ما إن تم تعيينها في منصبها الجديد كوزيرة للتربية الوطنية في الـ5 من مايو/أيار 2014، خلال حكومة عبد المالك سلال الثالثة، حتى بدأ الجدل يرافقها، إنها الباحثة الفرانكفونية نورية بن غبريط رمعون، الوزيرة الأكثر جدلاً في الجزائر، فما إن تتكلم حتى تحدث جدلاً، وإن كانت ليست استثناءً، إلا أن الحكومة متمسكة بها، لا تبغي التخلي عنها.

منع الصلاة في المدارس؟

في آخر خروج إعلامي لها، أعلنت الوزيرة نورية بن غبريط، أن الصلاة "ممارسة مكانها المنزل" وليس في المؤسسات التعليمية، في ردها على جدل بشأن معاقبة تلميذة بمدرسة الجزائر الدولية بباريس التابعة للوزارة بسبب الصلاة، وهو ما أثار سخط العديد من الجزائريين.

وردت الوزيرة الجزائرية على سؤال بشأن القضية على هامش زيارتها إلى منطقة "برج بوعريريج": "هذه التلميذة أعطيت لها الملاحظة لكنها خرجت إلى ساحة المدرسة المفتوحة على الجوار (..) ومديرة المؤسسة قامت بعملها فقط"، وقالت بن غبريط: "التلاميذ حينما يذهبون إلى المؤسسات التربوية فذلك من أجل التعلم، وأظن هذه الممارسات (الصلاة) تقام في المنزل، ودور المدرسة هو التعليم والتعلم".

وكانت المدرسة الجزائرية الدولية بباريس قد شهدت الأسبوع الماضي حادثة إقصاء تلميذة من الدراسة لمدة أسبوع من مديرة المؤسسة، وهي مهددة للإقصاء النهائي في حال إذا رفض ولي أمرها التوقيع على تعهد يلتزم من خلالها بعدم أداء ابنته لصلواتها بالمؤسسة مستقبلاً.

ينص القانون المنظم للمؤسسات التعليمية الصادر عام 1991، مادته 21 على تخصيص قاعة صلاة بالمؤسسات التعليمية من إدارتها

قبل ذلك، قررت وزارة التربية التي تشرف عليها بن غبريط، منع فتح مصليات جديدة على مستوى المؤسسات التربوية، إلا بترخيص من مصالح مديريات التربية للولايات، بحجة أنها لا تدخل ضمن مرافق المؤسسة التعليمية، ودعت الوزيرة بن غبريط في الندوة المرئية التي جمعتها بالمديرين الجهويين للتعليم، إلى استغلال تلك الأماكن في الدراسة أو للمطالعة، بدل الحديث في كل مناسبة عن مشكلة الاكتظاظ.

وخاطبت الوزيرة المديرين: "في كل مرة ترفعون تقارير وشكاوى وتطرحون من خلالها مشكلة الاكتظاظ الذي تشهده معظم المدارس على المستوى الوطني، وتطالبون بحلول سريعة، في حين أن هناك أماكن - تقصد المصليات - يمكن استغلالها من خلال العمل على تحويلها لتصبح أقسامًا جاهزة إما للدراسة أو للمطالعة أو لتقديم نشاطات ثقافية".

مواقع التواصل تتفاعل

حديث الوزيرة، أحدث جدلاً واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سارع العديد من الجزائريين والعرب بالتنديد بتصريحات بن غبريط، مؤكدين سعيها لضرب الهوية العربية الإسلامية، فضلاً عن عدم احترام القانون الجزائري، إذ ينص القانون المنظم للمؤسسات التعليمية الصادر عام 1991، مادته 21 على تخصيص قاعة صلاة بالمؤسسات التعليمية من قبل إدارتها.

ودشن نشطاء، حملة باسم "صلاتي حياتي"، للتعبير عن تنديدهم الكبير بما قامت به الوزير وما اعتبروه اعتداءات متكررة على ثوابت الشعب، ونشرت صفحة مستغانم التي تضم قرابة المئتين ألف مشارك مقطع فيديو لأستاذ يؤدي صلاة الظهر مع تلاميذه في الفصل.

بدوره اختار الناشط أيوب المسعدي التعليق على قرار الوزيرة بن غبريط الأخير بطريقته الخاصة، حيث نشر صورًا لأساتذة جزائريين يؤدون الصلاة في ساحات المدارس وداخل الأقسام، أرفقها بتعليق قال فيه "حملة صلاتي حياتي تجتاح المدارس الجزائرية".

من جانبه، كتب علاء الدين بلحوت، تدوينة على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي توتير، جاء فيها "سيدتي الوزيرة الصلاة مكانها في المنزل جيد جدًا، إذن النشيد الوطني مكانه الثكنة وليس حرم المدرسة ... الانتخابات مكانهم البلدية وليس أقسام المدارس".

وطالبت أمينة الحكومة الجزائرية بإقالة الوزيرة، واستبعادها من الحكومة نتيجة ما قامت به، وكتبت أمينة تدوينة جاء فيها، نطالب كشعب لهذه الدولة بتنحية نورية بن غبريط من منصبها كوزيرة للتربية! بتهمة الإساءة لصورة الجزائر والشعب الجزائري والإساءة للدين الإسلامي الذي هو من ثوابت الشعب.

أحزاب تندد

التنديد بقرار الوزيرة لم يكن في مواقع التواصل الاجتماعي فقط، حيث سارعت حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، إلى التنديد بما وصفته "التضييق والتصرف الذي ينافي مبدأ حرية المعتقد والحريات الفردية والجماعية الذي تجرأت عليه وزيرة التربية في حق التلاميذ المصلين"، واعتبر بيان صدر عن الحركة أن "تدخل منظمة الروتاري الدولية في الموضوع بدعمه للوزيرة يعد تدخلاً أجنبيًا في الشؤون الداخلية".

النقابات التعليمية تقول إن لا هدف لوزيرة التربية من الناحية البيداغوجية والتعليمية منذ مجيئها سوى فرنسة المدرسة الجزائرية والجزائر عامة

من جانبه، أدان حزب حركة البناء الوطني الإسلامي التصريحات الصادرة عن الوزيرة، واعتبرها "مساسًا بمشاعر الشعب الجزائري، واعتداءً على قيمه وشعائره الدينية، ونذيرًا باستهانة بعض المسؤولين بالدستور الحامي لدين الدولة وثوابتها"، وحذّر الحزب من جر المدرسة إلى التلاعبات السياسية والصراعات الأيديولوجية، إذ إن وزارة التربية مسؤولة عن إنجاح المنظومة التربوية، وتفوق الطالب الجزائري، وليس من حقها تسخير أبناء الشعب لتصفية الحسابات الأيديولوجية لأن مستقبل الجزائر مرهون بمستقبل المدرسة".

واعتبرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي أكبر تنظيم لعلماء الدين في البلاد، عبر رئيسها عبد الرزاق قسوم أن تعاطي المسؤولين مع قضايا الدين والهوية غير مقبول، فثوابت الأمة خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال الاقتراب منه، ولا يوجد ما يؤكد صدور تعليمات مكتوبة تمنع الصلاة داخل مؤسسات التعليم، ولكن الثابت أن هوية الجزائر تعرف منذ عقود هجمة شرسة للنيل منها.

جدل متواصل

الجدل الذي أحدثته هذه الحادثة، ليس الأول في مشوار بن غبريط، فمسيرتها مليئة بالجدل، فهي أكثر الشخصيات الجزائرية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، على مستوى قطاع التربية والتعليم خصوصًا، وعلى مستوى الساحة السياسية عمومًا.

وسبق أن اقترحت الوزيرة في ندوة عن "تقييم الإصلاح التربوي"، إدراج اللهجة العامية الجزائرية في المراحل الابتدائية من التعليم بدل اللغة العربية الفصحى، التي اعتمدت بالدستور الجزائري لغة رسمية أولى، منذ استقلال البلاد العام 1962، غير أن الحكومة تراجعت عن اعتماد هذا المقترح، بعد معارضة شديدة تبناها الإسلاميون الذين اعتبروا قرار وزارة التربية بالبلاد، مساسًا بقدسية اللغة العربية.

كما سبق، أن استعانت وزارة التربية في عهد بن غبريط بباحثين وخبراء فرنسيين لصياغة إصلاحات "الجيل الثاني" أو ما يُعرف بـ"إصلاح الإصلاحات" التي بدأت عام 2002، ما أكد وفق النقابات التعليمية، أن لا هدف لوزيرة التربية من الناحية البيداغوجية والتعليمية منذ مجيئها سوى فرنسة المدرسة الجزائرية والجزائر عامة.

تتهم بن غبريط بضرب المدرسة الجزائرية

من النقاط التي أثارت جدلاً في مسيرة بن غبريط أيضًا، تضمن كتاب الجغرافيا الجديد للصف الأول من المرحلة الإعدادية وزع على التلاميذ عام 2016، اسم "إسرائيل" على الخريطة بدلاً من اسم فلسطين، رغم أن كل الخرائط المعتمدة في الجزائر، سواء في المقررات الدراسية أم في المؤسسات والهيئات الرسمية، لا تعترف بوجود دولة "إسرائيل"، وتضع اسم دولة فلسطين على الخريطة، وتم سحب الكتاب بعد ذلك بحجة أن الخطأ كان مطبعيًا.

وسبق أن أقدمت الوزيرة - ابنة محافظة تلمسان في الغرب الجزائري - وهي نفس المحافظة التي ينحدر منها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة - أيضًا بحذف البسملة من مقدمات الكتب المدرسية استثناء كتاب التربية الإسلامية، بدعوة قيامها بتطبيق "برنامجًا إصلاحيًا" للمنظومة التعليمية، بموافقة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من أجل النهوض بالمستوى التعليمي، بعيدًا عن الأطر الإيديولوجية.

ومطلع عام 2016 راجت تسريبات عن قرار وزاري بضرورة إتقان اللغة الفرنسية كشرط ضروري في مسابقات توظيف المدرسين، قبل أن تطفوا إلى الواجهة تسريبات أخرى عن ضغوط لإلغاء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من الكتب المدرسية.

الجدل الذي رافق نورية بن غبريط رمعون منذ تعيينها على رأس وزارة التربية في الجزائر، لم يتوقف عند خرجاتها الإعلامية وقرارتها المتتالية، بل وصل حد هويتها، ففي أول أيامها في الوزارة واجهت الوزيرة العديد من التهم المتعلقة بأصولها، حيث ذهب البعض إلى القول إن الوزيرة من أصول يهودية، وإن لم يثبت أحد صحة هذه الدعوى. 

تتهم بن غبريط، بمحاولة تغريب وفرنسة المدرسة الجزائرية من خلال إضعاف ثوابت الهوية الوطنية لدى الناشئ

تقول بن غبريط رمعون التي ولدت يوم 5 من مارس/آذار 1952 في مدينة وجدة بالمغرب، وتنحدر من ولاية تلمسان الجزائرية، إن أصلها أمازيغي، وإنها عربية مسلمة، كما كشفت أنها حفيدة قدور بن غبريط الذي قالت إنه مؤسس ومنشئ مسجد باريس في عشرينيات القرن الماضي.

تغريب وفرنسة المدرسة

يصف العديد من الجزائريين نورية بن غبريط رمعون، بأنها ذات توجه فرانكفوني، أي أنها تنتمي إلى التيار الذي يعمل على تكريس اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية في الجزائر، وقد تعرضت بسبب هذا التوجه إلى انتقادات حادة منذ توليها منصب وزارة التربية الوطنية منتصف سنة 2014.

وتتهم بن غبريط، بمحاولة تغريب وفرنسة المدرسة الجزائرية من خلال إضعاف ثوابت الهوية الوطنية لدى الناشئ، خاصة ما يتعلق باللغة والدين ومسخ البرامج الدراسية وإفراغها من أي محتوى ديني بسبب طريقة إدارتها ملف التربية والتعليم، وهو ما تنفي الوزيرة صحته، وتتهم الوزيرة أيضًا بتأجيج الجدل بشأن صراع الهوية الذي لم يحسم بعد داخل المجتمع الجزائري، حتى باتت المدرسة واجهة له.

يرى العديد من الجزائريين، إنهم مستهدفون من بن غبريط وأمثالها وهم كثر، يرتبطون بعقلية وذهنية غربية لا تمت بصلة للذهنية والعقلية الجزائرية، وهو ما يتبين من خلال قراراتهم الغربية والمخالفة لتوجه غالبية الشعب الجزائري.