قبل أسبوع، عقد مجلس الأمن جلسة هامة، ناقش فيها تنامي ظاهرة خطيرة تهدد السلم والأمن الدوليين، والبعض قد يتخيل أن الحديث عنها الآن، إما محض دعابة، أو دعايا شيطانية لأنظمة ديكتاتورية، تهوى انتاج هذا النوع من الفانتازيا الرديئة، لتخويف شعوبها من الحرية، ولكنها الحقيقة المرة، فالعالم أصبح يعيش كوابيس مرعبة بسبب المرتزقة، وخاصة في إفريقيا.  

ماذا حدث في مجلس الأمن؟

ناقش المجلس أنشطة المرتزقة، التي تزعزع الأمن وزعزعة الاستقرار في أفريقيا، بعد أن تسبب تنامي هذه الظاهرة، في زيادة حدة الصراعات وتهديد الاستقرار، في ظل تجاهل تام للقانون الدولي الإنساني، والقدرة على مسائلة رعاة نزعات شريرة، من مخلفات القرون الوسطى، وكان لافتا أن مجلس الأمن بكل أجهزته ومؤسساته، يحاول التغلب على الطبيعة الغامضة لهذه الفئات والحصول على بيانات وافية عنها، ولم يكن غريبا أن يتم الكشف عن انضمام 35 دولة فقط للاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة، التي اعتمدتها الجمعية العامة عام 1989، بما يوحي أن العالم في عمومه لم ينضج بعد، ولازالت تحكمه جينات الهمجية والرغبة في التوسع بالأعمال المخالفة للقانون.

خرجت الجلسة بالعديد من التوصيات، لتعزيز الأنظمة القانونية على الصعيدين العالمي والوطني، وزيادة التعاون الثنائي والإقليمي والدولي، وبشكل خاص في إدارة ورصد الحدود، ودراسة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تؤدي إلى تنامي أنشطة المرتزقة

ويكشف تواجد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأم المتحدة في مثل هذه الجلسة، وحديثه عن طبيعة أنشطة المرتزقة، وتطورها على مر السنين، وتوسعها لتشمل أنشطة الجريمة المنظمة والإرهاب والتطرف العنيف، والتهريب في منطقة الساحل، نهاية بأعمال العنف في انتخابات رسمية لبلدان إفريقية، كان أشهرها انتخابات كوت ديفوار عام 2010، عن اهتمام متأخر للعالم، بفهم حقيقة ما يحدث، والوقوف على معلومات دقيقة، لملاحقة هذه المليشيات التي تعذي دورة العنف في العالم وبشكل خاص المجتمعات الإفريقية.  

المجلس تناقش أنشطة المرتزقة كمصدر لانعدام الأمن وزعزعة الاستقرار في أفريقيا

خرجت الجلسة بالعديد من التوصيات، لتعزيز الأنظمة القانونية على الصعيدين العالمي والوطني، وزيادة التعاون الثنائي والإقليمي والدولي، وبشكل خاص في إدارة ورصد الحدود، ودراسة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تؤدي إلى تنامي أنشطة المرتزقة، بجانب وقف تدفق الأسلحة والعناصر الأجنبية المسلحة إلى جميع أنحاء وسط أفريقيا، ومكافحة الاستبعاد وتحسين المشاركة المدنية، وضمان الحكم الرشيد وتقديم خدمات عامة منصفة وحماية الأقليات والمجموعات الضعيفة الأخرى، وتعزيز الجهود لإيجاد فرص للشباب، تحد من عملية إغرائهم للالتحاق بالمرتزقة، وتمكين المرأة ومعالجة الأبعاد الجنسانية المتعلقة بنوع الجنس لأنشطة المرتزقة.

من هم المرتزقة .. وماذا يفعلون في إفريقيا ؟

بخلاف النظرة الدرامية التي يكتنزها في مخيلتنا كلما سمعنا هذا الوصف، يوضح التعريف الرسمي لمصطلح المرتزق، أنه فرد يتم الاستعانة به للمشاركة في نزاع ولكنه ليس جزءًا من جيش أو منظمة حكومية، وهو يقاتل بشكل أساسي من أجل المال بدلاً من المصالح السياسية.

من القرن الماضي، وبداية التعامل مع الظاهرة بشكل قانوني، كان المرتزقة ينظر إليهم على نحو متزايد على أنهم أقل أهلية للحماية، بموجب قواعد الحرب، ولاتعترف اتفاقيات جنيف بالمرتزقة كمقاتلين شرعيين، وترفض منحهم نفس الحماية القانونية التي يتمتع بها الجنود الأسرى في الجيش النظامي، وهم يتواجدون دائما في أي بيئة تعج العنف، وتمارس فيها  انتهاك بشكل منتظم حقوق الإنسان، وخاصة إفريقيا.

يقدم المرتزقة الجدد خدماتهم للحكومات وعظماء العالم، يديرون أعمالهم من المكاتب الزجاجية، ومنهم ضباط عسكريين سابقين، بعضهم خدم في جيوش بريطانيا وكندا والولايات المتحدة والجمهوريات السوفيتية السابقة وجنوب أفريقيا

قبل بضعة أشهر كان المرتزقة يتسيدون المشهد كاملا في غينيا الاستوائية، مجموعات من تشاد والسودان وإفريقيا الوسطى، استأجرتهم بعض الأحزاب السياسية المعارضة المتشددة بدعم من قوى دولية أشارت إليهم الإذاعة الرسمية للبلاد دون الإدلاء بمزيد من التفاصيل، تسللوا إلى بلدات كي أوسي والليبيين ومونغومو وباتا ومالابو، وفقا لخطة موضوعة، هدفها الإجهاز على رئيس الدولة، تيودورو أوبيانغ، الذي تولى السلطة هو الآخر، عبر تدبير انقلاب على عمه فرانسيسكو ماسياس نغويما في أغسطس عام 1979.

مسلحون من حركة "أنتي-بالاكا" (جمهورية إفريقيا الوسطى)

ويحكم أوبيانغ البلاد بقبضة حديدية، وأعيد انتخابه لولاية خامسة مدتها سبع سنوات في عام 2016، بأكثر من 90% من أصوات الناخبين، ويلاقي حكمه معارضة شرسة من جهات داخلية وخارجية، فكان الحل الأمثل لهم، تجنيد المرتزقة ومحاصرته بالقصر الجمهوري في كوتو مونغومو، خلال أعياد نهاية العام، والإجهاز عليه، ولكن الأجهزة الأمنية المدعومة بالاستخبارات الكاميرونية، استطاعت إحباط المخطط في اللحظات الأخيرة، ولاسيما أنه لم تكن المحاولة الأولى لإسقاطه عن طريقة المرتزقة، كانت هناك محاولة في عام 2004، وحاولوا فيها إسقاطه عبر انقلاب، وكشفت تسريبا إعلامية وأمنية عن تمويله من قبل بريطانيين، على رأسهم مارك تاتشر، ابن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر.

علاقة مريبة مع الحكومات المختلفة .. لماذا ؟

يقدم المرتزقة الجدد خدماتهم للحكومات وعظماء العالم، يديرون أعمالهم من المكاتب الزجاجية، ومنهم ضباط عسكريين سابقين، بعضهم خدم في جيوش بريطانيا وكندا والولايات المتحدة والجمهوريات السوفيتية السابقة وجنوب أفريقيا، وهم ليسوا مرتزقة على طريقة عصابات الطرق في الأفلام المصرية القديمة، ولكنهم محترفون في زرع علاقات جيدة مع العناصر القوية بحكومات العالم أجمع.  

ينشط المرتزقة في إفريقيا غالبًا ببلدان ناميبيا، وأنغولا، وغانا، والكونغو، لحماية مصالح شركات التعدين المتعددة الجنسيات، وظهر نشاطهم بشكل شبه منظم في أوائل الثمانينيات، عندما دفعت شركة شيفرون النفطية العملاقة لميليشيات محلية مسلّحة للدفاع عن حقولها النفطية في جنوب السودان.

ساعدت الحكومات الغربية في تطور المرتزقة وتكوين شركات عسكرية خاصة لهم، تحت لافتة «حفظ السلام»

ويتخصص الجيل الثالث من المرتزقة المتواجد حاليا في الأمور الأمنية والهندسية والأسلحة والنقل والتمويل والتوظيف والاستشارات وغيرها من الأعمال المتعلقة بالأمن والدفاع، ولديه شبكات دولية تشبه أخطبوط عملاق، ينتشر في جميع أنحاء العالم، ولكنهم يعملون بأريحية وبشكل أكثر رواجا في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث السوق سهل ومربح للغاية، لذا تطورت خدماتهم، بحيث لا يشاركون فقط في العمليات القتالية، ولكن في احتراف التخطيط الاستراتيجي، وجمع المعلومات الاستخباراتية وتدريب القوات.

ساعدت الحكومات الغربية في تطور المرتزقة وتكوين شركات عسكرية خاصة لهم، تحت لافتة «حفظ السلام»، ومن نوائب الدهر، أن كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كان يفكر خلال أزمة رواندا عام 1994 في الاستعانة بهم عبر شركة خاصة، وكذلك وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو، الذي تحدث علانية عام 2002 على رغبة بلاده في توظيف قطاع عسكري خاص في الأمم المتحدة، لحل الأزمات في أفريقيا، بعدما تحولت الكثير من جيوشها الوطنية إلى قطاعات تؤدي «أوبريت مسرحي» فقط للترحيب بضيوف البلدان الدوليين، وأداء بعض الاستعراضات العسكرية.  

عناصر مسلحة في الصومال

ويتمتع المرتزقة في إفريقية بنوع من التدليل المبالغ فيه، فهؤلاء المقاتلين تنشأ بينهم وبين الحكومات وأصحاب الأعمال علاقات خاصة للغاية، تمكنهم من التمتع بامتيازات إضافية مقابل الولاء التام، وعندما يتغير الوضع وتتفكك دولة ما، يتوقف الولاء وتختفي هذه الوحدات الخاصة سريعا، لتنشط مع وجوه أخرى، وإذا ما حاولت السلطات الجديدة، التعامل معهم بأي شكل غير مريح لهم، قد يصبحون وحوش كاسرة، لا يمكن السيطرة عليها.

وتقول العديد من التقارير، أن عدد المرتزقة في إفريقيا يتجاوز عشرات الآلاف، بأعلى مستوى من التدريب والتأهيل، وبسبب تعاظم الفرص في القارة، قاموا بجلب  نظرائهم من بلدان أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفيتية السابقة، وبعضهم تم تجنيده لإيقاف خطر جماعة بوكو حرام المتشددة، خلال إجراء الانتخابات في نيجيريا، وتمت الاستعانة بهم بالفعل، سواء باعتبارهم مستشارين تقنيين، أو محاربين في الخطوط الأمامية، وكما شاركوا في مهام لدى السلطات الرسمية في نيجيريا، شاركوا أيضا في معارك بأنغولا وسيراليون وأفغانستان، وحاولوا تهريب معمر القذافي إلى خارج ليبيا قبل أشهر من تصفيته، وكل ذلك يحدث في غياب شبه كامل للإعلام العربي في رصد الظاهرة بما يتناسب مع خطورتها على أمن المنطقة، والشفافية والمحاسبة وحقوق الإنسان !