يبلغ حجم التبادل التجاري نحو 2.5 مليار دولار أمريكي

لا يخلو جدول الحكومة الباكستانية والمملكة العربية السعودية من الزيارات المتبادلة والمتكررة بين وزرائها وحكامها، التي تأتي عادةً في إطار التأكيد على المصالح المشتركة أو بهدف تحسين العلاقات التجارية والاستثمارية، كما حدث يوم أمس، حين زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إسلام آباد وتم استقباله بمراسم كبيرة جدًا وسجادات حمراء ولافتات وطائرات مقاتلة وأسطول من السيارات.

انتهت هذه الزيارة بتوقيع اتفاقية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار في قطاع النفط والطاقة والبتروكيماويات، وهو تقليد سعودي قديم اتبعته الرياض لسنوات طويلة لإنقاذ الشؤون المالية المتزعزعة في باكستان من السقوط، مع العلم أن هذا لا ينفي حاجة المملكة إلى باكستان أيضًا، ففي الوقت الذي أغلقت فيه الأبواب أمامها في الغرب بسبب حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ظلت الأسواق الآسيوية الوجهة الأمثل لاستكمال خطط السعودية الإستراتيجية.

خطوات عقلانية وحيادية مربحة

يعج التاريخ بالتفاصيل والأحداث التي تعكس الشراكة الاستثنائية التي جمعت بين الجمهورية الإسلامية والمملكة، إذ يرى المحللون أن باكستان أقرب حليف للمملكة العربية السعودية، فعلى الرغم من علاقتها القوية بالعدو اللدود للمملكة (إيران)، فإن مصلحة باكستان في شراء الغاز الإيراني تجعلها لا تفرط بإيران، لا سيما أن إيران جارة جغرافية قريبة جدًا من باكستان وأي توتر في العلاقات قد ينجم عنه حرب طائفية في الداخل الباكستاني.

لم تمنع حيادية باكستان المملكة من محاولة اجترارها إلى صفها ضد إيران، إذ يتضح ذلك عندما طلبت السعودية مساعدات عسكرية من إسلام آباد ضد الحوثيين في اليمن عام 2015

فبحسب صحيفة "فورين أفيرز"، فإن الكتلة السكانية الباكستانية وصلت إلى 190 مليون نسمة ومع وجود 80% من السنة و20% من الشيعة، فإن إسلام آباد تخشى من انتقال العدوى الطائفية إلى أراضيها وهو ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة المخاوف بين كل من طهران والرياض، ولكن دون الوقوع في براثن حرب أهلية من أجل تحقيق تفوق إقليمي لطرف آخر.

وذلك عدا عن الضغوط الشعبية التي تمنع الحكومة من تكرار المآسي التي تعرضت لها بعد الحرب الأفغانية، إضافة إلى سعيها للخروج من العزلة والحصار عبر امتلاكها أكبر رصيد ممكن من التحالفات والصداقات مع دول الخارج، ولكن ذلك لم يمنع المملكة من المحاولة مرارًا اجترار باكستان إلى صفها ضد إيران، إذ يتضح ذلك عندما طلبت السعودية مساعدات عسكرية من إسلام آباد ضد الحوثيين في اليمن عام 2015.

لم تكن هذه الخطوة سهلةً على باكستان التي لطالما جاملت السعودية ووعدتها بأن تقف إلى جانبها دومًا في السراء والضراء والسلام والحرب، ولذلك تملصت من هذا القرار عبر إحالة القضية إلى البرلمان ولعب دور الوسيط لضمان السلام في الشرق الأوسط لتبرر رفضها لهذا الطلب الذي سيصعب عليها الموازنة بين علاقتها مع السعودية وإيران وسيزعزع استقرار جيشها الذي يحارب على الجبهة الشرقية والحدود الغربية مع أفغانستان ضد طالبان.

حاولت المملكة كسب ود باكستان عبر دعوتها للانضمام إلى التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، وتعيينها جنرال باكستاني وهو ما أقلق إيران ودفعها إلى تحريض باكستان على التراجع عن هذا القرار وإعادة النظر تجاه التحالف

يضاف إلى ذلك، خوفها من الانقسامات الداخلية والدينية التي قد تلحق الضرر باستقرارها، ما جعل خان يلخص معارضته لمشاركة بلاده في هذه الدوامة بشكل واضح، قائلًا: "لن تستفيد باكستان من هذه الحرب وليس لها ناقة ولا جمل"، وذلك رغم جميع المساعدات السخية التي أغرقتها السعودية بها في أزماتها وضغوطها الاقتصادية الخانقة.

جدير بالذكر أن المملكة حاولت مجددًا كسب ود باكستان كله عبر دعوتها للانضمام إلى التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب بزعامة السعودية، وتعيينها جنرال باكستاني قائدًا لقوات التحالف وهو ما أقلق إيران ودفعها إلى تحريض باكستان على التراجع عن هذا القرار وإعادة النظر تجاه التحالف والدور الذي تلعبه، إلا أن باكستان أصرت على الثبات على موقفها بحجة أنها تتحالف لمحاربة الإرهاب ليس إلا، محاولةً الالتزام بالحياد دون خسارة أي من الحلفاء.

تاريخ طويل من الأخذ والعطاء.. فمن يحتاج الآخر أكثر؟

لطالما كانت السعودية واحدة من أقوى المؤيدين لباكستان خلال حربها مع الهند ونزاعاتها مع بنغلاديش وكشمير، والأمر نفسه ينطبق على سياسات باكستان التي دعمت السعودية خلال حرب الخليج الثانية عندما أرسلت قوات عسكرية لحماية مكة والمدينة، وعقب هذه المساندة السياسية والعسكرية المتبادلة، تطورت العلاقات على الصعيد الاقتصادي، فلقد ساعدت المملكة باكستان على مواجهة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة الولايات المتحدة من خلال تزويدها بـ59 ألف برميل من النفط مجانًا، كما ساهمت في بناء المدارس والمساجد داخل أكبر مدنها.

ومن أهم المواقف التي جمعت بينهما كانت عام 2014، عندما أقرضت السعودية باكستان 1.5 مليار دولار أمريكي حين وصل معدل العجز إلى 6.6% من الناتج المحلي، وهو ما ساعدها على الوقوف بثبات مرة أخرى، ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة، فعندما ضرب زلزال مدمر إقليم بلوشستان عام 2005 قدمت السعودية 10 ملايين دولار من المساعدات الإنسانية لإعادة الإعمار والإغاثة.

امتدت العلاقات إلى مجالات التجارة والتعليم والعقارات والسياحة والتكنولوجيا والطاقة والاتصالات والزراعة، ولكن الحاجة السعودية لباكستان تكمن في الخبرات العسكرية والأمنية، أما حاجة باكستان للرياض تقتصر على العملة الصعبة، وعلاوة على ذلك، فإن العمالة الباكستانية تعتبر العمود الفقري للكثير من الصناعات والقطاعات في السعودية، إذ يبلغ عدد المغتربين الباكستانيين نحو مليوني شخص، وهم الجزء الحيوي الذي لعب دورًا رئيسيًا في تعزيز العلاقات بين البلدين، فهم مصدر أساسي لتحويلات العملة الأجنبية للخزانة الباكستانية، التي تقدر بنحو 4.5 مليار دولار سنويًا.

بالجانب إلى ذلك، فإن السعودية أكبر مصدر للنفط لباكستان، وسوق رئيسية للمنتجات الباكستانية، ويتعاونان على المستوى الدولي من خلال منظمة التعاون الإسلامي، وعلى المستوى الشخصي بسبب العلاقات الوثيقة التي جمعت بين نواز شريف رئيس الوزراء السابق والعائلة المالكة السعودية.

ترى باكستان أن زيارة ابن سلمان لها كأول دولة خلال جولته في آسيا، مجاملة تاريخية ودفعة كبيرة لاقتصادها، إلا أن المحللين يعتقدون أنها محاولة لتجميل سمعة السعودية وتحديدًا صورة ابن سلمان التي تشوهت بعد مقتل خاشقجي 

أما فيما يخص الجانب الأمني، فإن السعودية تطمح إلى الاستفادة من القوة النووية التي تتمتع بها باكستان لمواجهة منافستها الإقليمية إيران، ولكن قال ابن سلمان في حوار له إن السعودية "لا تريد الحصول على الأسلحة النووية"، مستطردًا" لكن دون شك إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسوف نتبعها في أسرع وقت ممكن"، ومن غير المعروف مدى تقدمها في هذا المجال، فعلى الرغم من التقارير التي تحدثت عن استثماراتها في البرنامج النووي الباكستاني وشرائها أسلحة نووية من السعودية، فإن كلتا البلدين أنكرت ذلك تمامًا، وردت باكستان قائلة: "لا تستند هذه المعلومات إلى أساس من الصحة، وباكستان لا تتحاور مع السعودية حول القضايا النووية".

بالنهاية، ففي الوقت الذي ترى فيه باكستان أن زيارة ابن سلمان لها كأول دولة خلال جولته في آسيا، مجاملة تاريخية ودفعة كبيرة لاقتصادها في مواجهة أزمة الديون الكبرى التي تبلغ 12 مليار دولار، إلا أن المحللين يعتقدون أن هذه الخطوة ما هي إلا محاولة لتجميل سمعة السعودية وتحديدًا صورة ابن سلمان التي تشوهت في الساحة الدولية بعد مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، وذلك مع تيقن تام بأن إنقاذ السعودية المستمر للاقتصاد الباكستاني سيمنعها من فتح باب الأسئلة بشأن قضية خاشقجي.