على الرغم من الأزمة الاقتصادية العنيفة التي شهدتها تركيا في النصف الثاني من العام الماضي والتي أفقدتها ثقة المستثمر الأجنبي والمستهلك، ولا سيما أن الليرة التركية خسرت حوالي 40% من قيمتها مقارنة بالدور الأمريكي، ورفعت معدل التضخم في البلاد لمستويات اعتبرت الأعلى منذ 15 عامًا تقريبًا، ما أثر بطبيعة الحال على أسعار السلع الاستهلاكية، إلا أن الحكومة اتبعت سلسلة من الإجراءات الحازمة لسيطرة على أوضاع السوق.

كان من أهمها، رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة إلى 24% والاتفاق مع القطاع الخاص على تخفيض الأسعار بنسبة 10%، ولكن الحكومة واجهت تحديًا جديدًا من تجار وباعة المواد الغذائية والاستهلاكية، فقد دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الأتراك باستمرار لإبلاغ السلطات عن أية زيادات مبالغ بها في الأسعار، بعد أن انتشرت أخبارًا عن بعض التجار الذين استغلوا الأزمة لزيادة أرباحهم على حساب الحكومة والمستهلك.

وفي السياق، صرحت وزيرة التجارة، روهصار بكجان، التي قالت أنهم اكتشفوا ارتفاعًا في الأسعار يزيد عن 800% بين المنتجين ومبيعات العملاء، وأضافت أنه تم تغريم نحو 88 شركة بما يقارب مليوني ليرة تركية، ومنعًا لتكرار هذه الحالات، أعادت الحكومة إحياء عدة بدائل وفرتها من قبل كالأسواق الشعبية (البازارات) ونقاط البيع التابعة البلدية، إذ غالبًا ما تكون منتجاتها بأسعار معقولة جدًا وملائمة لجميع مستويات طبقات المجتمع.

البلديات ستبيع الفواكه والخضراوات للمواطنين الأتراك

في بداية السبعينيات وتحديدًا في عام 1973، أنشئت أول نقطة بيع في إزمير عقب افتتاح الكثير من المتاجر في مناطق متعددة في تركيا وكان الغرض الأساسي منها المحافظة على أسعار السوق العادلة ومحاربة السوق السوداء التي استغلت نقص المواد الاستهلاكية في ذاك الوقت. ومجددًا، قررت السلطات التركية أن تحارب هذا النوع من الجشع من خلال بيع الفواكه والخضروات مباشرة للمستهلكين من البلديات.

تبيع هذه النقاط التي توجد في 50 مركز في 34 منطقة في إسطنبول و15 مركز في أنقرة  7 أنواع من الخضروات وتخدم لمدة 7 أيام في الأسبوع

وذلك ليس منافسةً للتجار ومتاجر البقالة وإنما منعًا للوسطاء ببيع المنتجات بأسعار مرتفعة، علمًا أن الحكومة حرصت على خفض أسعار منتجاتها إلى النصف. فوفقًا لمعهد الإحصاء التركي، يتم بيع البصل بليرتين بدلًا من 5 ليرات وينطبق ذلك على الطماطم التي تباع في الأسواق الاعتيادية بـ6 ليرات ولكن البلدية تضمن توفيرها مقابل 3 ليرات فقط، وغيرها من الخضروات مثل الفلفل والباذنجان والخيار والسبانخ وهي أساسيات المطبخ التركي وسلته الغذائية.

أسعار المنتجات وصلت إلى النصف في نقاط البيع التابعة للبلدية

ومن المتوقع أن تتوسع هذه التدابير وتمتد إلى بيع منتجات التنظيف والبقوليات أيضًا، ولا سيما أن مؤشر التضخم التركي يشير إلى ارتفاع 339 سلعة من بين 407 سلعة، وهي منتجات تحتاج إلى مراقبة أسعارها والعثور على حل لتخفيضها أو المحافظة على استقرارها على أقل تقدير، ولكن إلى الآن، تقوم هذه النقاط التي توجد في 50 مركز في 34 منطقة في إسطنبول و15 مركز في أنقرة ببيع 7 أنواع  فقط من الخضروات وتخدم لمدة 7 أيام في الأسبوع من الساعة 10 صباحًا وحتى الساعة 7 مساءً، مع العلم أن الحد الأقصى للشراء يبلغ 3 كيلو جرامات لكل سلعة وذلك ليستفيد أكبر عدد ممكن من المستهلكين. إذ سلمت بلدية إسطنبول 297.7 طن من الخضراوات للمواطنين بأسعار عادلة.

أنقذت تركيا من التضخم والاحتكار من خلال استغلال إحدى الموروثات العثمانية الثمينة، وهي الأسواق الشعبية التي تفتح ليوم واحد فقط في الأسبوع وتتميز بملائمتها لإمكانيات أصحاب الدخل المحدود

فلقد أصدرت وزارة الخزانة والمالية التركية أوامر بتفتيش المناطق الزراعية في البلاد للكشف عن التجار الذين يقومون بتخزين البصل، حيث وجد مسؤولو البلدية في إحدى المدن التركية،ظ حوالي 30 طنًا من البصل في المستودعات بهدف الاحتكار والتأثير على الأسعار. فعلى سبيل المثال، زادت نسبة سعر الكيلو جرام من البصل إلى 100%، فقد وصلت تكلفته حوالي دولار أمريكي واحد (5 ليرات) بعد أن كان يباع بنصف دولار تقريبًا.

إلى جانب ذلك، أنقذت تركيا من التضخم والاحتكار من خلال استغلال إحدى الموروثات العثمانية الثمينة، حيث تحتوي غالبية مدنها على الأسواق الشعبية التي تفتح ليوم واحد فقط في الأسبوع والذي عادة ما يطلق عليه اسم اليوم الذي يفتح فيه، مثل "سوق الجمعة" أو "سوق الثلاثاء"، وما يميز هذه الأسواق ليس فقط تاريخها العريق، وإنما أهميتها الاقتصادية وملائمتها لإمكانيات أصحاب الدخل المحدود أو البسيط.

فهذه الأسواق التي تُغرق الشوارع ببضائعها وتستقبل آلاف المستهلكين توفر مختلف أنواع السلع بأسعار مقبولة، إذ لا تتأثر أسعارها بشكل كبير في الأجواء الاقتصادية العامة، فهي بعيدة عن التكاليف التشغيلية والخدمات اللوجستية التي تشمل مصاريف الإيجار والكهرباء والنقل والتخزين والشحن والتي تزيد بدورها من أسعار السلع. جدير بالذكر، أن في نهاية اليوم، يعرض باعة هذه الأسواق بضاعتهم المتبقية أو متدينة الجودة للبيع بأسعار زهيدة جدًا، وفي حالات أخرى قد يقدمونها بالمجان.

لماذا تستمر أسعار السلع بالارتفاع؟

أدى ارتفاع أسعار البذور والحبوب والأسمدة والوقود إلى زيادة كلفة المنتجات التي تحتاج إلى النقل من المناطق والأرياف الزراعية إلى سلاسل المتاجر الصغيرة في المدن

بحسب بعض المحللين فأن مسألة ارتفاع الأسعار ليست ناتجة فقط عن التلاعب التجاري ومعدلات التضخم، وإنما هناك جوانب أخرى ساهمت في زيادة الأسعار، فوفقًا لدكتور جوكهان أوزرتان من قسم الاقتصاد في جامعة بوازيتشي، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الاستهلاكية ناجم عن العوامل والتغيرات المناخية التي تؤثر على الإنتاجية، مثل فصل الشتاء الذي يُعرض المحاصيل الزراعية لموجات الصقيع والفيضانات والعواصف التي تتلف جزء كبير من الحقول، ما يؤثر على ثبات أسعارها في السوق.

ويضيف إلى ذلك، ارتفاع أسعار البذور والحبوب والأسمدة من 60% إلى 120%، بالجانب إلى ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود التي أثرت بشكل كبير على المنتجات التي تحتاج إلى النقل من المناطق والأرياف الزراعية إلى سلاسل المتاجر الصغيرة في المدن والتي تزيد من المصاريف اللوجستية على الموزعين وبالتالي ترمي أعبائها على جيوب المستهلك.

ولكن هذا لم يمنع بعض التجار من التلاعب بالأسعار وبالتالي لم تتوان الحكومة عن اتخاذ هذه الإجراءات تذكيرًا للمواطنين الأتراك بأن الحكومة لم تتجاهل المشاكل التي يعانوا منها بسبب التقلبات الاقتصادية وإنما تعمل على مكافحة "الإرهاب الغذائي" بكل ما أتاها من قوة لوقف الذعر والرعب الذي انتشر بسبب الارتفاع المتزايد للأسعار في السوق المحلية.