"عندما أصبحتُ مديرةً، كانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي هو عدد الرجال الذين جاءوا لمكتبي لطلب ترقية أو زيادة أو مكتب أكبر، كنتُ مصدومة تمامًا لأنني لم أطلب تلك الأشياء لنفسي ولم أتلق مثل هذه الطلبات من النساء اللاتي أشرف عليهن"، بالجانب إلى ما ذكرته جوان ليبمان في كتابها "هذا ما قالته"، تشير صوفيا سيميو مديرة تنفيذية في شركة "أي إن سي"، إلى نفس المسألة وتقول: "الشيء الوحيد الذي لا يزال يفاجئني، أنه خلال 30 عامًا من العمل، لم تطلب واحدة من موظفاتي زيادة في الراتب، لقد طلبن المزيد من الامتيازات والمرونة لكنهن لم يطلبن المزيد من المال".

وبينما تتساءل سيميو عن سبب اختلاف تجربتها مع الموظفين الذكور، تضيف ليبمان إلى ذلك قصة أخرى وتقول إن أحد زملائها الذكور في العمل حثها على الشكوى من صغر مكتبها وضرورة استبداله بمكتب أكبر يلائم منصبها الجديد، إلا أن ليبمان قابلت هذا الكلام بالاستهتار ولكن عندما عرفت أن زملاءها من الذكور الذين امتلكوا مكاتب كبيرة بمساحات مغلقة وخاصة كانوا يحصلون على أجور أعلى منها، على الرغم من أنهم يعملون في نفس المنصب والموقع، أدركت أن الفرق الوحيد بينهم كان أنها لم تفكر أبدًا في التفاوض بشأن هذه الأمور.

النساء لا يطلبن المزيد من المال

توضح ليبمان في كتابها أن المسائل المتعلقة بالفجوة بين الجنسين، سواء في العمل أم الأجور، ليس إثم الرجال وإنما النساء اللواتي ناقشن هذه القضايا فيما بينهن لسنواتٍ طويلة ولكنهن لم يتحدثن عنها مع الرجال ولذلك تقع نصف المشكلة على مسؤولية المرأة، إذ تقول في كتابها:

12.5% فقط من النساء فاوضن بشأن راتبهن الأول مقابل 52% من الرجال

"عندما تفكر في جميع القضايا التي تواجهها النساء في مكان العمل التي نتحدث عنها مع بعضنا البعض، مثل: التعرض للتهميش والشعور باحترام أقل من الرجل الذي يجلس بجوارنا مع وجود فرص أقل ومقاطعات متتالية طوال الوقت.. هذه الإحباطات اليومية والعقبات التي نواجهها، نتحدث عنها فيما بيننا، وهناك كتب كتبت والمؤتمرات التي نذهب إليها ونتحدث فيها مع بعضنا البعض، لكننا لم نتحدث إلى الرجال عنها، ما جعلني أشعر أن حديث النساء مع بعضهن الآخر هو نصف المحادثة ولن نصل سوى إلى نصف الحل".

وفي السياق، تقول ليندا بابكوك أستاذة الاقتصاد ومؤلفة كتاب "للنساء اللواتي لا يسألن"، إنها أجريت دراسة على 78 طالبًا وطالبة ماجستير، ووجدت أن 12.5% فقط من النساء فاوضن بشأن راتبهن الأول مقابل 52% من الرجال، وبحسب تقديرها فإن ذلك يعني أن المرأة تخسر أطنانًا من النقود مقابل استسلامها لما يملى عليها خلال مسيرتها المهنية، علمًا أن النساء الأصغر سنًا أو اللواتي يقمن بإعالة أسرهن أكثر جرأة في المطالبة والمفاوضة بشأن الراتب أو الزيادة.

إذا اختارت المرأة أن تنسحب مؤقتًا -لمدة 18 شهرًا - لمنح عائلتها بعض الوقت والاهتمام أو للالتفاف لالتزامات أخرى، ثم قررت العودة فإنها تحصل على 41% أقل من رواتب زملائها الذكور

ولا شك أن ذلك يزيد تلقائيًا من فجوة الأجور بين الجنسين، فبحسب كلوديا غولدين، خبيرة اقتصادات العمل في جامعة هارفارد، فإن النساء في وادي السيلكون يكسبن أقل من 40% إلى 73% من نظرائهن الذكور، وأنهن بشكل عام بعد سنة واحدة من التخرج يحصلن على رواتب أقل بنسبة 6.6% من الرجال، ما يعني أن المرأة تحتاج إلى العمل لمدة 12 سنة أطول لمجرد الحصول على نفس المبلغ الذي يجنيه الرجل.

جدير بالذكر أن الدراسات أظهرت أن النساء اللاتي لم يتزوجن ولم يكن لديهن أطفال واجهن نفس الفجوات المهنية في الأجور، فوفقًا لاستطلاع "كاتاليست"، فإن النساء اللواتي لم يأخذن إجازة لم يحصلن على نفس الفرص والمكافآت التي يحصل عليها الذكور، وإذا اختارت المرأة أن تنسحب مؤقتًا - لمدة 18 شهرًا - لمنح عائلتها بعض الوقت والاهتمام أو للالتفاف لالتزامات أخرى، ثم قررت العودة فإنها تحصل على 41% أقل من زملائها الذكور، وهن ما أطلقت عليهن ليبمان اسم "النساء غير المرئيات" اللاتي يمتلكن الطموح والقدرة ولكنهن يجدن صعوبة كبيرة في الانضمام مجددًا للقوى العاملة.

إذًا، لماذا لا تفاوض النساء من أجل راتب أعلى؟

رأى الباحثون أن عدد الرجال الذين يطلبون زيادة مالية أربعة أضعاف النساء، وقد خلصت نتائج دراسة أخرى أن نحو 7% من النساء يحاولن التفاوض مقابل 57ً% من الرجال وإذا طلبت النساء، فإنهن عادةً ما يطلبن أقل من الرجال بنسبة 30%، وجزء من السبب هو أن المرأة لا تعرف في الواقع ما هي جديرة به، وغالبًا ما تخاف من الترويج لذاتها ومؤهلاتها وإنجازاتها، معتقدةً أن اجتهادها سيلفت الأنظار إليها "يومًا ما" وسيلاحظها أحد الرؤساء ويرسل الترقية إلى مكتبها، لكن احتمالية حدوث هذا أقرب للصفر.

يضاف إلى ذلك، أن النساء ينظرن إلى التفاوض على أنه فعل غير لائق ويظهر جانبًا جشعًا ويائسًا وأنانيًا من شخصياتهن دون أن يعلمن أنهن غالبًا ما يخفين قيمة مساهماتهن في مكان العمل، ما يعزز شعور من حولهم بالشك بشأن قدراتهن وأدائهن، عدا عن خسارتهن نحو مليوني دولار من الأرباح المفقودة من أعمارهن المهنية.

يتم اتهام  النساء اللاتي يطلبن زيادة بالعدوانية بسبب خروجهن عن الإطار التقليدي الوديع والمسالم، وهذا ما يدفعهم أحيانًا للتخلي عن الكثير من المال والنفوذ المهني مقابل الوفاء بالتوقعات الجنسية الاجتماعية

المشكلة الأخرى هي أن المرأة تبني توقعات أقل بشأن نفسها وبالتالي تحصل على نتائج أقل، لأن التوقعات تدفع السلوك، ما يجعلها تحصل دومًا على الحصة الأقل لأن توقعاتها أقل من المفترض، وقد يكون ذلك نابعًا من البرمجة الاجتماعية التي تجعل النساء يقدرن إسهاماتهن الشخصية بشكل أقل من الرجل، وذلك عدا عن قلقها على سمعتها في مكان العمل وخوفها من إفساد علاقتها مع رئيسها في العمل.

وهناك أيضًا، خوفها من العقوبات الاجتماعية، فلقد وجد باحثون من مدرسة كينيدي أن النساء اللاتي يطلبن زيادة يتعرضن لدفع "تكلفة اجتماعية" ويتم اتهامهم بالعدوانية بسبب خروجهن عن الإطار التقليدي الوديع والمسالم، وهذا ما يدفعهن أحيانًا للتخلي عن الكثير من المال والأرباح المستقبلية والقوة المهنية مقابل الوفاء بالتوقعات الجنسية الاجتماعية.

بالنهاية، من المهم أن ندرك - نحن النساء - أن التفاوض والمبادرة هما المفتاح الوحيد لإغلاق فجوة الأجور والقيمة في عالم الأعمال والمال، وأن انشغالنا بالأحكام الاجتماعية وافتراضيات الرفض ما هي إلا خسارة للكثير من المزايا والقيم النقدية التي تعبر عن طموحنا المالي والمهني بشكل ذكي وبعيد كل البعد عن الانتهاز والطمع.