تعد الإمبراطورية العثمانية واحدة من أكبر الإمبراطوريات التي شهدها التاريخ، حيث استمر بقاؤها منذ القرن الثالث عشر حتى القرن العشرين، وحكمت مساحات شاسعة من العالم. إلا أنه بعد انهيار الدولة العثمانية، تشكّلت خلال عقود صورة نمطية لسلاطين بني عثمان، واقتصرت هذه الصورة على تصويرهم إما كقادة عسكريين في ساحات الوغى، أو كسلاطين غارقين في الملذات وسط حريم القصر.  

وبغض النظر عن أسباب رسوخ هذه الصورة النمطية بحق سلاطين بني عثمان، فإن حياة هؤلاء السلاطين من وجهة نظر الباحثين المختصين لم تكن كذلك بالتأكيد. ومما يجب الإشارة إليه في هذا السياق، كتاب الباحث التركي مصطفى أرمغان، بعنوان "التاريخ السري للإمبراطورية العثمانية.. جوانب غير معروفة من حياة سلاطين بني عثمان". يحاول أرمغان في كتابه كسر هذه الصورة النمطية السائدة عن السلاطين، والتي تظهرهم وكأنهم لا يبكون ولا يضحكون ولا يفرحون ولا يحزنون، وهي ما جعلته يلقي الضوء على جوانب غير معروفة من حياتهم.

يقول أرمغان: "من الطبيعي أن تكون لأولئك الأشخاص حياة عاطفية وإنسانية، أي أنهم يصابون بالصداع وتطول أظفارهم وتنخر أضراسهم ويتضايقون ويعشقون، ويظهر ذلك بجلاء في رسائل الغزل التي كتبها السلطان عبد الحميد الأول لجاريته روهشاه، فقد أظهرته تلك الرسائل كمَن يعرف كيف يسكب عواطفه السرية في سطور ملتهبة".

كان الأمراء يحافظون على مواهبهم حتى يصبحوا سلاطين، فيمارسون فنّهم بجوار عملهم الأساسي كسلاطين

سيلاحظ المتابع للأبحاث التي تناولت حياة هؤلاء السلاطين من جوانب مختلفة، أنهم تلّقوا منذ الصغر تعليما مميزا، فكان تعليم الأمراء يبدأ في القصر، ويتضمن التعليم الأساسي القراءة والكتابة والقرآن وبعض اللغات كالعربية والفارسية، والتاريخ والأدب والجغرافيا. وكانت هناك دروس خاصة أخرى لكل أمير حسب هوايته، فمنهم من تعلّم مثلا رمي الرماح أو فن الخط أو النجارة و التذهيب أو الموسيقى وفنون الشعر، وهكذا.

كان الأمراء يحافظون على مواهبهم حتى يصبحوا سلاطين، فيمارسون فنّهم بجوار عملهم الأساسي كسلاطين. وهذا الاهتمام بالفن، هو ما جعل السلاطين العثمانيون يدعمون الفن والفنانين، وبشكل عام، فإن الفنانين كانوا على علاقة وطيدة بالقصر في أغلب فترات الحكم العثماني، حتى أن بعض السلاطين كانوا يخصصون معاشا لأصحاب الفنون.

ووفق ما أورده العديد من الباحثين في تاريخ الدولة العثمانية، فإن حوالي 36 سلطانا عثمانيا كانوا يشتغلون بالفن، وكل واحد منهم كان مختصّا في فن واحد على الأقل. ففي فن الشعر مثلا، كان السلاطين الذين يهتمون بالشعر والأدب يقيمون مجالس لهذه الفنون داخل القصر. وهناك تسعة سلاطين لديهم دواوين شعرية. وكان السلطان بيازيد الأول المعروف بـ"الصاعقة" أول السلاطين الذين نظموا الشعر واهتموا به.

السلطان ياووز سلطان سليم، كان شاعرا ، وله ديوان شعري باسم مستعار "سليمي"، وتم تجميع الأشعار التي كُتبت حول هذه الانتصارات في الكتاب المعنون بـ"سليم نامه"

السلطان محمد الفاتح من السلاطين الذين اهتموا كثيرا أيضا بالشعر والشعراء. فبعد أن فتح القسطنطينية، حاول تجميع الشعراء والفنانين في المدينة التي عُرفت بعد ذلك باسم اسطنبول، حتى أنه قام بجلب الفنانين من خارج الإمبراطورية، ودعمهم وطلب منهم أن يعلّموا فنونهم للعثمانيين. وقد كتب محمد الفاتح ديوانا شعريا، باسم مستعار "عوني". كما اهتم الفاتح أيضا بفن الرّسم وساهم في ازدهاره. ومن بين الفنانين الذين جلبهم السلطان الفاتح إلى اسطنبول، الرسام الإيطالي جينتيلي بيليني، الذي قام بعمل بورتريه خاص للسلطان، وهو من أشهر البورتريهات له حتى الآنِ.

السلطان ياووز سلطان سليم، كان شاعرا أيضا، وله ديوان شعري باسم مستعار "سليمي"، ونظرا لأن الإمبراطورية العثمانية قد خاضت العديد من الحروب في هذه المرحلة، وانتهى أغلبها بظفر السلطان، فتم تجميع الأشعار التي كُتبت حول هذه الانتصارات في الكتاب المعنون بـ"سليم نامه". كما ورث السلطان سليمان القانوني حب الشعر عن والده سليم، وله ديوان شعري نشره باسم مستعار أيضا "مُحبِّي"، وكتب أشعارا عديدة في الغزل.  

ازدهرت الفنون اليدوية أيضا في العهد العثماني، واشتغل بها بعض السلاطين، مثل سليم الثاني، الذي كان يصنع العصا المطرّزة ويهديها إلى قوافل الحجاج. كما عُرف عن كثير من السلاطين دعمهم للفنانين الذين يمارسون هذه الحِرَف. السلطان محمد الثالث، مثلا، كان أسطى في صناعة الملاعق بمختلف أشكالها، وكان يصنع خواتم خاصة للرُماة، وكان عضوا فيما يشبه النقابة اليوم، لصانعي الخواتم.

وممن اهتموا أيضا بهذه الحِرف، السلطان أحمد الأول، المعروف بشغفه بكل ما يخص "رمي السهام"، كالعصا المطرزة والسهام وما إلى ذلك. وكان عضوا في جمعية رمي السِّهام، بالإضافة إلى أنه كان ينسج "السوط الشركسي". أما السلطان عثمان الثاني، الذي قام الإنكشاريون بإنزاله عن العرش وقتله، كان مهتما بصناعة أسرجة الأحصنة.

 عُرف عن السلطان عبد الحميد الثاني ولعه بالفنون اليدوية، حيث تلقّى دروسا في النجارة والرسم منذ أن كان أميرا

السلطان محمود الأول كان ماهرا أيضا في الفنون اليدوية، فكان يصنع العديد من الأشياء من الذهب والفضة وسنّ الفيل، ومما عُرف عنه أنه كان يرسل هذه المنتجات إلى الأسواق لبيعها، وكان يتصدق بقسم من الأموال العائدة منها، وينفق الباقي على احتياجاته الشخصية.

كما عُرف عن السلطان عبد الحميد الثاني ولعه بالفنون اليدوية أيضا، حيث تلقّى دروسا في النجارة والرسم منذ أن كان أميرا، وبعد صعوده إلى العرش، قام بتخصيص ورشة بجوار قصره، ليعمل فيها في أوقات الفراغ. وأثناء حرب الدولة العثمانية مع اليونان في عهده، قام عبد الحميد بصناعة عصا خاصة بالحرب ووزعها على جميع جنود الجيش.

مجموعة أدوات نحت خاصة بالسلطان عبدالحميد الثاني

الموسيقى أيضا كانت من أبرز الفنون التي اهتم بها كثير من سلاطين بني عثمان، حتى أن بعض السلاطين قاموا بتأليف العديد من الألحان، بل إن بعضهم أوجد عدة مقامات موسيقية. فالسلطان بيازيد الثاني، مثلا، له 9 مقدمات موسيقية، وقد بدأ في عهده التداوي العقلي بالموسيقى. وكان السلطان محمود الأول عازفا ماهرا للكمان، وله عدة ألحان.

يضع الموسيقيون حتى اليوم، السلطان سليم الثالث، في أبرز مراتب الموسيقيين في الإمبراطورية العثمانية، حيث قام بإيجاد 14 مقاما موسيقيا، ونظرا لانتسابه للطريقة المولوية، فقد أخذ أشعارا من الشيخ المولوي "شيخ غالب" الذي كان مقربا منه، وقام بتلحينها. كما عُرف عن السلطان محمود الثاني أيضا اهتمامه الكبير بالموسيقى، وله ستة وعشرون لحنًا باقيا حتى اليوم، ومن أشهر ألحانه، "حجاز ديوان". كما عُرف عن آخر السلاطين العثمانيين، وهو وحيد الدين، أنه كان عازفا للقانون ويكتب الألحان، وله 41 لحنا.

كما برع بعض السلاطين في فن الخط، كالسلطان بيازيد الثاني، الذي ظهر اهتمامه بفن الخط منذ أن كان أميرا، وقام بدعم الخطاطين في عهده

ازدهر فن الرسم أيضا في عدة مراحل للدولة العثمانية، وكان السلطان عبد المجيد، من الشغوفين بهذا الفن، وكان دائما ما يدعم "جمعية الرسامين العثمانيين". كما كان السلطان عبد العزيز أيضا من المهتمين بالرسم وله العديد من اللوحات، حيث تلقى دروس الرسم منذ أن كان أميرا، وبعد أن صار سلطانا دعا العديد من الرسامين العالميين إلى القصر، وطلب من أن يقيموا ورشًا لتعليم الرسم وبيع اللوحات في اسطنبول.

كما برع بعض السلاطين في فن الخط، كالسلطان بيازيد الثاني، الذي ظهر اهتمامه بفن الخط منذ أن كان أميرا، وقام بدعم الخطاطين في عهده، ويُرجع كثير من الباحثين الفضل إليه في ازدهار فن الخط عند العثمانيين. ومن بين السلاطين الذين اهتموا بفن الخط منذ الصغر، السلطان مراد الثالث، الذي أصبح بعد ذلك من أبرز الخطاطين في عصره، بالإضافة إلى براعته في الشعر، وقد نشر ديوانه باسم "مُرادي"، وله أيضا كتاب في التصوف.

هناك العديد من الفنون والهوايات المختلفة التي مارسها السلاطين العثمانيون، كالصيد والمصارعة، فالسلطان مراد الأول، تعلّق بالصيد وكانت يُخصص أوقاتا لرحلات الصيد بشكل مستمر، والسلطان بيازيد الأول أيضا، كان شغوفا بالصيد لدرجة أنه قام بتأسيس هيئة مختصة بالصيد، وكان لها مكانة رسمية في الدولة، كما أنه كان شغوفا أيضا بالمصارعة وركوب الخيل. وفي فن صياغة الحُليّ، كان السلطان سليمان القانوني ماهرا ومطلعا على نماذج الصياغة العالمية، وكان السلطان محمود الثاني مشهورا بتطعيم الصّدَف.

أخيرا، ينبغي الإشارة إلى أنه بحسب العديد من الباحثين الأتراك، فإن حرص الأسرة العثمانية على تعليم أبنائها مهنة يدوية أو اشتغاله بأي فن يختاره حسب موهبته لتأمين حياته الشخصية، كان تقليدا استمر لقرون في ذهنية بني عثمان، حتى إذا لم يحالفه الحظّ وتغيرت الأحوال يجد ما يُكسبه معيشته.

ووفق روايات بعض المؤرخين، من بينهم المؤرخ التركي المعروف، إسماعيل حامي دانيشمند، المختص في التاريخ العثماني، فإن أغلب السلاطين كانوا يحققون بالفعل دخلا من ممارستهم لهذه المهن الفنية المختلفة.