المتظاهرون ينظمون احتجاجا في الخرطوم بالسودان، في كانون الثاني/ يناير

ترجمة وتحرير: نون بوست

في تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 1964، كان عضو اتحاد الطلاب في جامعة الخرطوم عبد الله إبراهيم يدون بعض الملاحظات خلال ندوة نظمها احتجاجًا على الدكتاتورية العسكرية، ليصبح مؤرخا لأهم فترة في تاريخ سودان ما بعد الاستقلال. وقد أطلقت الشرطة، التي أرسلت لحل تلك الندوة، النار على أحمد القرشي، وهو ناشط طلابي آخر.

في اليوم التالي، انضم عشرات الآلاف من الأشخاص إلى موكب جنازة القرشي، مما أدى إلى اندلاع انتفاضة قادتها مجموعة من الطلاب والنقابات المهنية. وبعد بضعة أيام، تسبب إضراب عام في شل حركة البلاد، وخلال ثورة أكتوبر السودانية، نجح الشعب في إسقاط الحكومة في غضون شهر.

منذ شهرين، أيد البرلمان السوداني التعديل الدستوري الذي ينص على تمديد فترة ولاية الرئيس الحالي عمر البشير، الذي ستنتهي فترة حكمه قانونيا بحلول السنة المقبلة. وبعد أسبوعين من صدور هذا القرار، اندلعت احتجاجات طلابية في عطبرة، مسقط رأس إبراهيم، على إثر تضاعف أسعار الخبز ثلاث مرات بين ليلة وضحاها.

قللت وسائل الإعلام من شأن هذه الاحتجاجات وصنفتها على أنها "شغب مرافق لغلاء الخبز" أو صدمة ما بعد أحداث الربيع العربي

منذ ذلك الحين، انتقل آلاف المتظاهرين إلى العاصمة حيث واجهوا عنف الشرطة، والغاز المسيل للدموع، والاعتقالات الجماعية. وقد شجع إبراهيم، الذي كان أستاذا فخريا في جامعة ميسوري، المظاهرات من بعيد وقال لي إن "هؤلاء الأشخاص كانوا أعضاء في الحكومة لمدة ثلاثين عاما ولم يواجهوا تهديدًا مماثلا من قبل، ولا حتى من قبل المتمردين المتمركزين في جبال دارفور".

لقد قللت وسائل الإعلام من شأن هذه الاحتجاجات وصنفتها على أنها "شغب مرافق لغلاء الخبز" أو صدمة ما بعد أحداث الربيع العربي، لكن كلا الوصفين لا ينصفان حقيقة الأوضاع السائدة في الخرطوم. يعرف السودان بتاريخه الحافل بالعصيان المدني السلمي، الذي نجح سابقا في إسقاط الأنظمة العسكرية في تشرين الأول/  أكتوبر من سنة 1964، ونيسان/ أبريل من سنة 1985. ويعتقد العديد من السودانيين أن الحكومة الحالية، التي وصلت إلى السلطة خلال الانقلاب الذي قضى على المكاسب التي حققتها الاحتجاجات المدنية لسنة 1985، هي خطأ كبير يجب إصلاحه.

فيما مضى، تمكن المتظاهرون من إسقاط الحكومات في أقل من أسبوعين، لكن الاحتجاجات الحالية متواصلة وقد بلغت أسبوعها الثامن، ويبدو أن النظام مستعد لدرء النزعة الثورية للشعب. وقد اتخذ النظام الحالي إجراءات "للتصدي للانقلاب" من خلال إبقاء الجنود الذين قد يتعاطفون مع الشعب في المناطق الريفية، ونشر القوات الأمنية الخاصة في العاصمة لقمع المعارضة السياسية.

رسميا، تم اعتقال ألف شخص على صلة بالاحتجاجات لكن العدد الفعلي أكبر بكثير من ذلك. ومن جهة أخرى، تم إطلاق سراح موزان النيل بعد احتجازها لمدة ستة أيام، وهي مهندسة مقيمة في الخرطوم وشاركت في الاحتجاجات وتعرضت للضرب من قبل عناصر جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذين كانوا مجردين من الزي الرسمي.

على إثر إعلان السودان استقلاله عن الحكم الإنجليزي-المصري سنة 1956، تركت السلطة البريطانية التي كانت تعتمد على الحكم غير المباشر من خلال مجموعة مختارة من الزعماء الدينيين وزعماء القبائل الكثير من الأراضي والثروات بين أيدي قلة من العائلات

حيال هذا الشأن، قالت النيل مشيرة إلى فترة اعتقالها "إن ردة الفعل التي تتخيلها في مثل هذا الوضع، تختلف كلياً عن الطريقة التي يعمل بها دماغك عندما تعيش هذا الموقف في الواقع. أنت لا تستطيع الاختيار بين الاستسلام أو المقاومة، فهم المسيطرون في هذه المرحلة". وكل يوم خميس تسهر النيل إلى وقت متأخر في انتظار الإعلان عن الاحتجاجات المقررة في الأسبوع المقبل.

على إثر إعلان السودان استقلاله عن الحكم الإنجليزي-المصري سنة 1956، تركت السلطة البريطانية التي كانت تعتمد على الحكم غير المباشر من خلال مجموعة مختارة من الزعماء الدينيين وزعماء القبائل الكثير من الأراضي والثروات بين أيدي قلة من العائلات. ونتيجة لذلك، تمحورت الأحزاب السياسية الرئيسية حول هذه العائلات بالذات، ولكن بسبب صعوبة اختيار مرشح واحد من بينهم، تبلور مجلس السيادة المتكون من خمسة أعضاء. وبعد سنتين من الحكم، أطاحت الحكومة العسكرية بهذا المجلس، والتي أسقِطت بدورها خلال الانتفاضة العامة سنة 1964.

مثلت الحكومة الانتقالية الخالية من النخبة السياسية القديمة والمكتظة برجال الأعمال الناشئين فرصة أمام الشباب لإنشاء حكومة ذات نظام تمثيلي. وأورد إبراهيم أن "هذه هي الحكومة الأولى والأخيرة في السودان التي كان المهندسون والأطباء والأطباء البيطريين أعضاء فيها". لكن الحكومة المدنية الجديدة، التي تعاني من الاضطرابات الاقتصادية، والاقتتال الداخلي، والجيش، قد سقطت في نهاية المطاف خلال انقلاب سنة 1969.

سنة 1985، برزت الانتفاضة الشعبية العسكرية مرة أخرى مبشرة بالديمقراطية، لكن مساعيها أجهضت بالانقلاب الذي ساعد عمر البشير في الوصول إلى السلطة. في المقابل، قامت حكومة البشير باستبدال أعضاء الطبقة الإدارية والمجتمع المدني بالأفراد الموالين للحزب، كما شرعت قواته الأمنية في تعذيب النشطاء في أماكن سرية تعرف باسم بيوت الأشباح. كما أنشأت هذه الحكومة نظامًا فيدراليًا جديدًا يضم مؤيديها على المستويات المحلية من جميع أنحاء البلاد.

كانت هذه الحكومة تعول على الحرب التي تمحورت حول الصراع الطويل ضد المتمردين في الجنوب وفي دارفور، إلى جانب عدم الاستقرار العام الذي تشهده المنطقة، لتبرير قرارات قيادتها

مُنعت النقابات والجمعيات المهنية والأحزاب السياسية من تأدية عملها في فترة تنامى فيها انعدام المساواة. لقد أخبرني مجدي الجزولي، وهو زميل في معهد ريفت فالي، أن "الأحزاب الكبرى قد فقدت قوتها ببطء مما تسبب في خلق فراغ سياسي. كما أن الفساد"، الممول بفضل عائدات الثروات النفطية، "لم يكن واقعا فعليا، بل كان مجرد وسيلة لتطبيق هذا النوع من السياسة".

لقد كانت هذه الحكومة تعول على الحرب التي تمحورت حول الصراع الطويل ضد المتمردين في الجنوب وفي دارفور، إلى جانب عدم الاستقرار العام الذي تشهده المنطقة، لتبرير قرارات قيادتها. وفي هذا السياق، أشار الجزولي إلى أن "الحكومة كانت تحذر بشكل أساسي دائرتها الانتخابية من وجود الكثير من الناس الخطرين، وأنها هي المنقذ الوحيد". وعلى الرغم من استقرار الأوضاع إلى حد كبير في الغرب، ونجاح عملية إدماج اللاجئين في المناطق التي مزقتها الحروب في جميع أنحاء البلاد، إلا أن النظام يواصل استغلال التوترات القديمة لصالحه.

أخبرتني النيل أن حجة الحكومة الحالية هي "نعم ، قد يكون هذا النظام سيئًا، ولكن إذا سقطت، فإن الدارفوريين سيأتون ليقتلونكم". وقال الجزولي، في السنوات التي شهدت ازدهار قطاع النفط بين أواخر التسعينات وبداية القرن الواحد والعشرين،  كان هناك اتفاق غير معلن بين الحكومة والطبقات العليا يقوم على ترك الحكومة وشأنها مقابل الحفاظ على الدعم الكبير الموجه للنفط والخبز والحماية من العنف.

يشير الاقتصاد المتعثر إلى أن المزيد والمزيد من السودانيين، وليس الطبقات الدنيا فقط، قد أصبحوا ضحايا اقتصاديات الدولة العسكرية. ووفقا لأحدث التقديرات، يعيش ما يقرب من نصف السكان تحت خط الفقر وقد ارتفع التضخم بنسبة ثلاثين في المائة مقارنة بالعام الماضي. وخلال التصدي للمتظاهرين، سقط المزيد من ضحايا العنف. وحيال هذا الشأن، قال آل حاجة "الحياة لا تطاق هنا. نحن نخاف من هيئات إنفاذ القانون أكثر من المجرمين".

مشاركة طلاب دارفور في الاحتجاجات الحالية قد تحدى دعاية النظام، وأرسى إحساسًا بالوحدة في العاصمة

لقد أعرب الشعب السوداني عن رفضه لهذه الحكومة منذ وقت طويل. واليوم، ومع رحيل جنوب السودان الذي يمثل مصدر ثروة طائلة من النفط، وجد النظام العسكري نفسه يفتقر إلى عدو مقبول ومصدر تمويل. فالجهاز العسكري الكبير الذي كان يبرر وجوده بقمع التمردات الداخلية يثقل كاهل الاقتصاد. وفي تصريح له لـ "راديو دبنقا"، أفاد أحد الخبراء الاقتصاديين السودانيين بأن ميزانية السودان المقترحة لسنة 2018 خصصت أربعة عشر في المائة من الميزانية الاتحادية للخدمات الأمنية، مقارنة بثلاثة في المائة فقط للتعليم.

من جانب آخر، أخبرني زكريا مامبيلي، المؤلف المشارك لكتاب "انتفاضة أفريقيا" الذي تطرق إلى الاحتجاج الشعبي في أفريقيا، أنه "عندما لا يكون هناك عدو أو قتال، لا توجد طريقة لتبرير سبب وجودك".

إن العدد المتزايد من السكان الشباب متعددي الثقافات، بما في ذلك النازحين داخليا بسبب الحروب، قد أفشل مشروع النظام لفرض الهوية الإسلامية على البلاد. وفي الوقت نفسه، إن مشاركة طلاب دارفور في الاحتجاجات الحالية قد تحدى دعاية النظام، وأرسى إحساسًا بالوحدة في العاصمة. وعلى عكس المظاهرات السابقة، لا ينتظر المحتجون انضمام الجيش إلى التمرد.

كما أخبرني منتصر الطيب إبراهيم، أستاذ علم الوراثة في جامعة الخرطوم، أن "التاريخ يمكن أن يكون في بعض الأحيان حقيقة معوقة، عندما تحاول إعادة استخدامه". ويساعد الأساتذة في جامعة الخرطوم، بما في ذلك الطيب، على صياغة ميثاق الحرية والتغيير - الشبيه بالميثاق 77 للثورة المخملية لتشيكوسلوفاكيا لسنة 1989 - الذي سيشمل مقترحات لإنشاء حكومة مؤقتة وضمان الحقوق والحريات وبرنامج اقتصادي جديد شامل يجب على أي حكومة جديدة أن تضمنه. لذلك قال الطيب: "حتى مع الخوف، قرر الناس أن الحكومة يجب أن تتنحى".

لكن، لا يزال هناك عدد من المخاوف إذ يمكن لثورة مضادة، مثل الثورة التي جلبت الحكومة الحالية إلى السلطة، أن تعرقل مساعي التقدم. ويمكن للناخبين الحاكمين أن يستغلوا الاحتجاجات لإجراء تغييرات شكلية مع إبقاء النظام على حاله. وقد يتدخل حلفاء البشير في المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، الذين لديهم مصلحة في حكومته، لإرساء وضع شبيه لسوريا. 

 مع ذلك، إن الحكومة عموما قادرة فقط على مواجهة التهديدات العنيفة. ويقول إبراهيم إن "الفترة الوحيدة التي تم فيها إسقاط الحكومات في السياق السوداني لم تكن من خلال الصراعات العنيفة وإنما بالحركة الشعبية". وأضاف إبراهيم "أشعر أن الأشياء التي قمنا بها سنة 1964 تلقى رعاية جيدة من قبل الشباب. الجميع ينتظر كيف ستستجيب الحكومة والطبقة الحاكمة؟ وكيف تشن حربًا من أجل السلام؟

المصدر: نيويوركر