اعتادت أسمعانا يوميًا سماع أنباء آلاف الضحايا لذلك التفكير الداعشي المتطرف الذي يبيد العديد من البلدان ويلوث المزيد من أذهان الشباب وخاصة صغار السن، فإلى متى يستمر هذا الهراء؟ متى سينتفض العالم لمكافحة هذا الفيروس البكتيري الذي ينتشر بسرعة البرق لإلقاء حتف زهور البلدان العربية أو الغربية من الشباب والشابات؟ ومتى سينتهي هذا الكابوس المزعج؟

فاليوم نتعرض لضحية أخرى جديدة تُدعى "شميما بيغوم"، تلك الفتاة البريطانية التي دوى صيتها في العديد من وسائل الإعلام العربي والغربي خلال الأيام القليلة الماضية، التي اشتهرت قصتها لتصبح عبرة لكل من تسول له نفسه الانضمام إلى صفوف "مقاتلي داعش".

شميما بيغوم.. التلميذة البريطانية وقصة انضمامها لداعش

عام 2015، غادرت شميما بيغوم ذات الـ15 عامًا منزلها صباحًا، القاطنة بحي "بيثنال غرين" بمدينة لندن في بريطانيا، بعد أن أعلمت أهلها برغبتها بقضاء نزهة مع صديقاتها، لم يكن التوجه لنزهة مع الأصدقاء هو السبب الحقيقي الذي ذكرته شميما لوالديها قبل الخروج من المنزل، بل كان الهدف هو الانضمام لتنظيم داعش، الذي ساعدها على الانضمام إليه صديقة لها تُدعى شارمينا بيغوم التي انضمت لصفوف داعش في 2014.

تزوجت شميما وصديقاتها بعدد من المقاتلين الأجانب المنضمين للتنظيم من جميع أنحاء العالم

توجهت شميما برفقة صديقتين (أميرة عباسي وخديجة سلطان) إلى مطار جاتويك بلندن للاتجاه إلى تركيا، وبالفعل، قام معاونو تنظيم داعش بمساعدة شميما وصديقاتها لنقلهن عبر الحدود إلى مناطق إقامة مقاتلو التنظيم بسوريا، ومن هنا بدأت قصة شميما داخل معسكرات تنظيم داعش.

زواج شميما وصديقاتها وبداية عملية "برمجة العقول"

تزوجت شميما وصديقاتها بعدد من المقاتلين الأجانب المنضمين للتنظيم من جميع أنحاء العالم، وبدأ تنظيم داعش باستخدام مفتاح رئيسي للدخول إلى عقول جميع المنضمين لبرمجتهم لحساب خطة التنظيم، ألا وهو إغراء الشابات بضرورة إنجاب نسل جديد وتربية أجيال جديدة من الأطفال لموالاة دولة الخلافة بحسب زعمهم.

وكغيرها من المنضمات إلى التنظيم، أقامت شميما في منزل مع فتيات أخريات، وخضعت للكثير من التدريبات والأفكار والدروس الأيديولوجية التي يتبناها التنظيم.

شميما تتجرع مرارة الفقد والخوف من المجهول بالفرار

بعد مرور عامين على زواج شميما، لقت خديجة سلطانة حتفها جراء غارة جوية بحسب إفادة عدد من التقارير الإعلامية، كما نوهت التقارير إلى هوية زوج شميما وهو الهولندي الإنجليزي يوجو ريديك الذي اعتنق الإسلام وأنجبت منه طفلين.

وخلال حديث شميما إلى صحيفة التايمز، قالت إنها تجرعت مرارة الفقد بوفاة طفليها الأول والثاني بسبب ندرة الأدوية والعلاجات وسوء التغذية نظرًَا للظروف القاسية التي أخضعها داعش لهم، والآن تعاني القلق من المجهول الذي قد يواجه جنينها ذي التسعة أشهر بعد ولادته، فتقول: "كنت ضعيفة، ولم أعد أتحمل معاناة ومشقة البقاء هنا في ساحة المعركة، أنا خائفة أيضًا من أن الطفل الذي على وشك الولادة سيموت مثلما حدث لي سابقًا عندما قررت البقاء، أريد الهروب من دولة الخلافة، فكل ما أريده الآن أن أعود إلى بريطانيا".

ومع تزايد الغارات الجوية والضربات المتلاحقة ومحدودية المنطقة التي تسيطر عليها داعش، قرر الزوجان الفرار إلى آخر معقل من معاقل التنظيم الداعشي، وذلك قبل أن تنتقل شميما إلى الإقامة بمخيمات اللاجئين في أثناء حملها الثالث.

فور هروب شميما وصديقاتها من لندن إلى سوريا، بدأ الأهل وأجهزة الأمن البريطانية استعادة شميما وصديقاتها إلى رشدهن قبل أن يدنس التنظيم الداعشي أفكارهن

هل شميما نادمة كونها ضحية نتيجة استسلامها للفكر الداعشي أم أنها غير نادمة على انضمامها لداعش؟

فور هروب شميما وصديقاتها من لندن إلى سوريا، بدأ الأهل وأجهزة الأمن البريطانية استعادة شميما وصديقاتها إلى رشدهن قبل أن يدنس التنظيم الداعشي أفكارهن، لم تكن تفكر بريطانيا في قضية شميما وصديقاتها سوى بمحاولة ردع الفتيات خشية تحولهن إلى مواد دعائية للتنظيم، ولكن على الصعيد الآخر، بدت شميما غير نادمة على انضمامها للتنظيم خلال حديثها مع صحيفة التايمز، حيث وصفت عدم مبالاتها وتأثرها عند رؤيتها لرأس مقاتل يعادي التنظيم مقطوعة بالكامل، ووصفت إياه بـ"عدو الإسلام".

بريطانيا ترفض المساعدة وشميما تفقد سبل الرجوع للوطن

هل يمكن لشميما العودة للوطن؟ هل ستساعدها بريطانيا في إنقاذها بالرجوع؟ في الواقع لا يمكن، فلم تُبدِ بريطانيا أي استعداد لتجهيز طاقم قنصلي بريطاني بسوريا لإنقاذ ضحايا التنظيم، ولم ولن توافق أبدًا على التضحية بالقوات المسؤولة لمساعدة أشخاص قرروا بأنفسهم الانضمام إلى صفوف الإرهاب المحظورة.

حتى وإن حاولت شميما أن تنجو بنفسها والخروج من مخيمات اللاجئين لعبور الحدود التركية والسفر إلى بريطانيا، فذلك مستحيل لعدة أسباب:

أولًا: لأن شميما لا تمتلك أي وثائق أو مستندات للسفر، فقد كان من أهم شروط الانضمام للتنظيم أن يسلم المنضمون كامل الأوراق والمستندات التي بحوزتهم لضمان عدم الفرار، وفي الحقيقة، كدليل على ولاء المنضمين، حرق البعض جوازات سفرهم.

ثانيًا: تمتلك بريطانيا سلطة إصدار قرار بإسقاط الجنسية عن شميما.

وفي ضوء ذلك، صرح وزير الخارجية البريطاني ساجد جاويد باعتراضه على عودة البريطانيين المتوجهين إلى منطقة الشرق الأوسط للانضمام لصفوف تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، فيشير إلى أنه لن يتردد في منع عودة البريطانيين الذين دعموا المنظمات الإرهابية في الخارج.

يشير أحد أقرب شميما إلى براءتها الكاملة في ذلك الوقت عندما تم تجنيدها عبر شبكة الإنترنت للانضمام إلى التنظيم

لذلك، حتى وإن حاولت شميما الوصول إلى أي مكان آمن، فسيستطيع المسؤولون السيطرة على الوضع والتحكم في قضية عودتها للوطن، وذلك من خلال إصدار أمر قانوني مؤقت للاستبعاد، وبالفعل تم استخدام هذا الإجراء القانوني من قبل في عام 2017، حيث يمنع هذا القانون عودة أي مواطن بريطاني إلا بعد موافقته على الخضوع للتحقيق والمراقبة لضمان التخلص من التطرف.

موقف عائلة شميما حيال تطرفها وإسقاط جنسيتها

من وجهة نظر عائلة شميما، فإنها وقعت ضحية برنامج توظيف الفتيات عبر الإنترنت للانضمام إلى الجهاد عن طريق إغراء الفتيات المراهقات بالسفر إلى دار الخلافة بحسب ما يشير الفكر الداعشي، ولذلك، يشير أحد أقارب شميما إلى براءتها الكاملة في ذلك الوقت عندما تم تجنيدها عبر شبكة الإنترنت للانضمام إلى التنظيم، فيذكر: "كانت صغيرة جدًا، لا أعتقد أنها كانت لديها الخبرة الحياتية لاتخاذ تلك القرارات".

ومن خلال بيان صادر عن المحامي تسنيم أكونجي، قالت عائلة بيغوم إنها شعرت بخيبة أمل كبيرة من عزم وزارة الداخلية إصدار أمر بحرمانها من جنسيتها، وأضاف "نقوم بدراسة جميع السبل القانونية للطعن في هذا القرار".

من وجهة النظر القانونية، تعتبر شميما طفلة وقت فرارها من بريطانيا للانضمام لصفوف داعش، فإذ كانت دون سن الثامنة عشر، وبناءً عليه وفق دستور بريطانيا فإنه يحق للدولة التصرف بما تراه مناسب لمصلحة المواطن

فالقانون البريطاني يمنع الحكومة من تجريد جنسية شخص ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى جعل الشخص دون الجنسية، لكن وسائل الإعلام البريطانية ذكرت أنه بسبب أن والدة السيدة بيجوم لديها جواز سفر بنغلاديشي، قررت وزارة الداخلية أنها قد تُسقط جنسيتها البريطانية.

شميما طفلة ضحية أم بالغة تقصد ارتداء عباءة داعش؟

من وجهة النظر القانونية، تعتبر شميما طفلة وقت فرارها من بريطانيا للانضمام لصفوف داعش، فإذ كانت دون سن الثامنة عشر، وبناءً عليه وفق دستور بريطانيا فإنه يحق للدولة التصرف بما تراه مناسب لمصلحة المواطن، ولكن الأمر مختلف حاليًّا، فشميما الآن أصبحت بالغة وتصر على ارتداء عباءة داعش وغير نادمة على فعلتها، وفي حال رغبتها بالعودة لبريطانيا فلها أن تتحمل عواقب أفعالها لتواجه محاكمات متوقعة من جانب الدولة.

كيف سيواجه طفل شميما مصيره؟

صرحت شميما بنفسها بخبر حملها في الشهر التاسع، وأعلنت رغبتها بالعودة لبريطانيا إذا وضعت جنينها بسلام، ولكن هل ستتجرأ شميما على العودة لبريطانيا مرة أخرى؟ حتى وإن تجرأت على العودة فلن تقوم بريطانيا بإرسال قوات لإخراجها كما ذكرنا سالفًا، ولكن كل ما بوسع بريطانيا فعله هو توكيل الخدمات العامة بالنظر في مسألة عودة شميما ورضيعها إذا استطاعت الخروج من مخيمات لاجئي داعش.

نظرًا للصالح العام للدولة، فإنه يجب تقديم شميما إلى محاكمة وسجنها في حالة عودتها إلى بريطانيا

فبالفعل وضعت شميما طفلتها الثالثة من زوجها الداعشي الهولندي في مخيمات داعش السورية، وذلك بعد توارد أنباء عن انفصالها عن زوجها الذي لا تعرف عنه أي شيء، ولا إلى أين ذهب، وهل لقى مصرعه أم أنه ما زال على قيد الحياة!

هل شميما تستحق المحاكمة والعقاب؟

في واقع الأمر، نظرًا للصالح العام للدولة، فإنه يجب تقديم شميما إلى المحاكمة وسجنها في حالة عودتها إلى بريطانيا، وبناءً عليه ستخضع إلى عدد من التحريات والتحقيقات الدقيقة، وبرامج إعادة تأهيل لتطهير فكرها من التطرف على يد مجموعة من الخبراء المختصين، ولكن للأسف يعد هذا العمل صعبًا وشاقًا وعادة ما يفشل.

وعلى أي حال، فإن هؤلاء الخبراء وحدهم من يستطيعون تقرير مصير شميما من حيث قدرتها على العودة للحياة الطبيعية التي دنسها الفكر الإرهابي أم لا.

آليات تعامل دول العالم مع العائدين من مقاتلي داعش، هل تخلصوا من سمومهم قبل عودتهم لأوطانهم؟ أم ما زالوا يشكلون آفة وخطر على المجتمع؟

في حقيقة الأمر، وكما نذكر في قضية شميما، أن عودة مقاتلي داعش إلى الأوطان لم يعد بالأمر اليسير على الإطلاق، فبالنظر إلى بريطانيا كحال دول العالم نجدها تدحض كل أشكال الإرهاب والعنف وترفض عودة شميما إلى بريطانيا إلا في حال رغبتها وحينها ستقدم إلى المحاكمة لاتهامها بعدة قضايا، بالإضافة إلى رغبتها في تقرير تطبيق قانون إسقاط الجنسية عنها لما تمثله من خطر.

بالنسبة لفرنسا وبلجيكا، فترفضا كل الرفض عودة المقاتلين المنضمين لصفوف داعش

وفي الواقع، وبعد سقوط التنظيم في سوريا والعراق وخديعة عدد من المقاتلين في داعش نظرًا لاختلاف ترويج التنظيم عما يحدث بأرض الواقع، بدأ الكثير بتقرير العودة إلى الأوطان، ولكن، لا يمكننا أن نجزم بأن العائدين من تنظيم داعش تخلصوا تمامًا وتحرروا من فكر التنظيم، ولذلك يتوافق عدد كبير من دول العالم حول فكرة أن العائدين من تنظيم داعش يمثلون الخطر الأكبر على مستقبل البلاد.

أما بالنسبة لفرنسا وبلجيكا، فترفضا كل الرفض عودة المقاتلين المنضمين لصفوف داعش، فترى الحكومتان أن المنضمين إلى صفوف داعش واجهوا أسس مجتمعاتهم بعنف كبير، ولذلك لا ينبغي أبدًا التفاوض معهم بشأن عودتهم للبلاد مرة أخرى.

كما أشارت فرنسا أنها لا تهتم أبدًا بما قد يواجهه المنضمين لداعش من مصير كالقتل أو الإعدام في العراق، فقد اختاروا بأنفسهم أسلوب حياتهم وعليهم تحمل العواقب.

وبالنسبة لروسيا، فيشير مدير الاستخبارات الروسية إلى خطر عودة مقاتلي داعش لما يمكن أن يرتكبوه من تشكيل عصابات أو جماعات إجرامية داخل البلاد، فبالتأكيد سيحاول الكثير من المواطنين الروسيين العودة إلى الوطن بعد انضمامهم لداعش لتدنيس الوطن بعدد من العمليات الإرهابية الغاشمة.

ومن وجهة نظر أخرى، صرح المتحدث باسم وزير الداخلية الألماني بحق مقاتلي داعش في العودة إلى أوطانهم، فيشير إلى أن لكل مواطن ألماني الحق في العودة إلى بلاده حتى وإن كان منضمًا لصفوف داعش أو حتى مشتبه به.

ومن جهة تونس، أعلن الكثير من المواطنين أمام البرلمان رفضهم لعودة الإرهابيين المنضمين لصفوف داعش، حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن التونسيين كانوا من أوائل المنضمين لتنظيم داعش في العالم مما مكنهم من السيطرة والفوز بمواقع مهمة واكتسابهم خبرات عسكرية كبيرة، وهذا ما يزيد من خطر رجوعهم إلى تونس.

وبرأيك بالنهاية، إلى متى ستستمر معاناة شميما وغيرها من الشباب والفتيات ضحايا الفكر الداعشي؟ هل ستستسلم لوضعها في مخيمات اللاجئين بسوريا أم ستعرض نفسها للمحاكمة في سبيل العودة للوطن؟