يعود جدل المنطقة الآمنة التي طالبت بها أنقرة سابقًا إلى الساحة السياسية مجددًا بعد تكرار أنقرة الضغط على حلفائها لشن معركة عسكرية نحو مناطق سيطرة الوحدات الكردية المتمثلة بقوات سوريا الديموقراطية "قسد" المدعومة من واشنطن، المنطقة الآمنة اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر تغريدة على تويتر، الأحد 13 من يناير/كانون الثاني، على أن تكون بعرض 20 ميلًا (32 كيلومترًا)، أخذت العديد من التكهنات والتوقعات تتصدر الإعلام العالمي لا سيما بعد إعلان واشنطن انسحابها من سوريا وصولًا إلى قرارها بإبقاء بضع من قواتها في الشمال الشرقي من سوريا.

تعتبر المنطقة الآمنة من أبرز المطالب التي طالب بها السوريون إبان المظاهرات السلمية المطالبة بالتغيير الديموقراطي، منتصف 2011، إذ طالب المتظاهرون بإنشاء منطقة عازلة بعد انتهاكات النظام بحق المعارضين وقصف مناطق وجودهم، ناهيك عن الاعتقالات التي مورست بحقهم، فخلال قمع أجهزة النظام للاحتجاجات، شهدت المظاهرات في تلك الحقبة مطالب عدة أبرزها المنطقة الآمنة لإيواء المدنيين من القصف العنيف الذي يستهدف مناطقهم.

بقيت هذه المطالب حبرًا على اللافتات التي رفعها المتظاهرون دون تنفيذ لها أو إشارة دولية لتنفيذها، لتكون تركيا أول المطالبين بإنشاء منطقة عازلة قرب حدودها لوقف تدفق اللاجئين إلى أراضيها، لكنها لم تأخذ الرضى الدولي لإقامة المنطقة الآمنة على حدودها.

وبعد فشل أنقرة في الحصول على الضوء الأخضر الامريكي لشن معركة عسكرية شرق الفرات، في الربع الأخير من العام الماضي، أعادت أنقرة ملف المنطقة الآمنة إلى الطاولة لتنفيذه في منطقة شرق الفرات، وتسهيل عودة ملايين اللاجئين، حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال كلمة له أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان، الثلاثاء 15 من يناير/كانون الثاني، إنه يمكن إنشاء المنطقة الآمنة في حال تلقي تركيا الدعم المالي واللوجستي من الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي، بهدف توفير الأمن للسوريين، مضيفًا "يمكن أن تتولى شركة الإسكان التركية أعمال الإنشاءات بالمنطقة الآمنة المزمعة على الحدود السورية"، لكن لم تستطع أنقرة رغم محاولاتها الحصول على موافقة واشنطن لإنشاء منطقة آمنة تديرها.

فور إعلان أنقرة إنشاء منطقة آمنة أخذ الإعلام التركي يحدد المناطق التي تشملها المنطقة الآمنة في محافظات الحسكة والرقة وحلب، وتبدو قريبة جدًا من المنطقة الآمنة التي طالب بها السوريون خلال السنوات السابقة

وعلى الرغم من المؤتمرات المتواصلة بين الجانبين (الأمريكي والتركي) لا تبدو ملامح الرضى الأمريكية في دخول القوات التركية منطقة شرق الفرات، وأنها مسألة تفاهم أوسع من نطاق بسط سيطرة، إذ تحتوي المنطقة ثروات باطنية ضخمة لا يمكن التخلي عنها بسهولة، ناهيك عن المكاسب التي حققتها واشنطن في قتالها لتنظيم الدولة الإسلامية من خلال وجودها إلى جانب قوات سوريا الديموقراطية "قسد".

وفور إعلان أنقرة إنشاء منطقة آمنة أخذ الإعلام التركي يحدد المناطق التي تشملها المنطقة الآمنة في محافظات الحسكة والرقة وحلب، وتبدو قريبة جدًا من المنطقة الآمنة التي طالب بها السوريون خلال السنوات السابقة، وفي فتح الحديث عن المنطقة الآمنة اعتبرت روسيا في أول تعليق لها عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف الأربعاء 16 من يناير/كانون الثاني أن "الحل الوحيد هو نقل هذه المناطق لسيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية"، في حين تباحثت أنقرة وموسكو موضوع المنطقة الأمنة في 23 من يناير/كانون الثاني.

من جانبها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أعلنت بقاء بضع مئات من القوات الأمريكية في سوريا، يأتي ذلك بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزم بلاده سحب قواتها من سوريا بشكل كامل، وقال المتحدث باسم البنتاغون الرائد شون روبرتسون في مؤتمر صحفي السبت 23 من فبراير/شباط: "القوات الأمريكية الموجودة في منطقة التنف على الحدود الأردنية العراقية ستواصل البقاء هناك"، وأضاف "قوة المراقبة المتعددة الجنسيات ستضمن إرساء الاستقرار في المنطقة الآمنة مع القوات الأمريكية، وتمنع عودة تنظيم الدولة، وستتشكل بالدرجة الأولى من حلفاء الناتو"، ولم يظهر المتحدث باسم البنتاغون هوية الدول التي ستشارك في إرساء الأمن في المنطقة الآمنة.

ونقلت وكالة الأناضول التركية عن مسؤول في البنتاغون قوله: "القوات التركية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لن تدخل المنطقة الآمنة المزمع إقامتها من الولايات المتحدة مع قوات دولية"، يأتي ذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي الجمعة 22 من فبراير/شباط، الإبقاء على 400 جندي في سوريا، في إشارٍة منه إلى أن الخطوة لا تعني تغييرًا على إعلانه الانسحاب من سوريا في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي.

اعتبرت أنقرة أنه لا يمكن إنشاء منطقة عازلة على حدودها إلا بإدارتها، وتبدو تركيا مصرة على إقامة منطقة آمنة قرب حدودها، وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزم بلاده إقامة منطقة عازلة في شمال شرقي سوريا سواء لمست تعاونًا من حلفائها أم لا

وفي السياق نقلت وكالة رويترز عن مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية الجمعة 22 من فبراير/شباط: "الولايات المتحدة ستترك في المجمل 400 جندي في سوريا على أن يتم تقسيمهم على منطقة آمنة يجري التفاوض عليها في شمال شرق البلاد وقاعدة للجيش الأمريكي في التنف قرب الحدود مع العراق والأردن"، وبين المسؤول أن المئتين في شمال شرق سوريا سيكونون في إطار التزام بنحو 800 إلى 1500 جندي من الحلفاء الأوربيين لإقامة المنطقة الآمنة ومراقبتها.

وتبدو التصريحات التي نقلتها وسائل الإعلام عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية استحوذت الرأي العام من خلال عدم إشراك قوات سوريا الديمقراطية في توفير الأمن في المنطقة الآمنة، وكذلك القوات التركية، فمن ستكون القوى التي ستوفر الأمن، فقد سبق وقدمت العديد من الجهات من بينها قوات البيشمركة السورية دعمها لتوفير الأمن، وقوات عربية عشائرية بقيادة أحمد الجربا رئيس الائتلاف السابق، لكن هذه المحاولات فشلت بعد سعي الجربا للتواصل مع أنقرة لتسيير أمور المنطقة العازلة، ولم يستطع الجربا تحقيق أي مكاسب على صعيد تشكيل قواته.

ومن جانبها اعتبرت أنقرة أنه لا يمكن إنشاء منطقة عازلة على حدودها إلا بإدارتها، وتبدو تركيا مصرة على إقامة منطقة آمنة قرب حدودها، فقد أكد الرئيس التركي رجي طيب أردوغان السبت 23 من فبراير/شباط عزم بلاده إقامة منطقة عازلة في شمال شرقي سوريا سواء لمست تعاونًا من حلفائها أم لا.

كثيرةٌ هي التوقعات والمقترحات المقدمة بخصوص المنطقة الآمنة ولكنها إلى الآن لا تبدو إلا تصريحات، في حين يواجه المدنيون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الوحدات الكردية تضييقًا غير مسبوق بالتزامن مع فقدان مقومات الحياة

وقال أردوغان: "نتمنى إنشاء المنطقة الآمنة بالتعاون مع حلفائنا، لكن في حال لم يتم توفير مثل هذه التسهيلات لنا، فإننا مصممون على إقامتها بإمكاناتنا الخاصة مهما كانت الأحوال والظروف"، وأوضح "نريد تسريع عودة السوريين إلى ديارهم"، وتابع: "أشقاؤنا السوريون مشتاقون إلى ديارهم ووطنهم، لذلك يريدون العودة في أقرب وقت"، ولفت أردوغان إلى أن المناطق الوحيدة التي عاد إليها سكانها هي تلك التي جعلتها تركيا مناطق آمنة مثل عفرين وجرابلس وإدلب، وتعتبر مناطق معركة درع الفرات ومعركة غصن الزيتون أفضل مثال على الأمن الذي قدمته تركيا في المنطقة.

كثيرةٌ هي التوقعات والمقترحات المقدمة بخصوص المنطقة الآمنة ولكنها إلى الآن لا تبدو إلا تصريحات، في حين يواجه المدنيون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الوحدات الكردية تضييقًا غير مسبوق بالتزامن مع فقدان مقومات الحياة فضلًا عن المخيمات التي انتشرت في المنطقة خلال معارك قسد وداعش، فهل ستقوم تركيا وحيدةً بتوفير الأمن في المنطقة أم أن حلفاءها سيكون لهم دور بارز، أم أن واشنطن ستهمش أنقرة في المنطقة الآمنة المزعم إنشاؤها؟