الصين تنجح في الحفاظ على علاقات متوازنة مع الرياض وطهران

قبل ساعات من زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لبكين المقرر لها اليوم الخميس في إطار جولته الآسيوية التي شملت باكستان والهند قال الرئيس الصيني شي جين بينغ لرئيس البرلمان الإيراني إن رغبة الصين في إقامة علاقات وثيقة مع إيران لم تتغير بغض النظر عن الموقف الدولي.

بينغ خلال لقائه مع رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أمس الأربعاء أكد على عمق وقدم الصداقة بين البلدين وأنها خضعت لاختبارات عدة، مضيفًا: "مهما تغير الموقف الدولي والإقليمي فإن عزم الصين على تنمية شراكة إستراتيجية شاملة مع إيران لن يتغير" حسبما نقلت وزارة الخارجية الصينية.

تصريحات الرئيس الصيني المتزامنة مع زيارة ابن سلمان التي تهدف في المقام الأول إلى مناهضة النفوذ الإيراني إقليميًا أثارت الكثير من التساؤلات عما تبعث به من دلالات ورسائل للداخل والخارج على حد سواء، خاصة أن الصين لم يذكر أن كان لها دور في صراعات سياسية أو دبلوماسية في الشرق الأوسط، فكيف تحقق بكين التوازن في العلاقات بين طهران والرياض وهما الخصمان اللدودان؟

بكين وطهران.. علاقات تاريخية

الرئيس الصيني خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني قبل 24 ساعة من زيارة ولي العهد السعودي أشار إلى ضرورة تعميق الصين وإيران الثقة الإستراتيجية المتبادلة ومواصلة دعم بعضهما البعض فيما يتعلق بالمصالح الأساسية وبواعث القلق الكبرى، ملمحًا إلى تأييد بلاده التعاون بين الشركاء الدوليين والإقليميين للإسراع بوضع الشرق الأوسط على طريق الاستقرار والتنمية.

تأكيد بينغ على سياسة بلاده تجاه طهران تزامنًا مع ما أثير بشأن أهداف جولة ابن سلمان الآسيوية، التي على رأسها تقليم أظافر طهران في العمق الآسيوي والشرق أوسطي على حد سواء، عبر مليارات الدولارات التي يقدمها عربونًا للمحطات التي زارها، في إشارة إلى الـ20 مليار دولار لباكستان وقرابة 100 مليار أخرى في صورة استثمارات بينية مع الهند، تمثل تحديًا كبيرًا ربما يجهض محورًا أساسيًا من محاور الجولة.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً يلاحظ أن العلاقات بين الصين وإيران تعززت بصورة كبيرة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، فرغم العزلة التي كانت تعاني منها الجمهورية الإسلامية على الساحة الدولية بعد أزمة رهائن السفارة الأمريكية، وفي الحرب بين العراق وإيران (1980-1988)، كانت بكين مصدرًا مهمًا للأسلحة بالنسبة للإيرانيين.

وفي الوقت الذي بدأت أمريكا وأوروبا بالتلويح بفرض عقوبات على طهران في محاولة لوقف برنامجها النووي، حافظت الصين على علاقاتها الاقتصادية وتبادلها التجاري الحيوي معها، وهو ما سمح للإيرانيين بالحصول على البضائع التي ترفض الدول الأخرى بيعها لها.

بينما تمكنت إيران من كسر عزلتها (وبيع نفطها)، حصلت الصين على مصدر وفير للطاقة، وسوق تبيع فيها منتجاتها دون منافس

وفي مارس/آذار 2017، وقَّعت الصين وإيران أوّل عقدٍ تجاريٍّ لإعادة تصميم وتجديد مُفاعل آراك لإنتاج المياه الثقيلة في فيينا، فى خطوةٍ مهمَّة نحو تطوير المفاعل للاستفادة منه في توليد الطاقة، هذا في الوقت الذي تزيد واشنطن من ضغوطها على الدولة الإسلامية حتى بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الموقع في 2015 كانت بكين من أوائل الدول التي أعلنت دعمها للإيرانيين.

وفي هذا العام الذي كثفت فيه الإدارة الأمريكية من دعوات المقاطعة لإيران بلغ حجم حجم الصادرات الإيرانية إلى الصين 17 مليار دولار خلال فترة الشهور الـ11 الأولى من عام 2017، بنمو 28.8% عن الفترة المناظرة 2016، بحسب نائب رئيس غرفة التجارة الايرانية الصينية مجيد رضا حريري.

كما أوضح أن إجمالي الحجم التجاري البيني في فترة يناير/كانون الثاني - نوفمبر/تشرين الثاني 2017، سجل مستوى 33.6 مليار دولار، بنمو 20.4% و7.3% من حيث السعر والحجم على التوالي، قياسًا بالفترة المماثلة 2016، لافتًا إلى أن واردات ايران من الصين خلال الفترة المذكورة، سجلت 16.6 مليار دولار، محققة نموًا بنسبة 13.7% على أساس سنوي، مؤكدًا أن الميزان التجاري البيني سجل فائضًا بواقع 900 مليون دولار لصالح إيران مع احتساب الصادرات النفطية.

ومن ثم فإن العلاقات بين البلدين علاقات تبادل منفعة، وليست من طرف واحد كما يتوقع البعض، فبينما تمكنت إيران من كسر عزلتها (وبيع نفطها)، حصلت الصين على مصدر وفير للطاقة، وسوق تبيع فيها منتجاتها دون منافس، وهو الملف الذي طالما كان يمثل قلقًا للصين طيلة السنوات الماضية في ظل تأرجح أسواق النفط العالمية وإستراتيجية التوسع التي تتبناها.

وزيرا خارجيتي الصين وإيران

شراكة مع السعودية

لم تكن هناك أي علاقات دبلوماسية بين السعودية والصين قبل عام 1990، وكان أول اجتماع بين البلدين في عُمان في عام 1985، وقد سبق أن رفضت الرياض الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية كدولة مستقلة، لكن بعد زيارة الأمير بندر بن سلطان، سفير السعودية لدى الولايات المتحدة، لبكين، تم بعدها إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين.

وفي مارس/آذار 2017، سافر العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، إلى الصين للقاء الرئيس شي جين بينغ، وكان اجتماعًا بين حاكم أكبر مصدر للنفط في العالم ورئيس دولة ستصبح المستورد الأول لهذا المنتج في نفس العام، في محاولة لوضع إستراتيجية جديدة بين البلدين تقوم على المصالح المشتركة.

نجحت الصين بفضل إستراتيجيتها المتوازنة في نسج علاقات قوية ومتزايدة الصلة بكل من السعودية وإيران رغم ما بينهما من خلافات وعداء شديد

اقتصاديًا، أكد نائب وزير التجارة الصيني في أكتوبر/تشرين الأول 2017، عزم بكين والرياض إنشاء صندوق استثماري بقيمة 20 مليار دولار، موضحًا أن السعودية هي أكبر شريك تجاري للصين على مستوى غرب آسيا وإفريقيا، في حين قال نائب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، إن المؤسسات السعودية مستعدة لدراسة تمويل نفسها جزئيًا باليوان (العملة الصينية)، والصين مستعدة لتقديم مثل ذلك التمويل.

أما على المستوى السياسي، فهناك تباين في المواقف بشأن الملفات الإقليمية، ففي الوقت الذي تتطابق فيه الرؤى بشأن الوضع في اليمن، حيث عرضت بكين دعم الحكومة اليمنية التي تحظى بدعم التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية، كان موقف الصين متحديًا لموقف الرياض في سوريا إذ انحازت لحكومة بشار الأسد.

ابن سلمان خلال وصوله للصين

إستراتيجية التوازن

نجحت الصين بفضل إستراتيجيتها المتوازنة في نسج علاقات قوية ومتزايدة الصلة بكل من السعودية وإيران رغم ما بينهما من خلافات وعداء شديد، الأمر لم يقتصر عند هاتين الدولتين فحسب، بل أضف إليها دولة الاحتلال التي تشهد علاقاتها ببكين تناميًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.

ورغم الخلاف بين إيران من جانب والسعودية والكيان الصهيوني من جانب آخر، فإن بكين نجحت في تحقيق التوازن بين الطرفين، فكانت شريكًا محوريًا للطرف الأول في نفس الوقت الذي تربطها علاقات قوية بالطرف الثاني دون أن تؤثر علاقة كل طرف على الآخر وهو ما يحسب للدبلوماسية الصينية بنجاح مقارنة بقوى أخرى كالولايات المتحدة وروسيا على سبيل المثال.

أحد أبرز أسباب نجاح الصين في دبلوماسيتها قوتها الناعمة في الشرق الأوسط، حيث تبذل جهودًا ملموسة لزيادة التجارة والاستثمارات، لا سيما في قطاع الطاقة، كما تتفاوض حاليًّا مع دول "مجلس التعاون الخليجي" على اتفاقية تجارة حرة، هذا بخلاف تمويلها لإنشاء بعض المؤسسات الدينية والثقافية والرياضية في بعض دول المنطقة، وما لهذا التوجه من تأثير كبير.

وهنا يبقى السؤال: كيف تنجح الصين في تحقيق هذه المعادلة الصعبة رغم الصراعات بين طرفي العلاقة؟ هذا ما سعت إميلي هوثورن، محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة ستراتفور، وهي منصة استخبارات جيوسياسيّة مقرّها أوستن (تكساس) للإجابة عنه في حديثها لموقع ( BBC Mundo ).

نجاح الصين في إحداث هذا التوازن إلى تجنبها الولوج في مناطق النزاع السياسي والأيديولوجي مع الدول الأخرى، مكتفية بالبعد الاقتصادي والمصالح المشتركة لا أكثر

هوثورن استهلت حديثها بأنه "ليس هناك توافق يجمع إيران و"إسرائيل" والمملكة العربية السعودية، سوى أن ثلاثتهم سعداء بالتعاون مع قوة اقتصادية مثل الصين"، مضيفة: "لقد سعت الصين دائمًا للحفاظ على علاقات مستقرة مع دول الشرق الأوسط دون التطرق للجانب الديني أو الأيديولوجيا السياسية، وتتجنب أيضًا اتخاذ موقف حازم تجاه الاتجاهات السياسية في هذه المنطقة متعددة الانتماءات، وركَّزت بدلاً من ذلك على ما يمكن الوصول إليه من تعاون اقتصادي، لذا فإن هذه الدول سعيدة بالتجارة والاستثمار مع الصين، التي لا تفرض أي أيديولوجية كما يفعل الشركاء الآخرون، خاصة الولايات المتحدة".

المحللة في مؤسسة ستراتفور أرجعت نجاح الصين في إحداث هذا التوازن إلى تجنبها الولوج في مناطق النزاع السياسي والأيديولوجي مع الدول الأخرى، مكتفية بالبعد الاقتصادي والمصالح المشتركة لا أكثر، موضحة أنه وعلى عكس واشنطن، لا تتدخل بكين أو تضع شروطًا فيما يتعلق بسياسات حقوق الإنسان الخاصة بتلك الدول.

أما عن أهداف بكين في الشرق الأوسط والتي على أساسها تحدد خريطة علاقاتها الخارجية فتتمحور في ثلاثة أهداف: الأمن في مجالات الطاقة، وتوسيع نطاق شركات التكنولوجيا التابعة لها، وضمان عدم تعرّض استثماراتها في طريق الحرير الجديد للخطر، لافتة هورثون أن: "كل هذه الأولويات مرتبطة بعلاقات الصين مع إيران و"إسرائيل" والمملكة العربية السعودية".

ورغم النجاح الكبير الذي حققته بكين في تلك الإستراتيجية فإن المزيد من المشاركة في المنطقة وإن كان تحت عباءة الشراكة الاقتصادية من المتوقع أن يصل إلى مرحلة تكون فيها الصين مجبرة على التعرض لبعض الأطر السياسية وما لها من تداعيات، وهو ما يحرص الصينيون على تجنبه في الوقت الحاليّ.