن لم يتسن التوصل إلى اتفاق رسمي بشكل نهائي غير أنه عبر عن تفاؤله مشيرًا إلى استئناف المباحثات قريبًا.

طالبان اشترطت لإحراز تقدم في المفاوضات سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وهو الشرط الذي لم تعترض عليه واشنطن، ومن ثم بدأ الحديث عن موعد قريب لإنهاء الوجود الأجنبي وعلى رأسه الأمريكي داخل الدولة الأفغانية، لكن يبدو أن الوضع ربما يتغير بعد الضغوط التي مورست على ترامب وربما تدفعه إلى التراجع عن هذا القرار ومن ثم فشل المفاوضات واستمرار الحرب والنزاع المستمر قرابة 17 عامًا.

تصويت الشيوخ الإثنين وإن لم يكن له تأثير حقيقي على السياسة التي يختار ترامب اعتمادها  في المنطقة العربية، لكنه يعبر عن المعارضة الواسعة حتى بين مؤيديه

سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان بحجة الخسائر البشرية والاقتصادية التي تتكبدها واشنطن من وراء استمرارها يبدو أنه مبرر لم يقنع الكثير من المسؤولين الأمريكيين حتى داخل الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس نفسه، في مقابل الدفاع عن إستراتيجية أمريكا الخارجية ومصالحها في الشرق الأوسط بالبقاء في بعض بقاعها الساخنة بحجة القضاء على التنظيمات الإرهابية هناك.

تصويت الشيوخ الإثنين وإن لم يكن له تأثير حقيقي على السياسة التي يختار ترامب اعتمادها في المنطقة العربية، لكنه يعبر عن المعارضة الواسعة حتى بين مؤيدي الرئيس نفسه لسحب القوات الأمريكية المتسرع من سوريا، وهو ما يعني ضغطًا جديدًا يضاف إلى الضغوط الممارسة على ترامب منذ تنصيبه.

الساعات والأيام القليلة القادمة ربما تحمل الكثير من المفاجآت بشأن مستقبل وجود القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في سوريا وأفغانستان، غير أنه من المؤكد أن ترامب لن يصمد طويلاً في مواجهة عواصف المعارضة لقراره، وإن دفعه ذلك إلى البحث عن إستراتيجات جديدة يحقق بها المواءمة بين قراره والتعديلات المقدمة للبرلمان.