كان هذا المنزل في القرن الأول من بعد ميلاد الشافعي عبارة عن مدرسة للفقه والتفسير

ها هو يُزال عنه الغبار مجددا، فبعد أن كان مهمشا ومرتعا لقمامات الحي، ها هو يعود إلى الواجهة الثقافية من جديد، إنه منزل الإمام الشافعي بغزة، بنو عم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

 ولد الإمام محمد بن إدريس الشافعي بغزة عام 767 للميلاد، ودفن بالقاهرة عام 820 عن عمر ناهز 53 عاما، وعاش حياته متنقلا بين اليمن ومكة وبغداد ومصر، ينشر من خلاله مذهبه الديني كأحد الأئمة الأربعة للسنة والجماعة، وينتمي الشافعي لأشرف نسب خلق الله، فهو بنو عمومة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يجتمع معه بالسيد هاشم، الذي دُفن بغزة وسميت المدينة (غزة هاشم) اسمه، ويعد هاشم الجد الرابع لسيدنا محمد والسابع للإمام الشافعي.

وكان هذا المنزل في القرن الأول من بعد ميلاد الشافعي عبارة عن مدرسة للفقه والتفسير يجتمع فيه العديد من رواد وتلاميذ المذاهب الأربعة للسنة والجماعة، ومن مظاهر ذلك فقد وُجد فيه قبر الشيخ عطية الأجهوري الذي يُعد خادم الإمام الشافعي وأحد أعظم رواد المذهب المالكي، وكذلك قبر آسيا ابنة الإمام الشافعي رضي الله عنه.

قبر الشيخ عطية الأجهوري الذي يُعد خادم الإمام الشافعي وأحد أعظم رواد المذهب المالكي

ومما قيل عن هذا المقام على لسان المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في خمسينيات القرن الماضي عندما مر على هذا البيت ووجده خرابا " لو يعلم أهل فلسطين ما حقيقة هذا المقام وأحسنوا بنائه، لرُفع قدرهم بين الأمم إلى يوم القيامة، كيف لا وهذا المقام قد وُلد فيه أصل العلم ونسبته فيه"، فهذا المنزل أول ما دُرِّس فيه علوم الفقه وعلوم التفسير، حيث شهد في قرنه الأول اجتماعات علمية لأصحاب ورواد المذاهب الأربعة فيه.

بعد حرب 1967 واحتلال قطاع غزة وخروج غزة من تحت يد الإدارة المصرية، تم إهمال هذا المنزل، بل وتحول لمرتع لقمامات الحي الذي يتواجد فيه طيلة 50 عاما

بدأ المكان يتعرض للتهميش والإهمال منذ زمن المغول مرورا بالعثمانيين، حتى الإنجليز، وبعد الحرب العربية الاسرائيلية عام 1948 واحتلال معظم الأراضي الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وُضعت غزة تحت الإدارة المصرية، حيث أصدر الرئيس المصري الراحلِ جمال عبد الناصر أمرا بإعادة بناء هذا المنزل وإعادته إلى الواجهة الثقافية من جديد، وأوكل إلى مؤسس الأزهر الشريف الشيخ محمد عواد بذلك عام 1960، الذي افتتحه بشكل رسمي ووضع حجر الأساس فيه لتحويله لمدرسة قرآنية.

وبعد حرب 1967 واحتلال قطاع غزة وخروج غزة من تحت يد الإدارة المصرية، تم إهمال هذا المنزل، بل وتحول لمرتع لقمامات الحي الذي يتواجد فيه طيلة 50 عاما، دون أن يعلم أبناء الأجيال اللاحقة ما حقيقة هذا المنزل ولمن يعود، حتى عام 2015، إذ تم تحويله لمدرسة قرآنية من قبل الحكومة المصرية مجددا تحت إشراف جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، وكذلك مدرسة شرعية كما كان في عهده الأول.

كما ضم هذا المنزل في أروقته وزواياه المختلفة مكتبةً علمية وثقافية، يرتادها العديد من الطبقات الاجتماعية المختلفة بغزة وزائريها من الجامع الازهري بمصر، وضمت هذه المكتبة مؤلفات وروايات وكتب التفسير والفقه للأئمة الأربعة الذين تلقوا العلم عن بعضهم.

المكتبة العلمية

وكان مدير المعاهد الأزهرية بغزة الدكتور عماد حمتو أول من لجأ لفكرة إزالة الغبار عن هذا المنزل في العصر الحديث، وبأعمال فردية وتطوعية من قبل طلاب المعهد الازهري بغزة وسكان حي الزيتون الذي يتواجد فيه هذا المكان، تم إعادة تنظيف المنزل وترميمه مجددا بجهدٍ كبير استمر طيلة عام كامل.

ويوضح حمتو بأن العديد من الوفود اليومية والأسبوعية من طلاب العلم ورحلات مدرسية لطلبة المدارس وكذلك وفود مصرية أو أجنبية إسلامية تأتي لهذه المدرسة للتعرف على أسراره وأسرار العلم الذي نشأ بداخله، من خلال قدسية الإمام الشافعي رضي الله عنه.

وما يميز الموقع الجغرافي لهذا المنزل، بأنه يقع في مدينة غزة القديمة، بجوار الجامع العمري، أول مسجد في فلسطين بعد الفتح الإسلامي لها في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وكذلك حمام السمرة، حيث كان طلاب العلم قديما الذين يتوافدون لهذه المدرسة في عهد المماليك يأخذون راحتهم بهذا الحمام، كما بُنيت بجانب المدرسة الكمالية، وهي أول مدرسة في فلسطين تم بنائها في عهد الأيوبيين.