ثلاثة أشهر مضت ولا يزال الحديث في وسائل الإعلام العراقية والدولية يتمحور حول إعادة انتشار القوات الأمريكية في العراق، حيث تزايدت وتيرته بعد قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" الانسحاب من سوريا، مع أنباء تشير إلى إعادة نشر القوات المنسحبة في عدة مناطق في العراق.

الأسطر التالية تقرأ في مدى صدقية إعادة الانتشار الأمريكي في العراق، وأهم المواقع التي أعيد فيها الانتشار والأهداف.

تاريخ الوجود العسكري الأمريكي في العراق

يعود تاريخ الوجود العسكري الأمريكي في العراق إلى عام 2003، إبان الغزو الأمريكي للبلاد، واستمر التواجد الأمريكي في مختلف المحافظات العراقية، حتى الانسحاب الأمريكي من البلاد في ديسمبر/ كانون الأول 2011 وفق الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد الموقعة في عام 2008.

وكان الاستدعاء العراقي للقوات الأمريكية مجددا في يونيو/ حزيران 2014 بطلب من حكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق "نوري المالكي"، إثر اكتساح مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) أجزاء واسعة من الاراضي العراقية وسيطرتها على مدن بأكملها.

على الرغم من نفي قيادة العمليات المشتركة وجود أي زيادة في أعداد قوات التحالف الدولي في العراق، إلا أن هناك من يؤكد ذلك

بدأت العمليات الحربية لقوات التحالف الدولي  - تقوده الولايات المتحدة - في العراق في 15 حزيران/ يونيو 2014، ومع انتهاء العمليات العسكرية في العراق واستعادة القوات الأمنية السيطرة على كامل الأراضي في كانون الأول/ ديسمبر 2017 وإعلان رئيس الحكومة السابقة "حيدر العبادي" النصر الكامل، لا يزال الغموض يكتنف وضع القوات الأمريكية في العراق، إذ أن وجودها ما زال دون غطاء قانوني من حكومة "عادل عبد المهدي".

الانتشار الأمريكي الجديد في العراق

تداول نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) عددا كبيرا من مقاطع الفيديو تظهر تحرك قوات أمريكية راجلة وآلية في أكثر من منطقة في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى ومناطق أخرى.

وعلى الرغم من نفي قيادة العمليات المشتركة وجود أي زيادة في أعداد قوات التحالف الدولي في العراق، إلا أن هناك من يؤكد ذلك، إذ انه وبحسب صحيفة الخليج أون لاين الالكترونية، فإن مصدرا أمنيا في محافظة صلاح الدين (160 كم شمال بغداد) افاد الصحيفة بوصول مئات الجنود الأمريكيين إلى قاعدتي سبايكر والبكر الجويتين في المحافظة.

إذ أن أكثر من 400 جندي أمريكي حطوا رحالهم في قاعدة البكر الجوية قادمين من قاعدة عين الأسد في أقصى غرب محافظة الأنبار، في الوقت الذي وصل فيه قرابة 100 جندي آخرين إلى قاعدة سبايكر الجوية شمالي تكريت، بحسب الخليج أون لاين.

وما بين حديث عن تواجد قوات أمريكية في مطار بغداد الدولي وفي بعض مناطق العاصمة وانتشار جديد لها في نينوى والأنبار، يعتقد الخبير الأمني والاستراتيجي "هشام الهاشمي" في حديثه لـ "نون بوست" أن عديد القوات الأمريكية في العراق لم يطرأ عليه أي زيادة منذ انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش.

المحلل السياسي العراقي "رياض محمد" فيرى في حديثه لـ "نون بوست" أن الحكومة العراقية باتت في موقف حرج من الأنباء التي تشير إلى انتشار قوات أمريكية في العراق"

ويعتقد الهاشمي أن ما يحدث على الأرض فعليا هو خروج القوات الأمريكية من القواعد العسكرية وتحركها بين المدن وحول القواعد بعد أن كانت حبيسة أسوار قواعدها، في إشارة ضمنية أمريكية لدول الجوار الإقليمي مفادها أن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة عسكريا في العراق.

أما المحلل السياسي العراقي "رياض محمد" فيرى في حديثه لـ "نون بوست" أن الحكومة العراقية باتت في موقف حرج من الأنباء التي تشير إلى انتشار قوات أمريكية في العراق، إذ يوضح محمد أن الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تنص إحدى بنودها على الانسحاب الأمريكي من العراق قد انتهى مفعولها بانسحاب تلك القوات فعليا من العراق في عام 2011، وأن عودة تلك القوات إلى العراق مجددا في عام 2014 تم بطلب من حكومة المالكي ومن بعده العبادي.

وأضاف محمد أنه من منطلق سياسي براغماتي، فإنه لا يحق لأي سياسي في العراق أن يصف تلك القوات بالاحتلال، إذ أنها أتت بناء على طلب حكومي ومن أعلى المستويات في الدولة.

وعن مدى إمكانية تشريع البرلمان قانونا يجبر الحكومة على إخراج تلك القوات من العراق، أشار محمد في ختام حديثه إلى عدم امكانية ذلك في المدى المنظور بسبب الضغوط الأمريكية الكبيرة على حكومة "عادل عبد المهدي"، إضافة إلى أن تشريع البرلمان لمثل هكذا قانون لن يغير شيئا على أرض الواقع، إذ ان الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق قريبا في ظل احتدام الصراع الأمريكي الإيراني وفي ظل تصريحات ترامب التي تفيد بجهود أمريكية لمراقبة إيران من الأراضي العراقية، بحسبه.

يقول الخبير العسكري العراقي "أحمد الشريفي":  "إن التحركات العسكرية الأمريكية في العراق جاءت ضمن تراتبية في التوقيت، وكجزء من الاستراتيجيات المتبناة من قبل الرئيس ترامب، القائمة على الاحتواء المزدوج، والموجهة دوليا إقليميا ضد إيران"

من جانبه، يرى النائب عن محافظة الأنبار "فيصل العيساوي" أن التواجد الأمريكي على الاراضي العراقية وجود فاعل ومهم ولايستطيع العراقيون مطالبتهم بالرحيل الآن،  إذ أنه ليس احتلالا، مشيرا إلى أن القوات الأمريكية لا تقوم باي واجب دون موافقة الحكومة العراقية وهناك حاجة فعلية لوجودها، بحسبه.

التواجد الأمريكي وارتباطه بالصراع مع إيران

تصب كثير من التحليلات في أن الهدف من التواجد الأمريكي في العراق هو الحد من النفوذ الإيراني، إذ يقول الخبير العسكري العراقي "أحمد الشريفي":  "إن التحركات العسكرية الأمريكية في العراق جاءت ضمن تراتبية في التوقيت، وكجزء من الاستراتيجيات المتبناة من قبل الرئيس ترامب، القائمة على الاحتواء المزدوج، والموجهة دوليا إقليميا ضد إيران، فمفهوم الاحتواء الذي تتبناه الولايات المتحدة ضد إيران قد يبدأ بعقوبات اقتصادية، ولكنه من المحتمل أن ينتهي بعمليات عسكرية، لذلك هناك محاذير من تنامي الوجود الأمريكي في العراق".

ويبدو أن التواجد الأمريكي في العراق يكمن في تحقيق عدة أهداف للولايات المتحدة، إذ ان ترمب لم يخفي ذلك وصرّح به علانية في مقابلة له مع قناة CBS الأمريكية في بداية الشهر الحالي، وإعلانه بملء فمه أن هدف القوات الأمريكية هو مراقبة التحركات الايرانية من الأراضي العراقية، الامر الذي لاقى استنكارا كبيرا من رئاسة الجمهورية والبرلمان.

ما بين انتشار أمريكي جديد ورفض بعض السياسيين المحسوبين على إيران التواجد الأمريكي، يخشى العراقيون من تحول بلادهم إلى ساحة صراع جديد بين قوتين اتخذتا من العراق ملعبا لتصفية حساباتهما

التخوف الايراني من انتشار جديد للقوات الأمريكية في العراق، ظهر جليا من خلال تصريحات عدد من السياسيين المقربين من إيران، فضلا عن تصريحات لبعض قادة الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي، إذ ابدت جميع هذه الشخصيات امتعاضها ورفضها للتواجد الأمريكي.

إذ أعلن زعيم عصائب أهل الحق "قيس الخزعلي" في مقابلة له مع وكالة الأسوشييتد برس أنه لم يعد هناك مبرر لوجود آلاف الجنود الأمريكيين في العراق بعد هزيمة تنظيم داعش، لافتا إلى أنه سيتم طرد القوات الأمريكية في نهاية المطاف بالقوة إذا لم تستسلم الولايات المتحدة لإرادة البرلمان العراقي وتسحب قواتها.

وما بين انتشار أمريكي جديد ورفض بعض السياسيين المحسوبين على إيران التواجد الأمريكي، يخشى العراقيون من تحول بلادهم إلى ساحة صراع جديد بين قوتين اتخذتا من العراق ملعبا لتصفية حساباتهما.