يعيش جيل الألفية حالة من التوتّر والقلق والإجهاد المتزايد بنسبٍ أعلى من الأجيال السابقة.

على الرغم من أنّ الكثيرين يروْن بأنّ جيل الألفية قد حاز ما لم يحزه أحدٌ من قبله، من توفّر لأساليب الرفاهية والترفيه والتقدّم الصحّي والتكنولوجي وغيرها من التطوّرات والخيارات المتعدّدة التي لم تعرفها الأجيال التي سبقته، إلا أنّه وبحسب الخبراء والإحصاءات، يعيش حالة من التوتّر والقلق والإجهاد المتزايد بنسبٍ أعلى من الأجيال السابقة.

فعلى سبيل المثال، تشير دراسة للجمعية الأميركية لعلم النفس إلى ذلك، عوضًا عن أنّ أكثر من 50% من شباب جيل الألفية مصابون بالأرق أو يستيقظون ليلّا بسبب التوتر والقلق اللذين يعيشانهما. وبشكلٍ عام، يبدو أنّ تعدّد الخيارات أمامنا تعمل على تعزيز القلق من الاختيار والنّدم عليه لاحقًا وعلى البدائل الأخرى التي كان بالإمكان ترجيحها، أو ببساطة نجد أنفسنا محاصرين في عدم القدرة على الاختيار بشكلٍ نهائيّ وكبير.

انشغال أبناء جيل الألفية بذواتهم بعيدًا عن المجتمع وفكرة الأسرة وما تحمله من تبعيات هو بالضرورة أحد انعكاسات تغيّر الاتجاهات الفكرية للمجتمع، ولا سيما مع صعود النزعة الفردية في العقود القليلة الأخيرة

يتأثر الكثير من أمور الحياة الأساسية بحالات القلق والتوتّر هذه، بما فيها الزواج والإنجاب والاستقرار والعمل. فجيل الألفية، بناءً على عددٍ من الإحصاءات، ينتقل من عملٍ إلى آخر دون أيّ استقرارٍ في الوظيفة نفسها لفترةٍ طويلة، على عكس أبناء الأجيال السابقة الذين كانوا، ولا يزالون، يتمسّكون بوظيفةٍ واحدة لسنواتٍ أو عقودٍ طويلة.

أزمات اقتصادية وسياسية تدفع بالجيل إلى اللايقين

التغيّرات المختلفة التي أثّرت على شكل العمل عند جيل الألفية قد أثّرت أيضًا على فكرة الزواج والإنجاب وشكل الأسرة عنده. وهذا ما تشير إليه واحدة من الدراسات التي أجراها مركز "بيو" الأمريكي للأبحاث، إذ يُظهر جيل الألفية رغبته بعدم الزواج أكثر بثلاثة أضعاف انعدام الرغبة التي كان يظهرها أبناء الأجيال التي سبقته.

إضافةً إلى ذلك، تشير الدراسة نفسها إلى أنّ متوسّط عمر الزواج للمرأة الأمريكية عام 1965 كان 21 عامًا، فيما كان الرجل يتزوّج بحلول عامه الـ23 تقريبًا. أما في عام 2017 ، ارتفعت هذه الأرقام إلى 27 عامًا بالنسبة للنساء و30 عامًا تقريبًا للرجال. وعندما سئلوا عن أسباب تأخّرهم بالزواج، رأى 29% من المشاركين بالدراسة أنّهم غير مستعدين من الناحية المالية، في حين أنّ 26% منهم عبّر عن صعوبة عثوره على شريكٍ يتمتّع بالصفات التي يبحث عنها. فيما اعتبر 26% منهم أنهم لا يزالون صغارًا على منظومة الزواج وغير مستعدّين للدخول فيها.

عزوف جيل الألفية عن الزواج والإنجاب يرجع لأسباب عديدة منها الرغبة بالحريّة الشخصية وعدم الخضوع لمنظومة الزواج، وعدم وجود الشريك المناسب، وانعدام الأمان الوظيفي والاقتصادي، عوضًا عن حالة اللايقين السياسية

ووفقًا لمسحٍ آخر أجرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإنّ العزوف عن الزواج عند هذا الجيل يرجع لأسبابٍ عديدة، لكنّ أهمها هو الرغبة في الحصول على المزيد من وقت الفراغ والحرية الشخصية؛ وعدم وجود الشريك المناسب، وعدم القدرة على تحمّل تكاليف رعاية الأطفال. إذ يركّز التقرير على  دور الاقتصاد وانعدام الأمان الوظيفيّ الذي يرتبط بالشعور بالعجز والخوف ويؤدّي إليهما، لا سيّما عند النساء اللواتي يواجهن عقبة اقتصادية إضافية، حيث من الممكن أنْ يتوقّفن عن العمل عندما يصبحن أمّهات، على عكس الرجال.

للأسف، تغيب الإحصاءات والدراسات الموثّقة والموضوعية عن موضوع الزواج والإنجاب في عالمنا العربيّ بشكلٍ عام. لكنّ هذا لا يمنع من تواجدها وانتشارها وتأثيراتها الواضحة والجليّة على المجتمعات العربية، بما في ذلك تعقّد منظومة الزواج ومتطلّباتها والمشاكل الأسرية الحاصلة وارتفاع نسب الطلاق والانفصال، وغيرها الكثير.

حالة اللايقين السياسية والاقتصادية تجعل من الشباب يبحثون عمّا يخفف عنهم المسؤوليات التي قد ترهقهم

وبشكلٍ عام، تكاد الأسباب التي ذكرناها وفقًا للإحصاءات السابقة هي نفسها التي تؤثّر على الشباب العربي، بما في ذلك الرغبة بالحريّة الشخصية وعدم الخضوع لمنظومة الزواج، وانعدام الأمان الوظيفي والاقتصادي، عوضًا عن حالة اللايقين السياسية التي تنعكس بأشكال عديدة على الجوانب الأخرى.

فحالة اللايقين هذه، هي ما تجعل من الشباب، بحسب وصف عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان، يبحثون عن أيّ وسيلة تخفّف عنهم الأحمال التي ترهقهم ويسعون للهرب من كلّ ما هو أبديّ وثابت ومستقرّ. وهي التي تدفع بأبناء الجيل أيضًا إلى الميل الدائم للتغيير وتجربة الجديد من الخيارات العديدة التي يضعها العالم بين أيديهم.

مجرّد تأخير لا عزوف كامل

بالنهاية، لا يبدو أنّ جيل الألفية يرفض فكرة الزواج والإنجاب رفضًا كليًّا وقاطعًا. فهو بالأحرى يطمح إلى تأخير هذه الخطط إلى وقتٍ متأخرٍ قليلًا. وهذا ظاهرة في الدراسة التي أشارت إلى أنّ 65% من جيل الألفية ممّن لم يسبق لهم الزواج قد ذكروا أنّهم يرغبون بالفعل في الزواج في يومٍ من الأيّام. إضافةً إلى أنّ الأرقام تشير إلى أنّ عدد النساء اللواتي يقمن بالإنجاب في الثلاثينات من عمرهنّ أصبح يفوق عدد الوالدات في العشرينات من العمر.

جيل الألفية حذرٌ من الارتباط، ولا سيما الارتباط الدائم، خوفًا من الأعباء والضغوط التي يهرب منها لصالح ذاته ونفسه

إذ تصبح المسألة أنّ جيل الألفية قد اختار أنْ يمشي في مسار تشكيل الأسرة والعائلة بشكلٍ أبطأ من الأجيال السابقة. ومن هذه النقطة، تعتقد جين توينج، أستاذة علم النفس بجامعة سان دييغو، أنّ انشغال أبناء جيل الألفية بذواتهم بعيدًا عن المجتمع وفكرة الأسرة وما تحمله من تبعيات، هو بالضرورة أحد انعكاسات تغيّر الاتجاهات الفكرية للمجتمع، ولا سيما مع صعود النزعة الفردية في العقود القليلة الأخيرة. فقد بات الجيل ينظر إلى الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال بوصفها أفكارًا مؤجلة نظرًا لكونها قد تعيق مبدأ استغلال اللحظة واكتشاف الذات والبحث عنها من خلال الوحدة والانعزال واستغلال اللحظة والتمتّع بأوقات فراغ أكثر. 

بالمحصلة، يختصر زيجمونت بومان الأسباب بقوله أنّ جيل الألفية حذرٌ من الارتباط، ولا سيما الارتباط الدائم، خوفًا من الأعباء والضغوط التي يفضّل الهرب منها ومن ما تتطلّبه من التزام ومسؤولية، فنراه يفضّل العلاقات العابرة التي يجد الشباب فيها ومن خلالها عبئًا أخف وتقييدًا أقل للحرية، وهو ما يساعدهم على تأخير سنّ الزواج والارتباط وما يتبعهما من استقرار وإنجاب وتشكيل عائلة وتحمّل المسؤوليات التي يتطلّبها كلّ هذا.