عاد الحديث مؤخرا في تونس عن ضرورة استقالة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وتشكيل حكومة جديدة، تكون بمثابة حكومة انتخابات، خاصة وأن البلاد لا تفصلها عن الموعد الانتخابي المرتقب، سوى بضع الأشهر القليلة، إلا أن الجديد هذه المرة أن الشاهد سيستجيب ويقدم استقالته مطلع شهر مارس المقبل وفق مصادر لنون بوست، فما الذي دفع رئيس الحكومة للاستجابة بعد أن كان يرفض مجرد الحديث عن استقالة الحكومة، والانتخابات القادمة؟

تحيا تونس

في الـ 27 من شهر يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن العشرات من نواب البرلمان التونسي والوزراء، تشكيل حزب جديد يحمل اسم "تحيا تونس"، يتزعمه رئيس الوزراء الحاليّ يوسف الشاهد، داعين داعيا الأحزاب والقوى الوسطية والتقدمية إلى التجمع حول المشروع السياسي الجديد.

ويقدم الحزب الجديد نفسه كحركة وسطية امتدادًا للدولة الوطنية التي أسسها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة إبان فترة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1956، وكانت الكتلة البرلمانية قد بدأت قبل أشهر في تنظيم اجتماعات في عدة محافظات مع تنسيقيات جهوية، تمهيدًا لتنظيم المؤتمر التأسيسي للحزب الجديد الذي سينظم بعد شهرين.

ما فتئ السبسي يمني نفسه أن تنزلق البلاد إلى أتون الفوضى والعنف نتيجة اشتداد الأزمة بين الحكومة والعمال

أغلب النواب والسياسيين المكونين للحزب هم مستقيلون من حزب حركة نداء تونس الذي فاز بانتخابات 2014 وشهد لاحقًا أزمات وانشقاقات داخلية شملت رئيس الحكومة نفسه الذي جمد نداء تونس عضويته، بالإضافة إلى نواب آخرين مستقلين وشخصيات وطنية.

وجاء تأسيس هذا الحزب، في أعقاب أشهر من الخلافات المحتدمة بين قيادات النداء الذي يقوده نجل الرئيس الباجي قائد السبسي، وتفكك الحزب وانسلاخ عديد القيادات منه، ما جعل الشاهد يقتنص الفرصة ويؤسس حزبه الجديد، عله يأخذ المشعل من النداء.

رجال الأعمال

في الفترة التي ترأس فيها الشاهد الحكومة التونسية، خاصة الأخيرة منها، التي تميزت بانسداد قنوات الحوار بينه وبين نداء تونس، تمكن رئيس الحكومة الشاب من كسب ود عديد الشخصيات الوطنية ورجال الأعمال المهمين في البلاد.

وتمكن الشاهد، بفضل رئاسته للحكومة ومسكه زمام الحكم ودواليب الدولة في تونس، من جلب رجال أعمال كثر إلى صفه لمعاضدته في مجهوداته المستقبلية، بعد أن أغراهم بصفقات ومشاريع كبرى، على حساب رجال أعمال أخرين بقوا في صف السبسي الأب والابن وجماعتهم.

استعمل الشاهد مؤسسات الدولة لفرض حزبه الجديد

لم يقف الشاهد، عند كسب ود بعض رجال الأعمال فقط، بل إنه استعمل أجهزة الدولة أيضا، لاستبعاد رجال الأعمال المناوئين له، والزج بهم في السجون بتهم تتعلق أغلبها بالفساد، الدي يدعي رئيس الحكومة محاربته لانقاد تونس من براثنه.

الحرب على المدارس القرآنية

قبل أيام قليلة، كشف تحقيق صحفي تلفزيوني في تونس عن انتهاكات ممنهجة يتعرض لها أطفال مدرسة قرآنية واقعة بمنطقة نائية في مدينة الرقاب التابعة لمحافظة سيدي بوزيد (وسط غرب تونس)، بعدها مباشرة، أعلنت السلطات التونسية اغلاق المدرسة ونقل الأطفال إلى العاصمة للرعايا.

لم تكتفي الحكومة بذلك، حيث أقدمت على اغلاق العديد من المدارس القرآنية التي قالت إنها عشوائية وتعمل دون ترخيص في العديد من مناطق البلاد. ويقول بعض المراقبين إن يوسف الشاهد استغل هدا الأمر لدفع التهم الموجهة إليه بخدمة الإسلاميين.  

كسب معركة الاضراب

كان من المنتظر أن تشهد تونس خلال الأيام القليلة القادمة اضرابا عن العمل أقرته المركزية النقابية لمدة يومين، للضغط على الحكومة ودفعها للاستجابة لمطالبها، اضراب عام راهن عليه العديد من منافسي الشاهد خاصة من حزبه الأم النداء، لإضعافه واخراجه في ثوب المنهزم المدافع عن سياسات الصناديق المانحة غير مهتم بالقدرة الشرائية للتونسيين، إلا أن هذا الاضراب قد تم الغاؤه، بعد أن توصل الطرفين إلى اتفاق.

ألغى الاتحاد العام التونسي للشغل، أمس الخميس، الاضراب العام الذي كان مقررا في الـ 20 والـ 21 من هذا الشهر بعد أن توصل إلى اتفاق مع الحكومة على زيادة أجور 670 ألف موظف عام، ليضعا بذلك نهاية لأشهر من التوتر. ويأتي الاتفاق بعد أشهر من الخلاف بين الطرفين مما دفع اتحاد الشغل لتنظيم إضراب عام الشهر الماضي شل حركة النقل البري والجوي وشهد خروج الآلاف للتظاهر.

استطاع رئيس الوزراء التونسي الشاب يوسف الشاهد، منذ توليه منصبه في قصر القصبة في شهر أغسطس/أب 2016، أن يقوي مكانه بعد أن كان سياسيًا مغمورًا

عقب حفل توقيع الاتفاق قال نور الدين الطبوبي الأمين العام لاتحاد الشغل "الاتفاق هو انتصار لكل الشغالين وانتصار لكل تونس". وأضاف قائلا "الاتفاق رسالة ايجابية وسيساهم في إيجاد مناخ اجتماعي جيد". من جهته قال توفيق الراجحي وزير الإصلاحات الاقتصادية "الحكومة اشترت السلم الاجتماعي".

وكان الرئيس الباجي قائد السبسي، يراهن كثيرًا على الإضراب العام الملغى، لتسجيل أهداف في مرمى خصمه السياسي رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وترجيح الكفة لصالحه باعتباره "صمام أمان" الديمقراطية التونسية الهشة، إلا أن الاتفاق الموقع بين الحكومة والمركزية النقابية قد أضاع على السبسي الفرصة.

في الوقت الذي كان الجميع، يعتقد صعوبة التوصل لاتفاق بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة التي يرأسها خصمه السياسي الشاب يوسف الشاهد، وحدوث وقيعة نهائية بينهما، نتيجة أسباب داخلية وخارجية، تمكن الشاهد من قلب الطاولة وكسب نقاط لصالحه تعزز حظوظه فيما يصبو إليه في الأشهر القادمة.

وما فتئ السبسي يمني نفسه أن تنزلق البلاد إلى أتون الفوضى والعنف نتيجة اشتداد الأزمة بين الحكومة والعمال، في ضل سياق اقتصادي واجتماعي صعب، تميز بارتفاع حالة الاحتقان في البلاد، حتى يظهر في ثوب منقذ تونس من حمام دم، كما يحلو له أن يروج لنفسه دائمًا، الضامن لاستقرار مهد الثورات العربية.

استقالة مرتقبة

كل هذه العوامل أدت إلى اقتناع يوسف الشاهد بضرورة الخروج في أقرب من وقت ممكن من قصر الحكومة بالقصبة وتقديم استقالته من منصب، خاصة بعد أن تأكد أن حركة النهضة ستقترح قريبا مسألة حكومة انتخابات، تكون مهمتها الاعداد للانتخابات القادمة المنتظر اجراؤها في شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ويرى الشاهد والمحيطين به، أن الوقت قد حان للخروج من مجمع القصبة الحكومي بعد أن استحوذوا على عديد الملفات التي تهم أطراف عديدة من مشارب مختلفة، لها أن تساعدهم في قادم الأيام للتحضير للانتخابات، وضمان مكانة هامة لهم فيها.

يسعى حزب الشاهد الجديد إلى الفوز بالانتخابات القادمة

وفق مصادرنا الخاصة، فإنه من المتوقع أن يعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي رفض أن يكون بمثابة وزير أول وفقًا للنظام السياسي القديم المعمول به في البلاد قبل الثورة، استقالته من منصبه في شهر مارس/ آذار المقبل، للتفرغ لحزبه الجديد والتحضير للانتخابات بعد أن قام بتأمين خروجه في ثوب المنتصر الغيور على تونس.

ويعمل يوسف الشاهد، الذي بدأ حياته السياسية مع الحزب الجمهوري (وسط) قبل أن ينتقل لحركة نداء تونس سنة 2012 كعضو في مكتبه التنفيذي، ويكلف برئاسة لجنة التوافق التي أسسها رئيس الجمهورية خلال الأزمة التي عصفت بحزبه "نداء تونس" أواخر سنة 2015، إلى تعبيد الطريق لقصر قرطاج حتى وإن نفى ذلك في أكثر من مرة.

استطاع رئيس الوزراء التونسي الشاب يوسف الشاهد، منذ توليه منصبه في قصر القصبة في شهر أغسطس/أب 2016، أن يقوي مكانه بعد أن كان سياسيًا مغمورًا، حتى إنه استطاع استمالة الكتلة الأساسية لنواب حزب نداء تونس، ووراثة الحلف القائم مع "النهضة"، ما أفقد الرئيس السبسي كل أوراقه السلطوية.