وثائق جديدة تكشف دور فرنسا في الحرب الأهلية الرواندية

أكثر من 25 سنة على انتهاء الحرب الأهلية التي عرفتها رواندا، وراح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين، فترة طويلة لكنها لم تكن كافية كي تمحي الفضيحة على الفرنسيين الذين يُتهمون بالتسبب مباشرة في هذه الحرب التي كادت أن تُمحى على إثرها رواندا من خريطة الدول الإفريقية.

مساعدة المجرمين على الهرب

قبل أيام قليلة، كشفت وثائق جديدة وفقًا لقناة فرانس 24 الفرنسية، أن أعضاء من الحكومة الانتقالية المسؤولة عن إبادة التوتسي في رواندا عام 1994، استطاعوا الفرار من المنطقة التي كانت تخضع لمراقبة الجيش الفرنسي دون أن يتم إيقافهم.

وقالت القناة إن هؤلاء الأعضاء، فروا إلى دولة زائير المجاورة في الـ15 من شهر يوليو/تموز1994، ضمن وفد جماعي، دون أن تعترضهم القوات الفرنسية الموجودة هناك، رغم صدور قرار بمنعهم من الفرار والقبض عليهم لتقديمهم إلى المحاكم الدولية بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.

وعرفت رواند، تلك الجمهورية الإفريقية الواقعة بمنطقة البحيرات العظمى، بداية شهر أبريل/نيسان 1994، حربًا أهلية إثر سقوط طائرة كانت تقل الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا ومقتل جميع من كانوا على متنها، حيث ألقى حينها متشددو الهوتو باللائمة على جماعة الجبهة الوطنية التي تتشكل من أقلية التوتسي، وبدأوا على الفور حملة منظمة للقتل.

في تلك الليلة، بدأت مليشيات قبيلة الهوتو التي تشكل 84% من السكان، حملة تطهير عرقية واسعة لقبيلة التوتسي التي تشكل 15% من السكان، حيث سُلمت قوائم بالغة التنظيم بأسماء خصوم الحكومة المكونة من الهوتو إلى المليشيات المسلحة الذين ذهبوا وقتلوهم إلى جانب قتل جميع أفراد أسرهم.

لطالما اتهمت رواندا فرنسا بالتواطؤ في الإبادة الجماعية بدعمها نظام الهوتو، وتدريبها جنود وعناصر الميليشيا الذين قاموا بأعمال القتل

في تلك الفترة، ولمدة مئة يوم، قتل الجيران جيرانهم كما قتل بعض الأزواج زوجاتهم المنتميات للتوتسي وقيل لهم إن رفضوا فسوف يقتلون، وكانت بطاقات الهوية الشخصية في ذلك الوقت تتضمن الانتماء العرقي، ومن ثم أنشأت المليشيات نقاط تفتيش في الطرق حيث كان يجري قتل التوتسي.

نهاية هذه الإبادة، جاءت في أعقاب سيطرة بول كاغامي الرئيس الحاليّ وقائد الجبهة الوطنية التي تكونت من نحو 4 آلاف مقاتل معظمهم من التوتسي الذين تربوا في المنفى، على البلاد في يوليو/تموز 1994، وهروب أعضاء الحكومة الانتقالية.

ويظل الولوج إلى الملفات والوثائق الخاصة بالدور الفرنسي في أحداث رواندا، حتى اليوم ممنوعًا بسبب القيود القانونية والإدارية رغم القرار السياسي الذي اتخذه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند سنة 2015، وكانت رواندا قد طالبت بفتح الأرشيفات السرية المتعلقة بتلك المرحلة، لكن دون تجاوب من الحكومة الفرنسية.

اتهامات رواندية لفرنسا بالتواطؤ في الإبادة الجماعية

لطالما اتهمت رواندا فرنسا بالتواطؤ في الإبادة الجماعية بدعمها نظام الهوتو، وتدريبها جنود وعناصر الميليشيا الذين قاموا بأعمال القتل، ففي سنة 2017، نشرت الحكومة الرواندية تقريرًا صادرًا عن شركة المحاماة الأمريكية كونينغهام ليفى موسى، الذي كلفته الحكومة الرواندية بإجراء تحقيق عن دور المسؤولين الفرنسيين وإسهامهم في تسليح وتوفير ملاذ آمن للروانديين الذين ارتكبوا الإبادة الجماعية.

وبحث التقرير في المعلومات والشهادات المباشرة لشهود العيان التي كانت مطروحة للجماهير، وكانت نتيجته أن المسؤولين الفرنسيين قدموا ملاذًا لمشتبه بهم في الإبادة الجماعية، وسمحوا للمسؤولين بالاجتماع في السفارة الفرنسية بالعاصمة الرواندية كيغالى، حيث بدأوا بتشكيل الحكومة المؤقتة التي حكمت البلاد خلال عمليات القتل الجماعي.

تقول الحكومة الرواندية إن لديها معلومات، معظمها من مصادر فرنسية، تثبت وتظهر كيفية مشاركة ودعم الحكومة والمسؤولين الفرنسيين، قبل وفي أثناء وبعد الإبادة الجماعية، للحكومة التي ارتكبت هذه الإبادة الجماعية بحق الروانديين.

وفي سنة 2016، نشرت رواندا قائمة تضم أسماء 22 من كبار ضباط الجيش الفرنسي المتهمين بالمساعدة في تخطيط وتنفيذ عمليات القتل، من بين هؤلاء الجنرال جاك لانكساد رئيس الأركان السابق للجيش الفرنسي والجنرال جان كلود لافوركاد قائد قوة "توركواز" التي نشرت في رواندا بتفويض من الأمم المتحدة في 22 من يونيو/حزيران 1994.

رغم المساعي العديدة، ظلت السلطات الرواندية تتهم فرنسا بالوقوف وراء الحرب الأهلية التي شهدتها بلادهم

في شهر أبريل/نيسان 2018، نشر ضابط سابق في الجيش الفرنسي، هو غيوم أنسيل، كتابًا تحت عنوان "رواندا، نهاية الصمت" بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتلك الأحداث، تحدث فيه كشاهد عيان قضى 50 يومًا ضمن البعثة العسكرية الفرنسية في كيغالي، التي كانت تسمى "عملية توركواز"، واتهم أنسيل باريس بالتورط في الإبادة الجماعية التي طالت قبيلة التوتسي، ودعم حزب الجبهة الوطنية الرواندية الذي كان يقود البلاد وقتها، وتسليح منفذي المجازر، بل ولعب دور في عدم تقديم الجناة أمام العدالة.

وكشف أنسيل في شهادته أن باريس لم تضع الجنود الفرنسيين الذين أرسلتهم إلى رواندا في الصورة الحقيقية للأوضاع في البلاد، وهو ما يخالف الأعراف الجارية في الجيش الفرنسي، حسب تعبيره، بل اكتفت بتذكيرهم بأنهم ذاهبون في مهمة إنسانية، لكنهم اكتشفوا خلال وجودهم هناك أن التعليمات العسكرية التي كانت تعطى لهم كان الهدف الخفي منها هو الحيلولة دون سقوط الحكومة التي كانت تقودها الجبهة الوطنية الرواندية، ومنع انتصار أقلية التوتسي، وهو ما يعني - حسب إفادته - السماح باستمرار المجازر.

جرائم تأبى النسيان

ما حصل في جمهورية رواندا سنة 1994، جريمة تأبى النسيان، ومن شأنها أن تكون سببًا في تواصل التوتر القائم بين كيغالي وباريس، وتعد رواندا التي تعني "أرض الألف تل" باللغة المحلية إحدى الدول التي ينبع منها نهر النيل، وتقع في شرق إفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى لشرق وسط إفريقيا، تحدها تنزانيا شرقًا، وأوغندا شمالاً، والكونغو الديموقراطية غربًا وبوروندي جنوبًا، وهي من أقاليم الكونغو الكبير.

وتسعى فرنسا إلى تطبيع علاقاتها مع رواندا، إلا أنها فشلت في ذلك في العديد من المرات، وكانت باريس قد دعمت اختيار منظمة الفرانكفونية في قمتها الـ17 التي عقدت في يريفان في أكتوبر/تشرين الأول من السنة الماضية، وبإجماع الأعضاء، وزيرة الخارجية الرواندية لويز موشيكيوابو لشغل منصب الأمين العام للمنظمة للسنوات الأربعة القادمة، وذلك خلفًا للكندية ميكايل جان التي فقدت دعم بلادها.

لاجئون روانديون يفرون من المعارك في كينغالي في 11 من مايو 1994​

وعينت موشيكيوابو أمينًا عامًا بإجماع الأعضاء خلال اجتماع مغلق في اليوم الأخير من قمة المنظمة، رغم الانتقادات الكثيرة التي أشارت إلى قلة اكتراث رواندا للحقوق الأساسية وعدم اهتمامها بالدفاع عن اللغة الفرنسية.

ونهاية السنة الماضية، أوقف قضاة فرنسيون تحقيقًا مستمرًا منذ سنين في الاعتداء الذي قُتل فيه الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا، وكان هذا التحقيق قد شكل مصدرًا رئيسيًا للتوتر بين البلدين خصوصًا مع اتهام سبعة أشخاص قريبين للرئيس الرواندي بول كاغامي في التحقيق.

ورغم كل هذه المساعي، ظلت السلطات الرواندية تتهم فرنسا بالوقوف وراء الحرب الأهلية التي شهدتها بلادهم، وتتهمها بالتستر على المجرمين ومساعدتهم على الهروب من العدالة، رغم يقينها بإدانتهم، وتمثل هذه القضية أحد أوجه جرائم فرنسا المتعددة في القارة الإفريقية.