عاد الصراع من جديد، وكأن بريطانيا لا تنسى دفاترها القديمة، وفي هذا الملف تحديدًا الذي تعاود فتحه كل عام تقريبًا، والجديد اتهام أعضاء من البرلمان البريطاني لـ"فيسبوك " بانتهاك قوانين حماية الخصوصية والمنافسة، بصورة متعمدة، وطالبوه بجانب جميع شبكات التواصل الاجتماعي، بتحمل التزاماتهم القانونية عن المحتوى الذي يُنشر عبر منصاتهم.

اتهامات قديمة ومتجددة.. لماذا؟

الاتهامات البريطانية الجديدة لم تأت وليدة صدفة أو نسفًا لتفاهمات إنجلترا القديمة مع مؤسسة التواصل الاجتماعي الأولى والأشهر في العالم، ولكنها جاءت عطفًا على تقرير ناري أصدرته لجنة التكنولوجيا الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة في مجلس العموم البريطاني، وطالبت فيسبوك بأن لا يتخفى وراء ادعاءاته التي تشير دائمًا إلى كونه مجرد منصة تواصل غير مسؤولة عن أي محتوى يُنشر عبر مواقعها.

سلوك مارك الجديد تجاه البرلمان البريطاني، يصنفه البعض حاليًّا، على أنه تماهي مع حرب الاستعلاء بالهوية التي أشعلها ترامب مع حلفاء بلاده القدامى من الأوروبيين

لجنة التكنولوجيا توصلت عبر دراسات متخصصة أن فيسبوك يتعمد تجاوز إعدادات الخصوصية للمستخدمين، وينقل البيانات الخاصة بالعملاء إلى مطوري التطبيقات، وزاد الأمر اشتعالاً دخل البرلمان البريطاني، استخفاف مارك زوكربيرغ بالمؤسسة النيابية العريقة في العالم، وتعامله معها بنوع من الازدراء، ورفضه الحضور أمام اللجنة، والرد بشكل شخصي على النقاط المثارة التي توصلت لها مؤخرًا.  

سلوك مارك الجديد تجاه البرلمان البريطاني، يصنفه البعض حاليًّا، على أنه تماهي مع حرب الاستعلاء بالهوية التي أشعلها ترامب مع حلفاء بلاده القدامى من الأوروبيين، لذا صعدت اللجنة الإنجليزية المعنية بالأزمة ضد الغطرسة الأمريكية، وتسير حاليًّا على طريق وضع مدونة سلوك أخلاقية، تجعل من بريطانيا وليس مواقع التواصل المختلفة، من يحدد المقبول والمرفوض للجمهور الإنجليزي، على أن تتولى هيئة مستقلة التأكد من الالتزام بهذه المدونة، ودونها سيعرض المخالف لغرامات كبرى على الشركات التي تنتهك هذه المدونة.

ولم يقف التصعيد مع شركة فيسبوك على لجنة التكنولوجيا فقط، فمكتب مفوضية المعلومات البريطانية تدخل هو الآخر، وأحال الشركة إلى أكبر هيئة تنظيمية، بموجب نظام البيانات الأوروبى، للتحقيق معها فى كيفية توجيه شبكة التواصل الاجتماعى للإعلانات ومراقبتها وعرضها على مستخدميها، ومعرفة على وجه الدقة، كيف حصلت شركة كمبردج أناليتيكا الاستشارية على بيانات 87 مليون مستخدم لفيسبوك من أحد الباحثين، واستخدامها لصالح حملة دونالد ترامب، عندما كان مرشحًا فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، ما مثل لهم "استخفافًا خطيرًا" بالخصوصية الشخصية للناخبين، بما يعرض إنجلترا لاختراق مماثل لن تقبل به ولا يوجد ما يجبرها على ذلك. 

ولا تتهاون هيئة المنافسة والأسواق، المعنية بمكافحة الاحتكار في بريطانيا، في إجراء مراجعات عميقة لسوق الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا تتعرض فيسبوك تحديدًا لأزمات سنوية في بريطانيا، وتفاقمت خلال الأشهر الماضية، مع قرب مؤشرات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي والتشكيك في قدرتها بمفردها على كبح جماح التكنولوجيا الأمريكية العملاقة.

تراوغ شركة فيسبوك منذ سنوات من محاولات إلزامها بتحسين استجابتها لاستبعاد الأخبار المزيفة، وخاصة قبل الانتخابات العامة، سواء في المملكة المتحدة أم باقي البلدان الأوروبية

ولجأت الهيئة لتصعيد متدرج، وقيدت قبل أسابيع البيانات التي يمكن للفيسبوك جمعها، حماية المستهلكين، وليس فقط للحفاظ على المنافسة، رغم لجوء فيسبوك لنشر شائعات تفيد بأن الإجراءات البريطانية خلفها محاولة مكشوفة لإيجاد موارد من سوق الإعلان الرقمي، عبر محاصرة شركتي فيسبوك وجوجل، بسبب الضغوط المتوقعة على لندن جراء انحسابها من الاتحاد الأوروبي.  

هل فيسبوك بالفعل عصابة رقمية؟

تراوغ شركة فيسبوك منذ سنوات من محاولات إلزامها بتحسين استجابتها لاستبعاد الأخبار المزيفة، وخاصة قبل الانتخابات العامة، سواء في المملكة المتحدة أم باقي البلدان الأوروبية التي تتضرر من التشويش على سلامة العملية الديمقراطية، والتأثير على مواطنيها بالدعاية المضللة عبر مواد ومحتويات إعلامية تحتوي على أكاذيب وتلفيقات.

وتشكل الأخبار المزورة تهديدًا كبيرًا لما يسمى في أوروبا بـ"نزاهة الديمقراطية"، وهي مخاوف تدعمها بعض تقارير لمراكز بحثية كبرى، أكدت أن الانتخابات الأخيرة في العديد من البلدان بالعالم، كان الناخبون فيها يعتمدون على فيسبوك، رغم نقله أخبار مجهولة ساهمت في تضليلهم، لذا اجتمع المعنيون بالتكنولوجيا الرقمية في المملكة المتحدة للبحث عن حل يواجه إستراتيجية فيسبوك التي تحتضن الأخبار المزيفة، ودعوا الشركة إلى البدء في إيجاد حل صارم لهذه القضية، وتعهدت بالفعل بالتصدي للكثير من الانتهاكات على رأسها صور إساءة معاملة الأطفال وخصوصية حقوق النشر.

وتتمتع القضية بدعم صحفي وإعلامي بريطانيا، ورصدت صحيفة الجارديان زائعة الصيت وحدها، نحو 20 قصة إخبارية مزيفة في الأشهر الثلاث الأخيرة فقط، بمنصة تواصل اجتماعي، كانت مصادر رئيسة للأخبار بالنسبة للكثير من الناس، مما يعني أن استمرار الموقع بالنسبة لهم في تداول هذه الأكاذيب، لا يعني إلا أنه يساهم عن قصد في خداعهم والتدخل بشكل غير مباشر في توجيه الناخبين للتصويت لمرشحين بعينهم أو الانصراف عنهم.

فيسبوك من ناحيتها، وبعد مراوغات كثيرة، خرجت مؤخرًا لتؤكد أن الشركة لا تريد أن تكون الحَكَم في الحقيقة، لا سيما أن ما تطلبه السلطات البريطانية يجافي مبدأ المسؤولية الفردية، أساس الليبرالية الغربية

ويملك البريطانيون نحو 32 مليون حساب على فيسبوك، من إجمالي 66 مليون نسمة، إجمالي تعداد البلاد، مما يعني أن نصف الإنجليز يستخدمون فيسبوك ويقضون عليه وقتًا كافيًا قد يعرضهم إلى دعاية مضللة، وهي نسبة مقلقة في ظل عدم التزام الشركة بوعودها وحذفها في خلال 3 ساعات على الأكثر جميع الأخبار المجهولة التي تظهر لمشتركيها أو على الأقل تنبيه المستخدمين بضرورة التيقن إن كانت القصة صحيحة أم لا، خاصة إذا كانت مزيفة وغير مقترنة بمصدر معلوم وموثوق فيه.

فيسبوك من ناحيتها وبعد مراوغات كثيرة، خرجت مؤخرًا لتؤكد أن الشركة لا تريد أن تكون الحَكَم في الحقيقة، لا سيما أن ما تطلبه السلطات البريطانية يجافي مبدأ المسؤولية الفردية، أساس الليبرالية الغربية، وتمادت الشركة في عنادها، زاعمة أن الأخبار المزيفة تمثل تحديًا متطورًا لقناعات الناخبين، وقدرتهم على الفرز وتحمل المزيد من المسؤولية.

وتحاول الشركة الأمريكية المثيرة للجدل، إقناع الغرب بضرورة التضامن معهم في محو أمية قراءة الأخبار وإدارجها كأولوية عالمية، فالأخبار الكاذبة في النهاية تتعارض مع رسالة الإعلام الحر الذي يسعى لربط الناس بقصص ذات مغزى، وهذا لن يحدث إلا إذا تعودوا على تحمل المسؤولية، والبحث عن مصادر معرفية يثقون بها، وليست ما تفرض عليها من هناك أو هناك.

وحتى لا يدخل فيسبوك في صدام مع الحكومات الغربية، في ظل التوتر السياسي بين ترامب وأوروبا، حدث الموقع برنامجه الرئيسي في يناير الماضي، لمنع ظهور الأخبار التي يعتقد أنها خادعة، في قسم الموضوعات الشائعة، وكذلك لم يعد يأخذ في الاعتبار ترشيح موضوعات للقراء بناء على عدد قرائها ومؤسسات النشر التي تقوم بذلك، ولكنه في الوقت نفسه، كان حريصًا على إعادة الضربة إلى بريطانيا، واتهمها بالتقصير في مسؤوليتها للتصدي للأخبار المزيفة، بالمقارنة مع ألمانيا وفرنسا أو حتى هولندا، وهي بلدان لديها تشريعات وآليات متقدمة تستطيع من خلالها، تحديد الأخبار المتنازع عليها والتصدي لها، وليس فيسبوك الذي لن يستطيع ممارسة هذه المهمة لعدم وجود لديه عدد كاف من المدققين الذين يمكنهم التحقق من المواد المتنازع عليها، في جميع بلدان العالم، وليس إنجلترا وحدها.

رغم المواقف المتباينة من سياسات الفيسبوك في أوروبا، فإن المفوضية الأوروبية للعدالة والمستهلكين والمساواة بين الجنسين، تضامنت مع لندن، واعتبرت أن الموقع يساهم في تدفق الكراهية إلى أوروبا

أوروبا على طريق الأزمة

رغم المواقف المتباينة من سياسات فيسبوك في أوروبا، فإن المفوضية الأوروبية للعدالة والمستهلكين والمساواة بين الجنسين، تضامنت مع لندن، واعتبرت أن الموقع يساهم في تدفق الكراهية إلى أوروبا، وهي قيم غريبة عليها، بحسب تعبير المنظمة، بما يبرر إقلاع الغالبية العظمى من المسؤولين التنفيذين في الحكومات المختلفة الأوروبية عن وسائل الإعلام الاجتماعية، وخاصة فيسبوك، وإلغاء حساباتهم عليه.

المفوضية التي تتولى الملف، تشير إلى عدم قدرتها على تحمل التفاوض إلى الأبد مع فيسبوك، لا سيما أنها تتفاوض مع الشركة منذ ما يقرب من عامين، لذا أعطتها مهلة أخيرة حتى نهاية العام الحاليّ، على أن تواجه في الشهور المتبقية ضغوطًا شرسة، وفي نهاية المطاف، عليها أن تتحمل عقوبات قاسية من كل سلطة وطنية على حدة، بمقدار ما تقدره لنفسها من خسائر من جراء سياساتها، وفي النهاية ستتضامن معها المؤسسات الأوروبية المعنية، ولن يقف الأمر على فيسبوك، بل سيكون على جوجل وتويتر وباقي وسائل التواصل إجراء تغييرات جوهرية على سياساتهم، تلبية لمعايير المستهلك الصارمة في الاتحاد الأوروبي التي ترفض أن تصبح جماهيرهم عرضة للاحتيال وانتهاك حقوقهم.