تظاهرات سودانية في دبلن

في تطور جديد يشهده الحراك الشعبي السوداني الممتد منذ الـ19 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، شاركت حشود تضم آلاف السودانيين في مسيرات في عدد من العواصم الغربية في نقلة نوعية ربما تلقي بظلالها على المشهد السياسي الداخلي في السودان.

تجاوز الاحتجاجات المطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير التي خلفت وراءها 32 قتيلاً بحسب السلطات الحكومية و51 وفق منظمة العفو الدولية والمعارضة آخرها مقتل شخص خلال مشاركته في مظاهرة أمس بمدينة الخرطوم بحري، لحدودها الجغرافية الداخلية إلى آفاق خارجية أثار الكثير من التساؤلات في الشارع السوداني عن مدى ما يمكن أن تحدثه من تأثير في المسيرة الاحتجاجية.

فشل الاحتجاجات المتصاعدة للشهر الثالث على التوالي في تحقيق مطالبها في ظل التعتيم الإعلامي وتجاهل المجتمع الدولي ودعم بعض الأنظمة العربية الخائفة من عدوى الربيع العربي لنظام البشير ربما يجعل من مظاهرات الخارج التي شهدتها كل من لندن وباريس وأمستردام وتورنتو وبرلين وملبورن وأخيرًا واشنطن سلاحًا جديدًا بأيدي الغاضبين ربما يكسر عناد النظام الحاليّ المتشبث بالسلطة.

حشود هائلة

بعد ما يقرب من 90 يومًا على اندلاع الاحتجاجات الشعبية في مختلف المدن السودانية نقل الحراك فعالياته للخارج، حيث شهدت العديد من عواصم العالم مظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات آلاف السودانيين وبعض الجاليات العربية المقيمة هناك، ففي الولايات المتحدة بالأمس توجهت مسيرة باتجاه البيت الأبيض في واشنطن، رافعة لافتات "تسقط بس" ومرددة شعارات تطالب برحيل الرئيس السوداني.

وقبلها بأيام قليلة كانت شوارع لندن تكتظ بعدد من المسيرات الاحتجاجية التي طالبت حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي باتخاذ موقف مما يحدث في السودان، مرددين هتافات تطالب بتحويل البشير إلى محكمة الجنايات الدولية، داعين البرلمان البريطاني بدعم الحراك الشعبي ونصر الإرادة الجماهيرية.

تمحورت مطالب المحتجين في العواصم العربية حول التدخل للضغط على النظام لمطالبته بالاستجابة لمطالب الشارع والكف عن آلية استهداف المعارضين

وفي هولندا كان الوضع مشتعلاً هو الآخر، حيث التقى وفد من المتظاهرين بوكيل وزارة الخارجية الهولندية، وسلموا له مذكرة لوزارة الخارجية تطالبها والاتحاد الأوروبي بالتدخل لإجبار النظام السوداني على عدم مواجهة المحتجين السلميين بالرصاص الحي، رافعين خلال تظاهرات لهم في أمستردام شعارات تطالب بتنحي البشير.

وقبل أسبوعين تقريبًا وبالتحديد نهائية يناير الماضي، تظاهر أبناء الجالية السودانية في باريس، مرددين شعارات "ثورة حتى النصر.. ثورة تهد القصر" و"الثورة خيار الشعب"، كما سلموا وزارة الخارجية الفرنسية مذكرة ترفض زيارة وزير الخارجية السوداني، معلنين تمسكهم بمطالبهم التي وصفوها بالمشروعة، وعلى رأسها الإطاحة بالرئيس وتشكيل حكومة انتقالية.

جانب من تظاهرات الجالية السودانية في واشنطن

المطالبة بموقف دولي

تمحورت مطالب المحتجين في العواصم العربية حول التدخل للضغط على النظام لمطالبته بالاستجابة لمطالب الشارع والكف عن آلية استهداف المعارضين، بحسب الناشط السوداني عبد الخالق الفاتح الذي ألمح إلى أن النقاط المحددة التي استهدفها المتظاهرون في العواصم الغربية تعكس طبيعة الرسالة المراد توصيلها.

الفاتح في تصريحات لـ"نون بوست" كشف أن مقاصد المحتجين في مسيراتهم في بعض العواصم الخارجية كانت دوائر صنع القرار في تلك الدول، إما البرلمان أو مجلس الوزراء، هذا بخلاف اللقاءات الجانبية التي عقدت مع بعض المسؤولين هناك لشرح وجهة النظر ومحاولة إقناعهم بمشروعية مطالبهم.

كما ألمح إلى أن هناك تعاطفًا كبيرًا مع مطالب الغاضبين في الشوارع الأوروبية والأمريكية خاصة في ظل النشاط الملحوظ للمنظمات الحقوقية التي تصف البشير بـ"مجرب حرب" هذا رغم الجهود الدبلوماسية التي تبذلها السفارات السودانية هناك لوأد مثل تلك المحاولات.

أثارت تلك الاحتجاجات العديد من التساؤلات عن قدرتها على إحداث الفارق والتأثير على المشهد الداخلي، حيث تباينت وجهات النظر عما يمكن أن تلعبه من دور في تحريك المياه الراكدة في الشارع السياسي السوداني من اندلاع الغضبة الشعبية، ما بين متفاؤل ومترقب

يذكر أن هذا الحراك الخارجي تزامن مع استمرار الفعاليات الداخلية وأسفر عن موقف دولي إزاء الأوضاع في السودان، ورغم أنه لم يكن على المستوى المطلوب لكنه كان بداية مقبولة في نظر البعض لتدشين موقف أكثر حزمًا وقوة، ففي الـ8 من يناير الماضي وفي بيان مشترك أصدرته كل من المملكة المتحدة والنرويج والولايات المتحدة وكندا، أعربوا فيه عن قلقهم العميق إزاء رد حكومة السودان على الاحتجاجات الأخيرة في السودان، واحتجاز عدد من السياسيين والناشطين والمتظاهرين دون تهمة أو محاكمة.

البيان حينها أكد حق السودانيين في الاحتجاج السلمي وفقًا لما يكفله القانون السوداني والدولي لحقوق الإنسان في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والتعبير، داعيًا الحكومة إلى إطلاق سراح جميع الصحفيين وزعماء المعارضة وناشطي حقوق الإنسان، معتبرًا أن الإجراءات والقرارات التي ستتخذها السلطات السودانية خلال الأسابيع القادمة "سيكون لها تأثيرها على تعامل حكوماتنا وغيرها من الدول مع السودان في الأشهر والسنوات القادمة".

عمر البشير يتمسك بالسلطة رغم مطالب المحتجين

هل تحدث الفارق؟

أثارت تلك الاحتجاجات العديد من التساؤلات عن قدرتها في إحداث الفارق والتأثير على المشهد الداخلي، حيث تباينت وجهات النظر عما يمكن أن تلعبه من دور في تحريك المياه الراكدة في الشارع السياسي السوداني من اندلاع الغضبة الشعبية، ما بين متفاؤل ومترقب.

فريق ذهب إلى أن مجرد تجاوز الحراك لحدوده الجغرافية الضيقة وقدرته على الوصول إلى صناع القرار في الدول المؤثرة في الخريطة الدولية في حد ذاته نجاح يحسب للثورة السودانية، قادر على تحقيق بعض النجاحات خلال المرحلة المقبلة، حال استمرت في فعالياتها دون أن تصل إلى نقطة النهاية مبكرًا.

أنصار هذا الفريق يعتبرون أن البيان المشترك من الرباعي الأوروبي الأمريكي بجانب الموقف الفرنسي يمكن أن يكون نواة لموقف أكثر حزمًا خلال الفترة القادمة، مرجحين احتمالية تدويل القضية حال استمرارها بنفس الزخم الداخلي والخارجي وهو مايعول عليه الكثير من السودانيين.

تأخر تظاهرات الخارج في الوقت الذي تراجع فيه زخم الاحتجاجات في الداخل تسبب في تجاهل نظام البشير لها وعدم إلقائه بالاً لها، خاصة أنها لن تكلفه أي رد فعل مقارنة بتظاهرات الداخل

أما الفريق الآخر فلا يرى تأثيرًا كبيرًا لهذه النقلة في الحراك، مرجعين ذلك إلى عدد من الأسباب على رأسها قلة الأعداد المشاركة في تلك التظاهرات مقارنة بما هي عليه في الداخل، هذا في الوقت الذي تواجه فيه مثل هذه التحركات مواجهة دبلوماسية مكثفة من البعثات السودانية الرسمية في تلك الدول.

كذلك غياب دعم رموز سياسية وشعبية من تلك الدول للاحتجاجات وعدم مشاركتها في الفعاليات كان على رأس العوامل التي قللت من احتمالية التأثير وفق الفريق الثاني، هذا بخلاف غياب شبه تام للتغطية الإعلامية لهذه التظاهرات وهو التساؤل الذي فرض نفسه منذ اندلاع الاحتجاجات.

أنصار هذا الفريق يرون أن تأخر تظاهرات الخارج في الوقت الذي تراجع فيه زخم الاحتجاجات في الداخل تسبب في تجاهل نظام البشير لها وعدم إلقائه بالاً لها، خاصة أنها لن تكلفه أي رد فعل مقارنة بتظاهرات الداخل على سبيل المثال، الأمر الذي يفقد هذه النقلة تأثيرها المتوقع.

يذكر أن المعارضة السودانية دعت إلى موكب جديد اليوم الـ18 من فبراير  في عدد من المناطق منها: بحري: ميدان أم ضريوة الثانوية بنات السامراب، ميدان الجيلي، ميدان التضامن - الكدرو، ميدان مدرسة الحرية المزاد، ميدان جوبي الشعبية جنوب، ميدان الصديق الشعبية شمال، ميدان شارع الركشات - الدروشاب شمال، للتأكيد على مطالبهم المرفوعة.

ومع دخول الاحتجاجات الشعبية في السودان شهرها الرابع، تعهدت قوى المعارضة المنضوية تحت لواء الحرية والتغيير (مكون من تجمع المهنيين السودانيين، قوى الإجماع الوطني، تحالف نداء السودان، التجمع الاتحادي المعارض) بمواصلة الضغط في اتجاه تنحية نظام البشير عبر مواصلة الاحتجاجات الشعبية السلمية مهما طال أمدها.