تواجه السلطات الجزائرية والأحزاب والشخصيات المستقلة، التي تنوي المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري في شهر أبريل/نيسان القادم تحديًا كبيرًا يتمثل في تنامي ظاهرة العزوف الشعبي عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، نتيجة أسباب عدة أبرزها فقدان الأمل في التغيير، والدعوات الواسعة للمقاطعة.

أحزاب المعارضة تبدأ المقاطعة

حملة المقاطعة بدأت من أحزاب وقوى معارضة، تضع الاستحقاق الرئاسي المقبل ضمن سياق استمرارية النظام الحاكم، بسبب توجه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للترشح لولاية رئاسية خامسة، رغم مرضه المتواصل منذ سنة 2013 وعجزه عن القيام بوظائفه.

وأعلن أقدم أحزاب المعارضة في البلاد "جبهة القوى الاشتراكية"، أنه لن يقدم مرشحًا إلى الانتخابات الرئاسية، ودعا إلى "مقاطعة فعلية مكثفة وسلمية" لعمليات الاقتراع، واعتبرت جبهة القوى الاشتراكية في القرار الذي اعتمده مجلسها الوطني، أن شروط إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وشفافة (...) ليست متوفرة".

وأكدت الجبهة في بيان أصدرته يوم الجمعة الماضي، وهي أقدم حزب معارض في الجزائر، أنها لن تقدم مرشحًا ولن تدعم أي مرشح آخر، لأن المشاركة لا تعني سوى توفير واجهة ديمقراطية لاقتراع محسوم مسبقًا لصالح مرشح النظام، ودعت الجبهة إلى مقاطعة هذا الاقتراع، كون أصوات المواطنين فيه لا تقدم ولا تؤخر في النتيجة النهائية للسباق.

لا يشاهد الجزائريين بوتفليقة عادة، إلا في مقاطع فيديو قصيرة يبثها التليفزيون الرسمي خلال استقباله مسؤولين أجانب يزورون البلاد في مقره الرئاسي

سبق أن أعلنت زعيمة حزب "العمال" اليساري، أحد أبرز أحزاب المعارضة، لويزة حنون، قرارها عدم الترشح والمشاركة في الانتخابات المرتقبة، قائلةً: "الانتخابات الرئاسية ليست الأولوية بالنسبة لي، الأولوية هي تحرير البلاد من النظام الذي جعل الجزائر بلا دماء، ويرفض إعطاء الكلمة للشعب"، وأضافت "أعتقد أن الأولوية هي وضع تدابير سياسية واجتماعية واقتصادية كحسن نية عن إرادة قوية للتغيير".

وقبل ذلك، أعلنت "جبهة العدالة والتنمية" (حزب إسلامي) التي يقودها المرشح الرئاسي السابق عبد الله جاب الله، أنها غير معنية بالانتخابات المقبلة، وقال جاب الله إنه لا يرى أي جدوى من المشاركة في هذا الاستحقاق، طالما أنه لم يتم إحداث إصلاح جوهري في نظام الانتخابات من خلال إسناد مسألة تنظيم الانتخابات إلى هيئة مستقلة تتميز بالنزاهة والاستقلالية.

من جهته، أعلن حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" المعارض والممثل في البرلمان، عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية، مؤكدًا أنه "يرفض تعيينًا آخر لرئيس الدولة"، ووصف المتحدث باسم الحزب النائب ياسين عيسوان الانتخابات المرتقبة بـ"التهريج الذي نرفض أن نشارك فيه"، وكان الحزب الذي لديه تسعة نواب من أصل 462 في البرلمان، قد دعا في انتخابات 2014 إلى مقاطعة الاقتراع.

تخشى العديد من القوى الجزائرية تزوير الانتخابات

من المتوقع أيضًا أن تعلن "حركة مواطنة"التي تضم أحزابًا وشخصيات معارضة بينها حزب "جيل جديد" و"الاتحاد من أجل التغيير" و"الاتحاد الديمقراطي" و"حزب الوطن"، بالإضافة إلى رئيس الحكومة السابق أحمد ببيتور، ورئيس رابطة حقوق الإنسان صالح دبوز، ومجموعة من الناشطين والصحافيين المستقلين، مقاطعتها الانتخابات في حال أعلن بوتفليقة ترشحه بصفة رسمية، وذلك لـ"عدم إضفاء نوع من الشرعية على هذه العهدة الخامسة".

الخشية من التزوير

يرى العديد من الجزائريين أن لا فائدة من الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الـ18 من شهر أبريل/نيسان المقبل، ما دامت النتيجة معروفة من الآن، فمنظومة الحكم لن تتخلى عن الامتيازات التي تتمتع بها منذ عقود لفائدة الشعب، خاصة مع إعلانها الرسمي ترشيح بوتفليقة للرئاسة مرة أخرى.

وقبل أيام، أعلنت أحزاب التحالف الرئاسي في الجزائر ترشيحها رسميًا للرئيس عبد العزيز بوتفليقة للانتخابات الرئاسية المقررة في 18 من أبريل/نيسان القادم، وهي خطوة تسبق على الأرجح تقديم بوتفليقة ترشيحه شخصيًا.

وجاء في بيان صدر بعد اجتماع قادة أربعة تشكيلات سياسية "إن أحزاب التحالف الرئاسي ترشح المجاهد عبد العزيز بوتفليقة للانتخابات الرئاسية المقبلة، تقديرًا لسداد حكمة خياراته وتثمينًا للإنجازات المهمة التي حققتها الجزائر تحت قيادته الرشيدة واستكمالاً لبرنامج الإصلاحات التي بدأها".

وينهي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يرأس الجزائر منذ عام 1999، ولايته في 28 من أبريل، ويدعوه أنصاره منذ عدة أشهر إلى الترشح لولاية خامسة، لكن بوتفليقة (81 عامًا) لم يكشف بعد عما ينوي القيام به، وأمامه مهلة تنتهي منتصف ليل الثالث من مارس للقيام بذلك.

يشعر المواطن الجزائري، بدرجة كبيرة من الإحباط، نتيجة عجز السلطات الحاكمة على الاستجابة لتطلعاته وتحقيق مطالبه وحقوقه المشروعة

إعلان ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، يؤكد وفق العديد من المراقبين، أن النظام ومن حوله ليس لديهم أي نية لمغادرة الحكم في البلاد بل يسعون للخلود فيه، ولا يريدون ترك الجزائر تدخل مرحلة دولة القانون ولا السماح بالتغيير وفقًا لأسس الديمقراطية التي أضحت بمثابة ديمقراطية الحزب الواحد والرجل الأوحد.

ويقول الصحفي والأستاذ الجامعي عبد الكريم تفرقنيت لنون بوست: "عدم الثقة في النتائج والشعور بأن هذه النتائج غير صحيحة وهناك تزوير، من شأنه أن يزيد من حجم العزوف على الذهاب إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات".

ولا يشاهد الجزائريون بوتفليقة عادة، إلا في مقاطع فيديو قصيرة يبثها التليفزيون الرسمي خلال استقباله مسؤولين أجانب يزورون البلاد في مقره الرئاسي، ورغم هذا يأبى بوتفليقة والمحيطين به أن يترك الحكم ويسمح بتغيير سلمي في البلاد التي تعاني من أزمات عديدة.

وتنتهي مهلة تقديم الترشيحات منتصف ليل 3 من مارس/آذار، ولم يعلن بوتفليقة إلى الآن قراره بالترشح، إلا أنه بالنسبة لأحمد أويحيى "لا يوجد أي شك بخصوص ترشحه"، كما أكد في وقت سابق خلال مؤتمر صحفي.

لا أمل في التغيير ولا الحياة

تواصل نفس المنظومة في سدة الحكم لعقود عدة دون أن تشهد البلاد تغيير يذكر، أفقد العديد من الجزائريين الأمل في الانتخابات، ما جعلهم يقررون مقاطعتها، في هذا الشأن تقول الشابة الجزائرية نور العين زركة: "الشباب الجزائري واعٍ ولا أحد يمكن له أن يستغفله بشعاراته وكلامه المعسول".

ويشعر المواطن الجزائري، بدرجة كبيرة من الإحباط، نتيجة عجز السلطات الحاكمة على الاستجابة لتطلعاته وتحقيق مطالبه وحقوقه المشروعة، خاصة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، رغم امتلاك البلاد لثروات نفطية هائلة لها أن تؤهلها إلى الارتقاء إلى الدول الكبرى.

وتضيف نور في تصريح لنون بوست: "كلما يقترب موعد انتخابي، نبدأ في سماع الأغاني المعتادة، من قبيل، أنتم الشباب عماد البلاد وأنتم مستقبلها لذا عليكم أن تنتخبوا وتقرروا، حتى نحقق طموحاتكم ونقضي على البطالة وننجز المشاريع لكم وغيرها من الوعود، لكن ما إن تنتهي الانتخابات وتظهر النتائج حتى تختفي تلك الوجوه لتعود في الظهور في الانتخابات القادمة".

فقد الجزائريون الأمل في التغيير

تكرر هذا الأمر أكثر من مرة جعل الشباب الجزائري أكثر وعيًا من السابق، وتقول الجزائرية نور العين: "شباب اليوم واعٍ أكثر مما سبق بألاعيبهم، فهو يعي أن هدفهم المنصب والجاه وليس أكثر، فالكل يريد أن ينهب المزيد ويسرق أموال الدولة وخيراتها".

وتابعت "الآن نجد الجميع، يتغنى بالمقدرة الشرائية للمواطن ويقترح الحلول خاصة من جماعة السلطة، لكنهم نسوا أنهم في السلطة منذ أكثر من 20 سنة، دون أن يحركوا ساكنًا بل العكس، فالأوضاع تزداد تدهورًا يومًا بعد آخر"، وتؤكد محدثتنا أن "لا أحد يبحث عن صالح الشاب الجزائري لهذا كل الشباب تداولوا عبارة "يؤكلني الحوت ومياكلنيش الدود" فالكل أصبح يرى في الهجرة طوقًا للنجاة".

وختمت نور العين زركة حديثها لنون بوست بالقول: "الشعب لم يفقد الأمل في التغيير فقط، بل فقد الأمل في الحياة أيضًا، فقط المسؤولين لهم أن يعيشوا وينعموا بخيرات البلاد وثرواتها، هم فقط وأبنائهم الأجلاء لا أكثر".

يصف أتباع النظام وأنصاره، كل محاولات التغيير ضربًا للاستقرار في البلاد، فهم الوحيدون المؤهلون لحكم البلاد، بعد أن أنقذوها وفق ادعائهم من براهن الحرب الأهلية من خلال سن قانون الوئام المدني الذي يعتبر أول قرار سياسي اتخذته السلطة تجاه الجماعات المسلحة في البلاد، مباشرة بعد فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات أبريل/نيسان 1999.