غادرت شاميمة بيجوم، المراهقة البريطانية من شرق لندن إلى سوريا في الـ15 من عمرها للانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي في النصف الثاني من شهر فبراير/شباط عام 2015 رفقة صديقاتها، وبعد مضي أربع سنوات وإنجاب طفل من أحد عناصر التنظيم، دعت بيجوم الشعب البريطاني للتعاطف معها والسماح لها بالعودة إلى وطنها الأم، المملكة المتحدة، بعد أن أمر وزير الداخلية بسحب جنسيتها البريطانية.

وبذلك أصبحت شاميمة التي توجد حاليًّا في مخيم للاجئين مع مولودها على الحدود السورية والتركية التي تديرها القوات الكردية رمزًا للصعوبات الأمنية والسياسية والقانونية التي تواجه الحكومات الأوروبية حاليًّا، ففي الوقت الذي رفضت فيه بعض الدول إعادتهم إلى الوطن، قبلت أخرى وعرضت حلولًا وشروطًا قانونية لاستقبالهم على أراضيها، في المقابل فضلت حكومات أخرى أن تضع رأسها في الرمال، متأملةً أن تختفي هذه المشكلة بطريقة ما.

كم يبلغ عدد المحتجزين في سوريا؟

قدرت الأبحاث في عام 2016 أن ما بين 3900 و4300 من مواطني الاتحاد الأوروبي انضموا إلى تنظيم داعش، ومعظمهم من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، ووفقًا لتقرير البرلمان الأوروبي الذي صدر في العام الماضي فإن 30% منهم عادوا إلى ديارهم بالفعل، أما بالنسبة إلى المسجونين حاليًا في شمال شرق سوريا، فيقدر عددهم ما بين 800 و1000 مقاتل أجنبي من بينهم بريطانيين وأمريكيين وفرنسيين وألمان.

وكانت قد ناشدت قوات سوريا الديمقراطية الدول الغربية لاستعادة رعاياها المحتجزين في سوريا، مشيرةً إلى أنها لا تمتلك القدرة على محاكمتهم أو معالجتهم، لكن السلطات التي يقودها الأكراد لم يتجاوبوا مع مطالبهم، وهذا التجاهل يفسر مدى الحيرة التي تشعر بها الدول الغربية التي ترى أن عودة هؤلاء المقاتلين بمثابة تهديد أمني لأراضيهم ولن يكونوا سوى مصدر إضافي للقلق، وهذا ما أشار إليه رئيس جهاز المخابرات البريطاني أليكس يونغر، عندما قال: "من المحتمل أن يكونوا اكتسبوا مهارات تجعلهم أكثر خطورةً مما نتوقع".

يضاف إلى ذلك، قلق آخر وهو الغضب الشعبي المحتمل مع عودتهم، لا سيما إذا لم يبدوا أي شعور بالندم أو الأسف، مثل بيجوم التي أخبرت وسائل الإعلام البريطانية سابقًا أنها لا تشعر بالندم لانضمامها للتنظيم.

السجن أو العلاج.. كيف ستتعامل الدول الغربية مع مقاتلي داعش "السابقين"؟

حاولت واشنطن وحلفاؤها العسكريين في سوريا والعراق الإصرار على الضغط على الدول الأوروبية لإقناعهم بضرورة استقبال الأجانب المعتقلين في الأراضي التي كانت تسيطر عليها داعش، واختلفت مواقف الدول بشكل كبير.

بالنسبة إلى فرنسا، فلقد عبرت عن استعدادها في استعادة المسلحين ومحاكمتهم "كل قضية على حدة"، وأكدت وزيرة العدل نيكول بيلوبيت لتليفزيون فرنسا 2، أنه إذا تمكن أحد من العودة، فيجب أن يكون مستعدًا للاستجواب والتحقيق، وأكدت احتمالية المحاكمة، وكان جان إيف لو دريان وزير خارجية فرنسا، قد وصف في السابق مقاتلي داعش وزوجاتهم بأنهم "أعداء" لفرنسا ولكنها مع ذلك تفكر في استقبال أكثر من 100 من هؤلاء "الأعداء" لأراضيها.

جدير بالذكر أنها في بادئ الأمر، كانت تفكر في تجريد مواطنيها من الجنسية عام 2015 ولكنها تخلت عن هذا الاقتراح الذي جاء به الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بعد أن أدرك أن هذه الخطة تحتاج إلى إضافة هذا البند للدستور الفرنسي.

يقدر جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني أنه منذ عام 2013، غادر أكثر من ألف و50 مقاتلًا ألمانيًا إلى العراق وسوريا، ويعتقد أن نحو ثلث هؤلاء قد عادوا إلى ألمانيا

لم تسر المملكة المتحدة على نفس النهج، بل كانت أكثر شدةً وحزمًا، وقال ساجد جاويك، وزير الداخلية إنه "لن يتردد" في منع عودة المواطنين البريطانيين الذين دعموا المنظمات الإرهابية، وأضاف في حال وجود إمكانية للعودة، فسيتعرض العائد للاستجواب والمحاكمة، ولكن المملكة أدخلت قانونًا جديدًا يجعل من السفر إلى أي "منطقة معينة" مثل مناطق الحرب في سوريا، جريمة جنائية، ما لم يكن الشخص منشغلًا في نشاط إنساني أو حقوقي أو صحفي، علمًا أنها في عام 2017 جردت أكثر من 100 شخص من مواطنيها الذين انضموا للتنظيم.

واستمر اختلاف موقف الدول الأوروبية بهذا الشأن مع إعلان الحكومة الألمانية أنها لا تزال لا تملك سياسة واضحة بشأن كيفية تعاملها مع مواطنيها الذين يعتقد أنهم قاتلوا مع داعش، ولا تزال تجري اتصالات ومحادثات مع الدول المعنية بهذه المسألة، إذ يقدر جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني أنه منذ عام 2013، غادر أكثر من ألف و50 مقاتلًا ألمانيًا إلى العراق وسوريا، ويعتقد أن نحو ثلث هؤلاء عادوا إلى ألمانيا و200 آخرين قتلوا خلال المعارك الأخيرة، ومن بين العائدين هناك أكثر من 110 من الذين لعبوا أدوارًا رئيسية في أرض المعركة وظلوا موضوعًا لتحقيقات الشرطة والقضاء.

تحاول بلجيكا حاليًّا أخذ قرار بشأن إعادة 6 أطفال بلجيكيين مع أمهاتهم اللواتي انضممن إلى التنظيم، بالإضافة إلى السويد التي استقبلت 65 امرأةً تقريبًا مع أطفالهن

على أي حال، لن يستطيع العائدون الهروب من المحاكمة، إلا أن بعض المحللين يقولون إن المحاكمة ستكون "صعبة وشبه مستحيلة"، لا سيما بالنسبة للمقاتلين المشتبه بانخراطهم بشكل مباشر بأعمال الحرب والعنف، وذلك نظرًا لصعوبة الحصول على شهادة الشهود أو توافر أدلة دامغة، وفي حال حصولهم على العفو، فتبقى هناك توجسات أخرى تتمثل بصعوبة إدماج هؤلاء الجماعة في المجتمع وحمايتهم من محاولات الانتقام أو المراقبة الحكومية لأنشطتهم.

كما تواجه بلجيكا نفس المأزق، فهي تحاول حاليًّا أخذ قرار بشأن إعادة 6 أطفال بلجيكيين مع أمهاتهم اللواتي انضممن إلى التنظيم، بالإضافة إلى السويد التي استقبلت 65 امرأةً تقريبًا مع أطفالهن ورأت أن الأطفال العائدين خاضوا تجارب مروعة وعنيفة، لا سيما أنه تم استخدامهم من داعش كمخبرين ضد والدايهم، مما يخلق شعورًا هائلًا بعدم الأمان والتوازن، والمشكلة تكمن بأنها لا تملك بروتوكولات محددة للتعامل مع هؤلاء لعلاجهم نفسيًا واجتماعيًا.

وفي نفس السياق، لم تأخذ كندا تدابير صارمة بخصوص هذا الشأن، وربما هذا ما صعد التوترات في البرلمان بين رئيس الوزراء جاستين ترودو وأندرو شير، زعيم حزب المحافظين، عما يجب فعله مع المواطنين الكنديين الذين يعودون إلى ديارهم، فمن ناحية، يبدو أن ترودو يؤكد على إعادة الدمج وإعادة التأهيل، ومن ناحية أخرى، يقول شير إن أمثل طريقة للمضي قدمًا هي الملاحقة القضائية والسجن وليس التساهل مع الإرهابيين.

لكن جاء جواب الحكومة الكندية هادئًا ومقتضبًا، وقالت إن لديها مجموعة من الأساليب للحفاظ على سلامة الكنديين ومنها أدوات المراقبة التي من شأنها أن تحافظ على الأمن القومي، لكن المعارضة رأت أن هذا الرد لن يردع الناس من مغادرة كندا للمشاركة في التدريبات والتنظيمات الإرهابية والإجرامية، لا سيما أن المادة 83 من القانون الجنائي لجرائم الإرهاب تنص على "لا يمكنك تسهيل أو توجيه أو إيواء الإرهاب في أي مكان، ولا يمكنك مغادرة كندا للمشاركة في الأنشطة الإرهابية، العقوبات على المخالفات كبيرة وتتراوح من 10 سنوات إلى السجن مدى الحياة".

وبعد جولة طويلة من الانتقادات والنقاشات بين الحكومة الليبرالية والمحافظين، لم يتخل أي من الطرفين عن مواقفهم، ففي وقت سابق من هذا العام، أنشأت أوتاوا مركزًا لمكافحة التطرف وهو المركز الكندي لمشاركة المجتمع ومنع العنف، وهو ما أثار غضب المعارضة مجددًا التي ردت على هذه الخطوة قائلةً: "من المضحك أن نتجاهل حقيقة أن شخصًا ما كان في الخارج يقاتل من أجل منظمة إرهابية ثم عاد إلى وطنه ليصبح مواطنًا نموذجيًا، يجب ألا يُمنح الناس تصريحًا لأننا نريد إعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع".

ستدرس كندا ظروف كل عائد والأسباب التي دفعته للمشاركة في هذا التنظيم، وفي حال إثبات عدم تعاونه في العمليات الإرهابية سيتم إعادة تأهيله وإدماجه في المجتمع على اعتبار أن الرحمة والتعاطف أساس القيم والمبادئ في المجتمع الكندي

وحين ارتفعت درجة التوترات بين الجانبين، بررت الحكومة الكندية موقفها بالقول إنه من الممكن أن يسافر أحد الشبان إلى الخارج للانضمام إلى منظمة إرهابية لكنه قد يغير رأيه ولا يشارك فعليًا في أنشطة المنظمة أو ارتكاب أي أعمال إرهابية، وقد يكون دافع الشخص نتيجة لبعض القضايا العقلية والعاطفية والشخصية الأساسية، ولذلك علينا أن نفرق بين هذا الشخص والأفراد الآخرين الذين يغادرون البلاد لارتكاب أعمال إرهابية شنيعة مثل القتل والاغتصاب.

بمعنى آخر، ستدرس كندا ظروف كل عائد والأسباب التي دفعته للمشاركة في هذا التنظيم، وفي حال إثبات عدم تعاونه في العمليات الإرهابية سيتم إعادة تأهيله وإدماجه في المجتمع الكندي على اعتبار أن الرحمة والتعاطف أساس القيم والمبادئ في المجتمع الكندي، إضافة إلى إيمانهم بأن عدم استقبالهم وتركهم مشتتين سيحفزهم على ارتكاب الفظائع في أماكن أخرى.

استقبلت البوسنة نحو 60 شخصًا من أبنائها وحاكمت ما يقارب 23 شخصًا، منهم من سجن لمدة 42 عامًا وآخرين لـ8 أشهر، ومنهم لا يزال يتعرض للملاحقات القانونية، وأشارت إلى عدم إمكانيتها رفض حق المواطنين في العودة لوطنهم

وأخيرًا، لم تنس هذه الحيرة العالمية توريد بعض من همومها إلى البوسنة والهرسك التي غادر من أراضيها نحو 200 رجل و70 امرأةً إلى سوريا والعراق الذي من المتوقع أن تستقبل نحو 70 طفلًا مع أحد الوالدين مع وجود 120 مواطنًا في المخيمات، إذ قال وزير الأمن في البوسنة والهرسك، دراغان ميكيتيتش، إن "المفاوضات جارية" عما إذا كان من الممكن إرجاع المواطنين البوسنيين إلى بلدهم، ولكن لن يتم ذلك إلا بعد التحقق من هوياتهم.

وبالفعل استقبلت البوسنة نحو 60 شخصًا من أبنائها وحاكمت ما يقارب 23 شخصًا، منهم ما سجن لمدة 42 عامًا وآخرين لـ8 أشهر، ومنهم لا يزال يتعرض للملاحقات القانونية، وأشارت إلى عدم إمكانيتها لرفض حق المواطنين في العودة لوطنهم، ولكن ذلك لن يتم دون معالجتهم وفحصهم بشكل دقيق ومراقبتهم عن كثب.

بالنهاية من الواضح أن الدول الغربية لم تتفق على سياسة واحدة للتعامل مع العائدين، على الرغم من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بضرورة إيجاد حل سريع لهذه الأزمة حتى لا تضطر قواته إلى إطلاق سراحهم دون شروط، مما سينزع السيطرة الأمنية من تحت يدي الدول الأوروبية وهذا ليس في صالحها في الوقت الحاليّ، ولكن لا شك أن كلا الخيارين يتبعهما سلسلة من العواقب، فهل يكون الخلاص فعلًا في استقبالهم والسماح لهم بالتحرك داخل حدود محدودة وتحت مراقبة السلطات أم تجاهل رغبتهم في العودة؟