لا تزال أصداء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لحالة الطوارئ الوطنية، في الـ15 من فبراير الحاليّ، لتأمين تمويل للجدار الحدودي مع المكسيك، تلوح في الأفق، فبعد تلويح أعضاء من الكونغرس بعرقلة تنفيذ الإعلان عبر منصات التشريع، ها هي المواجهة تدخل نفقًا جديدًا قد يكون للمحاكم فيها القول الفصل.

تحالف مكون من 16 ولاية أمريكية رفع دعوى قضائية لوقف العمل بحالة الطوارئ، هذا بخلاف احتجاجات شهدتها عدة مدن أخرى، على رأسها احتشاد كبير للمعارضين لقرار ترامب أمام البيت الأبيض، منددين بهذه الخطوة التي يصفونها بـ"الانقلاب على الدستور".

الدعوى رفعت أمام محكمة فيدرالية في ولاية كاليفورنيا، تلك المحكمة التي سبق لها إصدار أحكام ضد قرارات الرئيس، واصفة ما قام به بأنه تحايل على سلطات الكونغرس الدستورية التي تسند إليها اعتماد المخصصات المالية والميزانية، فهل يتراجع ترامب عن قراره أمام تلك الضغوط؟

مواجهة قضائية

يأتي هذا التحرك في إطار المواجهة الدستورية التي بدأها ترامب الجمعة الماضية حينما أعلن أنه سينفق مليارات الدولارات على الجدار الحدودي مع المكسيك أكثر مما منحه الكونغرس، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن صلاحيات الكونغرس ونطاق صلاحيات الطوارئ الممنوحة للرئيس، حسبما أشارت صحيفة "نيويورك تايمز".

الصحيفة في تقرير لها اليوم الثلاثاء كشفت أن الدعوى التي رُفعت أمام محكمة المقاطعة الفيدرالية في سان فرانسيسكو، تقول إن الرئيس لا يملك القدرة على تحويل الأموال لبناء جدار على طول الحدود المكسيكية لأن الكونغرس هو الذي يتحكم في الإنفاق، ومن ثم ليس من صلاحياته القيام بهذا الإجراء متحايلاً عليه بإعلان الطوارئ في محاولة لسد ثغرات الاعتراض على خطته التي يراها المعارضون للقرار غير مناسبة لظروف أمريكا في الوقت الراهن.

حصول الكونغرس على أصوات كافية لتجاوز الفيتو المتوقع استخدامه من ترامب مسألة فيها شك في ظل دعم الكثير من الجمهوريين للرئيس، ما يجعل المحاكم والمسار القضائي هو الأكثر احتمالاً

المدعي العام لكاليفورنيا كزافيير بيكيرا، أشار إلى أن ترامب نفسه قلل من خطورة الوضع على الحدود الذي لا يستوجب إعلان حالة الطوارئ، موضحًا أن الرئيس نفسه قلل من حجته بأن هناك حالة طوارئ على الحدود، وذلك خلال مقابلة سابقة له، مضيفًا: "ربما يكون أفضل دليل على ذلك هو كلمات الرئيس"، في إشارة إلى خطاب ترامب في 15 من فبراير/ شباط معلنًا خطته: "لم أكن بحاجة إلى القيام بذلك، لكني أفضل أن أفعل ذلك بشكل أسرع".

وتشير الدعوى المرفوعة إلى أن الولايات الـ16 قد اضطرت للذهاب للمحكمة لحماية سكانها ومواردها الطبيعية ومصالحها الاقتصادية، وخلافًا لإرادة الكونغرس، استخدم الرئيس ذريعة "أزمة الهجرة غير المشروعة" لإعلان حالة الطوارئ الوطنية وإعادة توجيه الدولارات الفيدرالية المخصصة لمكافحة المخدرات وتدعيم البنية العسكرية ومبادرات إنفاذ القانون من أجل بناء جدار على الحدود الأمريكية.

يذكر أن الأموال التي ينتوي ترامب الحصول عليها لتمويل الجدار وفق الصحيفة الأمريكية، كالتالي: 600 مليون دولار من صندوق مصادرة أصول وزارة الخزانة لأولويات إنفاذ القانون، 2.5 مليار دولار من حساب الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين و3.6 مليار دولار من الصناديق المخصصة للبنية العسكرية.

تنديد ديمقراطي بالجدار الحدودي مع المكسيك

ما الحجج؟

الحجج التي من المفترض أن يقدمها المعارضون لقرار ترامب تتخلص في حجم الخسائر التي ستقع عليهم حال بناء الجدار، سواء كان الأمر متعلقًا بالولايات الملاصقة للحدود الأمريكية الجنوبية التي من المرجح أن تتضرر من البناء أو التغول الدستوري وإساءة استخدام الصلاحيات التي كفلها الدستور لتحقيق مآرب شخصية.

وعليه يقترح المدعي العام لولاية كاليفورنيا تقديم دعاوى قضائية خاصة من الأشخاص الذين يمتلكون الأراضي أو يمثلون المجتمعات على طول الحدود المكسيكية في ولاية تكساس على سبيل المثال وغيرها من الولايات التي من المفترض أن يعترضها الجدار أو يؤثر سلبًا على حياة الناس فيها.

الدعوات طالبت كذلك مسؤولو الولايات الـ16 وهم (كاليفورنيا ونيويورك وكولورادو وكونيتيكت وديلاوير وهاواي وإلينوي ومين وميريلاند وميشيغان ومينيسوتا ونيفادا ونيو جيرسي ونيو مكسيكو وأوريغون وفيرجينيا) بالإسراع في تقديم الدعاوى بشكل مكثف قبيل بدء تنفيذ ترامب مخططه.

ومن المتوقع رفع دعوى قضائية أخرى على الأقل في وقت لاحق من هذا الأسبوع، إذ أعلن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية نيته تقديم دعوى، لكنه لم يحدد تفاصيل هذه الخطوة بشكل علني، هذا بخلاف دعاوى أخرى من المقرر أن ترفعها بعض الكيانات الحقوقية والسياسية على رأسها  "Protect Democracy" والشبكة الحدودية لحقوق الإنسان.

وزارة العدل الأمريكية رفضت التعليق على الدعاوى المقدمة ضد ترامب حتى الآن، بحسب "نيويورك تايمز" فيما توقع الرئيس الأمريكي فوزه في هذه المعركة القضائية في نهاية المطاف حتى وإن خسر بعض الجولات أمام المحاكم الأولية والدوائر القضائية التي يسيطر عليها الديمقراطيون.

شهدت عشرات المدن الأمريكية على رأسها واشنطن وشيكاغو حشودًا كثيرة من المعارضين للرئيس الأمريكي، طالبته بإعادة النظر في القرار، رافعين عدد من اللافتات كتب على بعضها "ترامب يحتال على الدستور"

هل للكونغرس دور؟

بجانب المنصات القضائية فهناك مسار آخر في إطار الحملة الدستورية للتصدي لإعلان ترامب، يتمثل في موقف الكونغرس ودوره في الطعن على القرار، إذ من المتوقع أن يتخذ مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون الآن نهجًا ذا شقين عندما يعود من العطلة، أحدهما الدعاوى القضائية والآخر إبطال القرار تشريعيًا.

القانون خول للكونغرس حق إلغاء حالة الطوارئ عبر تمرير قرار بعدم الموافقة بثلثي أصوات أعضاء مجلس الشيوخ وتخطي الفيتو الرئاسي، ومن المتوقع أن يمرر النواب مشروع هذا القرار خلال الأيام القادمة، الذي يطرح تلقائيًا على مجلس الشيوخ للتصويت، ورغم سيطرة الجمهوريين على الأغلبية في ذلك المجلس فإن عددًا منهم غير مقتنعين بوجود أزمة تستدعي إعلان حالة طوارئ علاوة على مخاوفهم من ترسيخ سابقة في توظيف الصلاحيات الرئاسية.

حصول الكونغرس على أصوات كافية لتجاوز الفيتو المتوقع استخدامه من ترامب مسألة فيها شك في ظل دعم الكثير من الجمهوريين للرئيس، ما يجعل المحاكم والمسار القضائي هو الأكثر احتمالاً لتحقيق نتائج إيجابية من شأنها دفع الرئيس للتراجع عن قراره أو إلغائه بأمر القضاء.

جدير بالذكر أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ورئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شامر - في بيان مشترك لهما - قالا: "الإعلان غير القانوني للرئيس المنطلق من أزمة غير موجودة، هو انقلاب عنيف على دستورنا"، مضيفًا "الإعلان يزعزع الولايات المتحدة من خلال سرقة تمويلات الدفاع التي سنكون بحاجة إليها عند وقوع أي طارئ على أمن جيشنا وأمتنا، الكونغرس سيدافع عن سلطاتنا الدستورية في المجلس والمحاكم وأمام الجمهور بكل وسيلة متاحة".

وفي الشأن ذاته أعلن حاكم ولاية كاليفورنيا غافن نيوسوم، عزمه مقاضاة الرئيس الأمريكي على خلفية هذا القرار، قائلاً في بيان له: "ترامب يختلق أزمة ويعلن طوارئ وطنية مصطنعة في سبيل انتزاع السلطة وتقويض الدستور"، الأمر الذي يتطلب التصدي له ومواجهته حفاظًا على سمعة أمريكا واستقلالية دستورها.

يذكر أن عدد المهاجرين من الحدود المكسيكية قد تراجع بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة مقارنة بالأعوام السابقة، فقد بلغت عمليات القبض على المهاجرين غير القانونيين على الحدود الأمريكية المكسيكية ذروتها عام 2000، بعدد أكثر من 1.5 مليون في السنة، وانخفض هذا العدد بشكل حاد في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، وفي عام 2017، كانت عند أدنى مستوى لها منذ عام 1971، وفي عام 2018، بالكاد ارتفع العدد إلى ما فوق 400 ألف مهاجر.

توجه ديمقراطي للتصدي لقرار ترامب تشريعيًا

وقفات احتجاجية

خطة التصدي لترامب لم تقتصر على المسار القضائي والتشريعي فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى تشكيل رأي عام داخلي ربما يكون له دور محوري حال حدوث أي تأثير في مستقبل القرار، النقلة خرجت من دائرة قاعات الكونغرس ومنصات المحاكم إلى الشوارع والميادين العامة.

بالأمس شهدت عشرات المدن الأمريكية على رأسها واشنطن وشيكاغو حشودًا كثيرة من المعارضين للرئيس الأمريكي، طالبته بإعادة النظر في القرار، رافعين عدد من اللافتات كتب على بعضها "ترامب يحتال على الدستور"، و"لا نريد ملكا" يحكمنا.

تنظيم تلك الوقفات جاء بناء على دعوة من عدة منظمات مجتمع مدني، وشارك فيها كثير من النشطاء من ولايات أمريكية مختلفة، مستفيدين من عطلة أمس الإثنين التي تعرف بيوم الرؤساء الأمريكيين، للتجمع على مقربة من البيت الأبيض للتعبير عن رأيهم وتنديديهم بالتغول على الدستور عبر إعلان حالة الطوارئ في البلاد في الوقت الذي ليس هناك ما يستدعي ذلك بحسب المتظاهرين.

مأزق جديد يواجه ترامب مع اقتراب نهاية ولايته الأولى، الأمر الذي يضعه في موقف حرج أمام الأمريكيين خاصة في ظل اتساع رقعة المعارضين لسياساته وقراراته الأخيرة

منظمو الاحتجاجات في معرض تبريرهم لتلك الخطوة قالوا إن إعلان ترامب يمثل سوء استغلال للسلطة، وانتزاعًا لسلطات الكونغرس، مؤكدين عزمهم تنظيم 250 احتجاجًا تشمل مدن نيويورك ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، بالتزامن مع تكثيف إجراءات رفع الدعوات القضائية في المحاكم.

مأزق جديد يواجه ترامب مع اقتراب نهاية ولايته الأولى، الأمر الذي يضعه في موقف حرج أمام الأمريكيين خاصة في ظل اتساع رقعة المعارضين لسياساته وقراراته الأخيرة، التي أفقدت أمريكا الكثير من حلفائها ووضعت مصالحها في العالم على المحك، خاصة لو وضعنا في الاعتبار الرسائل التي جسدها مؤتمر وارسو الأخير الذي يعتبره البعض شهادة وفاة غير رسمية للعلاقات الأمريكية الأوروبية، فهل يواصل الرئيس الأمريكي نهجه غير مبالٍ بحملات الانتقادات الموجهة ضده التي ربما تكلفه منصبه خلال الولاية القادمة أم يرضخ للضغوط الممارسة عليه ويتراجع عن قراره؟