خلال الأيام أخذت بعض الأقلام الصحفية والأصوات الإعلامية المقربة من حكومة الرئيس السوداني عمر البشير تروج إلى ما أسمته "انحسار الاحتجاجات"، ومصطلح "احتجاجات" بالتحديد مقصود من وسائل الإعلام الحكومية والموالية لها، فالاحتجاج أقل درجة من المظاهرة، وللأسف وقعت كثير من وسائل الإعلام العالمية المستقلة في الفخ، وأخذت تتداول كلمة احتجاجات لوصف ما يجري في السودان منذ ال19 من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي.

البشير ينقلب على قانون النظام العام

الرئيس البشير التقى بوفدٍ من رؤساء تحرير الصحف اليومية وكبار الكتاب مساء الأربعاء الماضي، تحدّث عن الشباب الذين يقودون التظاهرات، وأكّد أنهم شباب تربوا في زمن تصدير النفط وعاشوا فترة الرخاء "قبل انفصال الجنوب"، لكنه عدّد أسباب لخروج الشباب في المظاهرات منها أن حجم الوظائف لا يوازي أعداد الخريجين وحتى من يجدون فرصًا للتوظيف فإن عائد مدخل الخدمة لا يحقق طلباتهم، مبينًا أن التطلع لأوضاع أفضل خلق نوعًا من الاحتقان، وكشف عن طرحهم لبرامج استقرار الشباب والتمويل الأصغر، وصوّب البشير انتقادات حادة للمصارف، وقال: "مصارفنا لا ربوية لكن لا نسميها إسلامية، مؤكدًا أن المرابحة أكثر ظلمًا من الربا." على حد تعبيره.

خطاب البشير أمام الصحفيين أوجد حالة من السخرية في أوساط الشباب

وفي انقلاب مذهل على ما كان يدافع عنه طيلة ال30 عامًا الماضية بدعوى التمسك بالشريعة الإسلامية، صوّب البشير انتقادات لاذعة لما أسماه "التطبيق الخاطئ لقانون النظام العام"، واعتبر ذلك من الأسباب التي أدت إلى حدوث غُبن وسط الشباب، مشددًا على أن "تطبيق قانون النظام العام ضد الشريعة الإسلامية بـ180 درجة."، وقطع بإحضار المسؤولين في القضاء والنيابة والشرطة لإيقاف مثل هذا العبث، وأضاف عمر البشير: "ما في حاجة اسمها ارتكاب أعمال فاضحة، مشيرًا إلى أن التطبيق الخاطئ للقانون أصبح محل ابتزاز وتشهير، وشدّد أن "التجسس على الخصوصيات محرم وأن أي شخص داخل منزله مباح له فعل أي شيء."

خطاب البشير أمام الصحفيين أوجد حالة من السخرية في أوساط الشباب، فدَّون العديد منهم قائلين "هل فهم البشير من كل الحراك أننا نريد إسقاط قانون النظام العام"؟، بينما أبرز صحفيون وإعلاميون أن البشير لا يزال يغرد خارج السرب بإصراره على اختزال الأزمة في شقها الاقتصادي والقضايا البسيطة وكأنه لم يسمع مطلقًا بأن مطالب المتظاهرين هي تنحيه شخصيًا وإسقاط النظام ، فعلى سبيل المثال قال الكاتب ياسر مجحوب الحسين : "ما يبدو لي أن مجمل لقاء البشير بالصحفيين شكلًا ومضمونًا يكرس البون الشاسع بين الجماهير وبين قيادة الدولة؛ فبينما كانت المطالب في حدها الأدنى تنحّي البشير فقد كان اللقاء بالرئيس تأكيدًا لرئاسته وفوق ذلك كان جزءً من سياسة الكمادات."

ويعلق الحسين في تدوينةٍ أخرى بقوله "الرئيس يقول أن احتياجات البلاد من الدولار في العام ١١ مليار دولار بينما عائد الصادرات ٤ مليارات دولار. حسنًا فمن المسؤول؟ منذ ٣٠ عامًا ولم تستطع أن تحقق فقط مجرد التوازن بين الوارد والصادر. فماذا تنوي فعله ولماذا تشكو للصحفيين عوضًا عن بحث الأمر مع حكومتك؟"

اعتراف صحفيين مقربين من الرئيس بقوة الحراك الشبابي

عدد من الصحفيين تحدّثوا عندما أُتيحت لهم الفرصة في لقاء البشير عن قوة المد الثوري وأنه وصل إلى منازلهم، وأن المظاهرات هدأت أم انحسرت أم قلّت فهي موجودة وكل يومٍ تأخذ شكلًا جديدًا كما قال رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم أحمد البلال الطيب، وأضاف بشجاعة أن "الحياة لا يمكن أن تستمر هكذا.. الجامعات مغلقة أمام الطلاب والاقتصاد شبه متوقف، مع الإنفاق الهائل على الأمن بدلًا من الإنفاق على التنمية"، وتحدّث الصحفي المقرب من الحكومة عن مخاوف من اضطرابات أو انفلات أمني متوقع، كما لم ينسَ عدد من الصحفيين المطالبة بوقف العنف والقتل وضرورة محاسبة القتلة وجبر الضرر لأسر الشهداء وإطلاق سراح المعتقلين.

ولكن ما يؤخذ على الصحفيين والإعلاميين الذين شهدوا لقاء الرئيس البشير أنهم لم يتحدثوا أمامه بصراحة عن أهم الأسباب التي أدت إلى خروج المظاهرات، وهي إصراره على البقاء رئيسًا للبلاد، وسعيه لتخطّي كل العقبات التي تحول دون ذلك، بما فيها تعديل الدستور، فكّنا نتمنى أن ينبري أحد الصحفيين ليسأله لماذا تصّر على ترشيح نفسك في ظل هذه الأزمة والفشل الكبير، وأنت الذي تعهّدت أكثر من مرة بأنك لن تكون رئيسًا للسودان عام 2015 وقطعت جازمًا بأنك لن تترشح لانتخابات 2020 لأن "لا دستور الحزب ولا دستور البلاد يسمح بذلك" كما قلت  للإعلامية خديجة بن قنّة؟

موكب قوي في ال7 من فبراير والبشير يعود إلى نظرية المؤامرة

نعود إلى ما ذكرناه في بداية المقال عن ترويج الإعلاميين المقربين من الحكومة السودانية بأن المظاهرات قد انحسرت وقلّت، فغداة لقاء البشير مع الصحفيين ردّ الشباب على إعلاميي النظام بمظاهراتٍ حاشدة ضمن #موكب7فبراير الذي دعا إليه تجمع المهنيين السودانيين الكيان الذي لا تعترف به حكومة البشير والذي نجح في جمع الشباب حوله بدرجة حيّرت الحزب الحاكم ومنسوبيه، إذ تكفي مجرد تغريدات من التجمع تدعو للخروج في موكب أو مظاهرة فتجد الآلاف أو المئات من الشباب في الشارع استجابة للنداء رغم مخاطر القتل والقمع والاعتقال.

شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي ضغطًا عنيفًا على الحكومة السودانية دفعها لتشكيل لجنة للتحقيق في عمليات القتل والتعذيب التي حدثت للمتظاهرين

ففي تمام الواحدة من ظهر أمس الخميس، توسّعت التظاهرات في العاصمة السودانية، وانتقلت من قلب الخرطوم إلى عدد من أحياء المدينة، حسب شهود عيان، قالوا إن الشرطة فرّقت بالغاز المسيل للدموع عدة مواكب لو تُركت لصارت موكبًا عظيمًا. وردّد المشاركون "رُص (إجمع) العساكر رص الليلة تسقط بس"، مشيرين إلى أنّ قوات مكافحة الشغب واجهت المحتجين بالغاز المسيّل للدموع. كما هتفوا "سلمية سلمية ضد الحرامية".

وبعد اللهجة التصالحية التي انتهجها البشير مؤخرًا تجاه الشباب السوداني، عاد مساء الخميس ليصب جام غضبه على المتظاهرين، قائلًا " إن الحملة الإعلامية المساندة للاحتجاجات التي تشهدها البلاد، تم تمويلها بمبالغ مالية كبيرة من جهات معادية للبلاد"، من دون تسمية تلك الجهات أو ذكر المبالغ المالية، ويمكن تفسير عودة البشير لمهاجمة الحراك بأنه فوجئ بعودة التظاهرات القوية ظهر الخميس بعد أن تلقّى تقارير أمنية سابقة تفيد بانحسارها، وأنه يمكن له حلّ الأزمة باتخاذ قرارات على شاكلة إلغاء قانون النظام العام سيء السمعة، والذي يعتبره كثيرون أنه قانون شُرّع لإهانة المرأة السودانية وانتهاك حرمة المنازل، إلى جانب اتخاذ الرئيس قرارات شكلية أخرى مثل الحديث عن إتاحة التمويل الأصغر للشباب وتوسيع فرص العمل وخلافه.

وشكّلت وسائل التواصل الاجتماعي ضغطًا عنيفًا على الحكومة السودانية دفعها لتشكيل لجنة للتحقيق في عمليات القتل والتعذيب التي حدثت للمتظاهرين، وبالأخص جريمة القتل البشعة التي جرت لمعلم مدينة خشم القربة شرقي البلاد "أحمد الخير"، والتي أدّت إلى صدمة في أوساط الشعب كافة لأن المذكور اعتقل بكامل صحته وعاد من معتقلات الأمن جثة هامدة بفعل التعذيب العنيف الذي تعّرض له، وتحت الضغط أقّرت اللجنة بأن الراحل قضى نحبه تحت وطأة التعذيب ولم يمت مسمومًا كما قال مدير شرطة ولاية كسلا للتليفزيون. 

ويدرك البشير تمامًا أن الحملة الإعلامية التي يتحدث عنها موجودة فقط في وسائل التواصل الاجتماعي التي سخر منها من قبل قائلًا إنها لا تغير الحكومة، رغم أن حكومته أصدرت قرارات بإغلاقها منذ بداية المظاهرات ويدرك كذلك أن مستخدمي وسائل التواصل في السودان يتحايلون على الحجب باستخدام التقنيات في ظل التعتيم الكامل الذي يمارسه الإعلام الرسمي والتضييق على الصحف اليومية المستقلة التي تُمنع من تغطية تطورات المظاهرات، وأعداد الضحايا.

كاتب بريطاني يتوقع تنحي البشير

في خضم ما يجري من أحداثٍ متسارعة في السودان، توقّع الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون شرق إفريقيا مارتن بلاوت أن يترك عمر البشير منصبه في نهاية المطاف، ويذهب إلى المنفى. معتبرًا أن البشير قد يختار قطر كموطن مستقبلي.

ويرصد الكاتب أربعة أسباب تجبر البشير على ذلك أولها: الضغط الذي يواجهه من المحتجين وأن الاحتجاجات لا تختفي فهي أفضل تنظيمًا وأكثر تصميمًا من أي وقت مضى. والمتظاهرون ليسوا فقط من الفقراء ، بل سودانيين من الطبقة الوسطى - بما في المهنيين.

ثانيًا، تردد بعض من مؤيدي الرئيس. وقد أدلى وزير الدفاع السوداني ورئيس الوزراء مؤخرًا ببيانات تبدو أقل انتقادًا للمعارضة من ذي قبل.

ثالثًا، بحسب الكاتب، هناك اتجاه في أوساط المجتمع الدولي لإزالة أو إلغاء قرار الاتهام الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد البشير. إذا حدث ذلك ، فقد يقنعه بأن التهديد لأمنه قد خفت حدته.

رابعًا، لدى حركات التمرد في السودان فهمًا واضحًا لما يحدث، لم يهاجموا ولم يطلقوا النار مما سمح للفرصة بأن تنجح الاحتجاجات.

وغير بعيد من مقالة مارتن بلاوت، سرّبت مصادر برلمانية في السودان، لموقع باج نيوز عن اتجاه لوقف الإجراءات الهادفة إلى إدخال تعديلات على دستور البلاد تسمح بترشيح البشير لولاية جديدة، وتوقعت مصادر الموقع المعروف بأخباره الموثوقة أن يصدر رئيس المجلس الوطني، إبراهيم أحمد عمر، خلال الأيام المقبلة قرارًا يقضي بتعطيل عمل اللجنة الطارئة لدراسة التعديلات الدستورية تنفيذًا لرغبة تحالف قوى “2020” بإيقاف التعديلات الدستورية كمقترح للوصول لحل للوضع الراهن.

هذا المقترح يمكن أن يمثل حلًا وسطًا مقبولًا يحفظ للرئيس البشير ماء وجهه بإكمال فترته الحاليّة، ويُرضي طموحات الشباب الراغبين في إسقاط النظام ولو أن السقف ما يزال عاليًا للمنضوين تحت لواء تجمع المهنيين السودانيين الذين لا يرون حلًا للأزمة إلا بتنحي البشير والنظام كاملًا وتسليم السلطة لحكومة انتقالية من التكنوقراط بما يتوافق مع المبادرة التي طرحها أساتذة جامعة الخرطوم كبرى الجامعات السودانية.