لم يلبث نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس، يطالب بالإفراج "فورًا" عن القس الأمريكي أندرو برانسون الذي كان موقوفًا في تركيا لأكثر من عامين، حتى شهدت الليرة التركية هبوطًا متسارعًا بلغ 20% خلال الأسبوع الأول من أزمة التراشق الإعلامي بين أنقرة وواشنطن، ولم يمض الكثير حتى انكسر سعر صرف الليرة التركية بنسبة 40%، وهذا طبيعي في ظل رجوح ميزان القوى العالمي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية "الدولة العُظمى" على حساب تركيا "الدولة الإقليمية".

الحديث هنا عن الأزمة السياسية التي نشبّت بين أنقرة وواشنطن في يوليو/تموز الماضي، تلك الأزمة التي استخدمت واشنطن فيها سلاحًا اقتصاديًا ضد تركيا، حيث هددت بفرض عقوبات صارمة ضد أنقرة، ما لم تُفرج عن القس، ما أدى إلى نزوح كميات واسعة من رؤوس الأموال الفاعلة في البورصة والمصارف التركية، وعزوف بعض شركات الإقراض عن توفير القروض للمؤسسات الحكومية والخاصة على حدٍ سواء.

ربما ليس من الصواب وصف ما حدث للاقتصاد التركي على هامش الأزمة السياسية بين أنقرة وواشنطن، بالأزمة، حيث لم يحدث انهيار كامل

من باب الحفاظ على "الهيبة الدبلوماسية"، قابلت الحكومة التركية التصعيد الأمريكي الإعلامي بالتصعيد الذي قام على التحدي بصبغة "الندية"، حيث فرضت الحكومة رسوم ومقاطعة على بعض السلع الأمريكية، وفيما وصفت أنقرة، على لسان رئيسها أردوغان، الأزمة بامتدادٍ "للحرب الاقتصادية" التي يقودها ترامب ضد دول العالم، من أجل حصر العائد الاقتصادي الأكبر لصالح بلاده، لا سيما في محاولتها لدفع الدول الأخرى لرفع سعر الفائدة من أجل خدمة لوبيات الفائدة حول العالم، أشارت الولايات المتحدة إلى أن تركيا لم تلتزم بعددٍ من الاتفاقات التي تمت بين البلدين.

وربما كان القس الأمريكي العامل الظاهر والأساسي للأزمة، لكن التراشق الإعلام الحاد بين البلدين، وإصرار تركيا على نصب منظومة الدفاع الجوي الروسية "آس 400"، بالإضافة إلى هروب الأموال الساخنة من البورصة والمصارف التركية، وإمعان واشنطن في رفع الرسوم المفروضة على بعض السلع التركية، فضلًا عن التقييم السلبي المُتكرر لقطاع الصرافة التركية من وكالات تصنيف عالمية، لا سيّما في ظل الاعتماد شبه التام على الاقتراض الخارجي، حيث بلغ إجمالي الدين الخارجي لتركيا 453 مليار دولار، ما جعل الاقتصاد التركي يُوصف "باقتصاد الدين"، وعجز ميزان المدفوعات، وغيرها من العوامل ساهمت في تعميق حدة الأزمة على الاقتصاد التركي.

تحركات البنك المركزي من أجل احتواء التدهور

ربما ليس من الصواب وصف ما حدث للاقتصاد التركي على هامش الأزمة السياسية بين أنقرة وواشنطن، بالأزمة، حيث لم يحدث انهيار كامل، لكنها كانت بمثابة الهزة التي دفعت البنك المركزي التركي لدق ناقوس الخطر.

إجراءت عدة اتخاذها البنك المركزي بالتنسيق مع وزارة المالية والخزانة التركية، إجراءات اتسمت بالتوجه نحو السياسات الانكماشية الساعية لتخفيض التضخم المالي من خلال تخفيف كميات الليرة التركية المُتداولة من المُستهلك في السوق، وزيادة الطلب عليها من خلال توفير قروض للمُستثمر الفاعل في القطاعات الإنتاجية، ويمكن سرد هذه الإجراءات على النحو التالي:

ـ رفع الفائدة إلى ما يزيد على 20%، من أجل جذب الودائع الداخلية والخارجية للمصارف التركية، وبالتالي تخفيف حجم الليرة التركية المُتداولة في السوق.

الاقتصاد التركي امتص الهزة، وسعر صرف الليرة حافظ على استقراره ولو نسبيًا، ووكالات التصنيف الائتماني العالمية تتوقع للاقتصاد التركي "مستقبلًا مُستقرًا"

ـ الاتجاه نحو رفع معدلات الادخار من الذهب، لرفع قيمة الليرة على مدى طويل، وتخفيف مدى اعتماد تقييمها على الدولار.

ـ إعلان نموذج اقتصادي جديد يقوم على تقديم تسهيلات عالية المستوى للمستثمرين المساهمين في البورصة والأوراق المالية، ويزيد ثقتهم من خلال ضمان الاستقلالية التامة للسياسات النقدية، ويرفع مستوى الضرائب لتخفيف كميات العملة المتداولة، وبالتالي يزيد الطلب على الليرة التركية.

ـ ضخ سيولة للبنوك بقيمة 10 مليارات ليرة و6 مليارات دولار و3 مليارت دولار من الذهب، من أجل دفع عجلة الاستثمارات الإنتاجية التي تضمن تداول منتظم لليرة، وتضمن حركة صادرات تأتي بالعملة الصعبة لتركيا، أيضًا، إعلان المركزي التركي نيته لاعتماد اليورو كعملة معتمدة لمقابلة احتياطات الليرة إلى جانب الدولار، كما تعهد المركزي بتقديم مرونة في الضمانات المصرفية، في سبيل رفع إجمالي الدعم للاستثمارات الإنتاجية، لكن مع فرض رسوم مرتفعة نسبيًا على عملية منح القروض، من أجل حصر ضخ السيولة في المشاريع الاستثمارية المُجدية.

ـ إصدار التصريحات الإعلامية الرسمية التي تبث روح الاطمئنان في روح المستثمر المحلي الأجنبي، لا سيما نفي الرئاسة التركية وضع الدولة يدها على الودائع المصرفية.

ويبدو أن هذا الإجراءات التي اتسمت بتثبيت دعائم الاقتصاد الانكماشي، أتت أوكلها، فالاقتصاد التركي امتص الهزة، وسعر صرف الليرة حافظ على استقراره ولو نسبيًا، ووكالات التصنيف الائتماني العالمية تتوقع للاقتصاد التركي "مستقبلًا مُستقرًا".

البنك المركزي التركي يتجه نحو سياسات توسعية

أيضًا، لعل المؤشرات أدناه تُبيّن تنفس البنك المركزي الصعداء بعد الهزة التي أصابته العام الماضي، وشروعه في تطبيق بعض السياسات التوسعية في الاقتصاد:

ارتأى البنك المركزي التركي في السياسات الانكماشية ـ التقشفية ضرروةً من أجل تخفيف حجم المديونية الخارجية

ـ منح المصارف هامش من القدرة على المناورة خلال عملية منح القروض من خلال خفض مُعدل الفائدة إلى نسبة 19%، وإعفاء بعض القطاعات كقطاع المواد الغذائية، من جزء كبير من الفائدة.

ـ التنسيق مع المصارف لمنح قروض إسكان بمُعدل فائدة بين 1.5 إلى 1.9%.

ـ خفض ضرائب القيمة المُضافة إلى 8% بدلًا من 18%، وإعفاء المُتسهلك من ضريبة الاستهلاك الخاصة التي تشمل سلع الرفاهية، وإعفائه من الضريبة المفروضة على عملية شراء المركبات أيضًا.

ـ خفض الرسوم المفروضة على عملية اقتراض المصارف منه، وإعفاء تداولات المصارف القائمة على بيع وشراء السلع الثمينة في البورصة، من الرسوم بشكلٍ كامل، بغية تشجيع ضخ السيولة في البورصة دون قيود انكماشية كان قد ركن إليها إبان الهزة المذكورة.

في الختام، ارتأى البنك المركزي التركي في السياسات الانكماشية ـ التقشفية ضرروةً من أجل تخفيف حجم المديونية الخارجية، لكن بحسبان نجاعة السياسات الانكماشية في تخفيف وطأة الأزمة على الميزانية الحكومية، لا سيما من خلال خفض مُعدل التضخم والمديونية العامة، خلال فترةٍ محددةٍ فقط، حيث إن استمرارها يؤدي إلى ركود في الاستثمار الفعلي وإقبال على الاستثمار المالي المصرفي نتيجة ارتفاع مُعدل الفائدة، وبالتالي إلى ركود العملية الإنتاجية التي تؤدي إلى زيادة البطالة وانخفاض مُعدلات الانفاق الاستهلاكي وصولًا لركود في الدورة الاقتصادية، ويبدو أن الوقت حان لاتخاذ سياسات توسعية.