يتكون البرلمان التونسي، في نسخته الحاليّة، من العديد من الأحزاب الكبيرة والصغيرة من حيث التمثيل النيابي والعديد من النواب المستقلين أيضًا، إلا أن هذا المشهد قد لا يتكرر خلال الانتخابات التشريعية القادمة، إذا تم اعتماد المقترح الحكومي بتعديل القانون الانتخابي خاصة فيما يتعلق بنقطة "العتبة الانتخابية"، وفق بعض الأصوات المعارضة في تونس، فهل يمثل الترفيع في "العتبة" بداية اندثار الأحزاب الصغرى في مهد الثورات العربية؟

عتبة انتخابية بنسبة 5%

ينظر البرلمان التونسي، هذه الأيام، في مشروع قانون ينقح القانون الانتخابي بإدراج عتبة انتخابية بنسبة 5% بداية من الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة في ربيع العام الحاليّ، وكانت لجنة النظام الداخلي والحصانة بالمجلس، قد صادقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، على مشروع قانون العتبة الذي تقدمت به الحكومة للبرلمان في إطار تنقيح القانون الانتخابي. 

والتنقيح هو مشروع حكومي يستند إلى تشخيص يرى في نظام الاقتراع الحاليّ - الذي لا يعتمد عتبة انتخابية في الانتخابات التشريعية - سببًا في أزمة الحكم التي تعرفها البلاد، لذلك فهو يهدف وفق الحكومة إلى ترشيد الأصوات وتفادي تشتتها، ونعني بالعتبة الحد الأدنى من الأصوات التي يشترط القانون الحصول عليها من القائمة المترشحة، ليكون لها حق في الحصول على حصة ضمن المقاعد المتنافس عليها في الانتخابات.

عرفت تونس، خلال السنوات الثمانية الماضية، التي أعقبت ثورة 14 يناير 2011، تعاقب 9 حكومات على الحكم

جرت الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس سنتي 2011 و2014 دون اللجوء إلى العتبة الانتخابية، حيث وقع إقرارها لأول مرة في شهر فبراير/شباط من السنة الماضية من خلال تنقيح القانون الانتخابي قبل إجراء الانتخابات البلدية بإقرار عتبة 3%.

بحث عن الاستقرار في الحكم

ترى كتلة حركة النهضة وحزب نداء تونس والائتلاف الوطني التي تدافع عن هذا المشروع الحكومي بأن رفع العتبة الانتخابية من شأنه أن يقضي على التشتت الحزبي ويسهل تمرير مشاريع القوانين المعطلة بسبب عدم وجود أي كتلة برلمانية قادرة وحدها على تمريرها بـ109 أصوات، وتقول هذه الأحزاب إن القانون الحاليّ عطل العمل البرلماني وحال دون اتخاذ قرارات.

ولا يسمح النظام الانتخابي الحاليّ في تونس، الذي يعتمد على نظام الاقتراع النسبي مع أكبر بقايا الانتخابات، لأي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات بالبرلمان (109 مقاعد)، وهو ما يحتم على الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد البحث عن تحالفات سياسية أخرى، كما حصل مع حركة نداء تونس في انتخابات 2014.

وترى هذه الكتل الثلاثة، أن الغاية من هذا التعديل المثير للجدل، إيجاد حل لأزمة الحكم التي عرفتها البلاد منذ سنة 2011، حيث اتسمت تونس بتعدد الحكومات وعدم استقرارها وعدم قدرتها على القيام بأي إصلاحات، تقضيها المرحلة.

يتكون البرلمان التونسي من 217 نائبًا

عرفت تونس، خلال السنوات الثمانية الماضية، التي أعقبت ثورة 14 يناير 2011، تعاقب 9 حكومات على الحكم، بمعدل أقل من سنة لكل حكومة، وترأس هذه الحكومات 7 رؤساء حكومة، ويعتبر رئيس الحكومة الحاليّ يوسف الشاهد الذي تولى الحكم في أغسطس/آب 2016، أطولهم مكوثًا في قصر القصبة.

ونتيجة تعاقب العديد من الحكومات على قصر القصبة، عرفت تونس هزات متتالية عديدة، كادت أن تجهض مسار الانتقال الديمقراطي الذي تتباهى به بين باقي دول الربيع العربي التي عرفت ثوراتها انتكاسات كبرى، وانتهجت الدم والفوضى طريقًا.

القضاء على الأحزاب الصغيرة؟

من شأن اعتماد هذا التعديل، أن يؤثر بشكل مباشر على نتيجة الانتخابات المقبلة، حيث من المتوقع أن يحرم أي مترشح للانتخابات بصفة حزبية أو مستقلة أو ائتلافية من أي مقعد برلماني في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المقبل، إلا إذا حصل على أقل تقدير على 5% من عدد الأصوات الكلي في الدائرة الانتخابية، من دون احتساب الجزئيات المئوية (الكسور التي تقل عن النقطة المئوية الواحدة).

وسيؤدي اعتماد هذا التعديل، إلى اقتصار المشهد البرلماني المقبل على أربعة أحزاب في الغالب كحد أقصى، علمًا أن البرلمان يضم اليوم أكثر من 17 حزبًا، بعضها تكون بعد انتخابات أكتوبر 2014، على غرار حركة مشروع تونس التي يقودها محسن مرزوق.

وترى أحزاب المعارضة أن هذا التعديل يمثل أداة لإقصاء العديد من الأحزاب من المشهد السياسي ومن المشاركة الديمقراطية تحت قبة مجلس نواب الشعب، ويفترض أن تتم المصادقة على هذا التعديل في قادم الأيام خلال سنة قبل الموعد الانتخابي المقبل، أي قبل نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ.

وسبق أن عبرت العديد من المنظمات عن استغرابها الشديد للتمشي الذي ذهبت إليه السلطة التشريعية المتمثل في تعديل لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية للقانون الانتخابي وإدراج عتبة بـ5% للحصول على مقاعد في الانتخابات التشريعية القادمة، مؤكدة أن القرار سيكون له تأثير سلبي على مستقبل الانتقال الديمقراطي.

إذا طبقنا هذه التعديلات على نتائج انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2014، ستكون النتائج المباشرة غياب أحزاب من البرلمان وتقلص تمثيلية أحزاب أخرى

ما يثير أحزاب المعارضة أيضًا، توقيت عرض هذا التعديل، فقد جاء طرح هذا التعديل الحكومي قبل أقل من سنة على موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، الأمر الذي سيصعب مهمة الأحزاب والمستقلين للم شتاتهم والتكتل في كيانات كبرى بشكل قياسي قبل الموعد الانتخابي المقرر في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019.

تهديد المسار الديمقراطي

ترى أحزاب المعارضة أن هذا التعديل المقترح من الحكومة، سينسف مبدأ التعددية الحزبية التي تعتبر أحد أبرز مبادئ الديمقراطية التي تسعى تونس إلى ترسيخها، فهي ستمكن أحزاب قليلة من ولوج البرلمان فيما تقصي الأحزاب المعارضة والأحزاب الصغرى والمستقلين من الفوز بمقاعد في البرلمان.

وتخشى أطراف عدة في البلاد أن يؤدي هذا الأمر إلى طغيان لون واحد على البرلمان التونسي في قادم المحطات الانتخابية، وهو ما سيؤدي بالبلاد إلى الاستبداد والذهاب إلى نظام الحزب الواحد كما كان عليه الحال قبل 2011، وفق قول المعارضة.

وتقول هذه الأحزاب إن الديمقراطية التونسية مهددة بمثل هذه الإجراءات الحكومية الأحادية الجانب، التي تسعى إلى فرض توجه معين على التونسيين، وإقصاء الطرف المعارض لها، وترى أن تنوع المشهد البرلماني الذي تتفاخر به تونس ويعتبر من مكاسب الديموقراطية في البلاد سيزول إلى الأبد.

تعتبر حركة النهضة أبرز المستفيدين من "العتبة"

إذا طبقنا هذه التعديلات على نتائج انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2014، ستكون النتائج المباشرة غياب أحزاب من البرلمان وتقلص تمثيلية أحزاب أخرى، في مقابل تحقيق كل من نداء تونس والنهضة لمقاعد إضافية لكل منهما تمكنهما من الاستحواذ على أكثر من 180 مقعدًا من أصل 217.

ومن بين أبرز المستفيدين لإقرار هذا التعديل الحكومي الجديد حركة النهضة، التي تعتبر أبرز مستفيد من العتبة وبدرجة غير محددة حركة تحيا تونس التي يتزعمها يوسف الشاهد، وبدرجة أقل نداء تونس إضافة للتيار الديمقراطي والجبهة الشعبية.

تمرير هذه التعديلات التي أحيت من جديد الجدل بين مؤيدي العتبة ورافضيها، إن تم سيعيد دون شك تشكيل المشهد السياسي والحزبي التونسي وليس فقط خريطة مجلس نواب الشعب، على عكس العتبة التي وقع اعتمادها في الانتخابات البلدية، ما يجعل البلاد تدخل في تجربة جديدة، يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار الحكومي أو إلى استبداد الحزب الواحد، الأمر الذي ستكشفه الفترة المقبلة.